هذه المكانة تتجلى أيضًا في الرعاية الإلهية
المباشرة التي أحاطته منذ يومه الأول، يذكّره ربه بمننه عليه في رحلة حياته
الشاقة، لا ليمنّ عليه، بل ليطمئن قلبه بأن العين التي رعته في يتمه وفقره وضعفه،
هي ذاتها التي تحرسه في دعوته ورسالته: {أَلَمۡ
يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ *
وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ *
وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ} [الضحى: ٦-٨]، ثم يأتيه الضمان الأبدي بالحفظ والعصمة: {وَٱللَّهُ
يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ} [المائدة: ٦٧]. إنها رسالة مفادها: امضِ في طريقك يا محمد، فإنك لست وحدك، أنت
بحفظنا ورعايتنا، ومن يقصدك فإنما يقصدنا.
وإذا كانت مكانته عند الله بهذا العلو، فكيف أراد
الله أن تكون مكانته في قلوب المؤمنين؟، لقد وضع القرآن دستورًا أبديًا للأدب مع
حضرته الشريفة، دستورًا يربي الأمة على تعظيم من عظّمه الله، لم يكتفِ بالأمر
بطاعته، بل نسج حوله سياجًا من التوقير والاحترام يمتد من السلوك الظاهر إلى خفقات
القلب، ومن أروع ما جاء في هذا الباب قوله تعالى: {إِنَّ
ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا} [الأحزاب: ٥٦].
هنا، يخبرنا الله سبحانه عن حقيقةٍ قائمةٍ في
الملأ الأعلى، فقبل أن يأمرنا بشيء يعلن جل جلاله أنه وملائكته الأطهار يصلون على
النبي، صلاة الله ثناءٌ وتشريف، وصلاة الملائكة دعاءٌ واستغفار، وبعد أن يخبرنا
بهذه الحقيقة الكونية العظيمة، يأمرنا نحن أهل الأرض بأن ننضم إلى هذا العرس
السماوي، بأن تكون صلاتنا عليه صدىً لصلاة الله وملائكته، لم يقل {صَلُّواْ
عَلَيۡهِ} فقط، بل أضاف {وَسَلِّمُواْ
تَسۡلِيمًا}، أي
انقادوا لأمره انقياداً كاملًا، ظاهرًا وباطنًا، حبًا وتعظيمًا، وهذا المعنى وإن
اختلف عن قول الجمهور حول معنى سلموا الذي هو عندهم أي سلموا عليه تحية، غير أنه
لا تعارض بين المعنيين، فقد ذكر هذا المعنى ابن الجوزي في تفسيره قائلا: وذهب ابن
السائب إِلى أن معنى التسليم: سلِّموا لِمَا يأمركم به. [زاد المسير (٣/ ٤٨٢)]
ويؤكد
هذا المعنى قول الله تعالى: {فَلَا
وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ
لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسۡلِيمٗا} [النساء: ٦٥]
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى أدق
تفاصيل التعامل، إلى نبرة الصوت: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ
وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ
أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ} [الحجرات: ٢]، يا له من تحذيرٍ يهز الكيان! إن مجرد رفع الصوت فوق صوته، دون قصد
الإساءة، قد يكون سببًا في حبوط العمل كله، وهذا ليس لحماية أُذنه الشريفة، بل لحماية قلوبنا وأعمالنا نحن، فميزان
قبول العمل هو الأدب معه، وأي سوء أدبٍ في حضرته هو خدشٌ في جوهر الإيمان قد يفسد
كل شيء، إنه يعلمنا أن حضرته ليست كأي حضرة، وأن مقامه ليس كأي مقام.
إن هذا التوقير ليس مجرد سلوكيات، بل هو حالة
قلبية دائمة، فالقرآن يربط الإيمان الحقيقي بتقديم محبته -صلى الله عليه وسلم- على
محبة النفس والأهل والناس أجمعين: {ٱلنَّبِيُّ
أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ} [الأحزاب: ٦]،
هذه الأولوية ليست في الحكم والتشريع فقط، بل في
الحب والشوق، في أن يكون خاطرُه الشريف أغلى من خواطرنا، ورضاه أحب إلينا من
رغباتنا، فهو الباب إلى الله، ولا دخول إلا منه، وهو الدليل على الله، ولا وصول
إلا به.
إن مكانة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في
القرآن ليست مجرد تكريمٍ لشخصه في زمانه، بل هي حقيقةٌ ممتدةٌ في الزمان والمكان،
فهو النور الذي لا ينطفئ، والذكر الذي لا ينقطع، لقد وصفه القرآن بأنه {وَسِرَاجٗا
مُّنِيرٗا} [الأحزاب: ٤٦]. والسراج لا يضيء لنفسه، بل يبدد الظلمات لمن حوله، ونوره ليس نارًا
تحرق، بل هو نورٌ يدفئ القلوب، وينير البصائر، ويكشف معالم الطريق إلى الله، إنه
النور الذي أخرج الله به الناس من ظلمات الشرك والجهل إلى نور التوحيد والعلم.