ضرب لنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- النموذج الأمثل العملي لتعاليم الإسلام السمحة، ومن أبرز هذه القيم قيمة العفو والصفح، والمسامحة الحقة، التي تجلت في مواقفه كلها، حتى مع من آذاه وحاربه.
ضرب لنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- النموذج الأمثل العملي لتعاليم الإسلام السمحة، ومن أبرز هذه القيم قيمة العفو والصفح، والمسامحة الحقة، التي تجلت في مواقفه كلها، حتى مع من آذاه وحاربه.
لقد مدح القرآن الكريم خلق رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وزكَّاه، فقال سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ} [القلم: ٤]، فكأن الجناب المفخم -صلى الله عليه وسلم- فوق الأخلاق، ثم كان التأسيس النظري، فأمر الله تعالى حبيبه ونبيه -صلى الله عليه وسلم- بالعفو والصفح، حتى عن الذين لم يؤمنوا به، فقال: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: ١٣]، وهذه الآية تضع العفو في مرتبة الإحسان التي يحبها الله، وعرفها النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». [أخرجه البخاري (٥٠)].
ثم كان النهي عن الشدة، فنهاه الله تعالى عن أن يكون فظًا غليظ القلب مع الناس، ليكون ذلك سببًا في نفورهم، فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: ١٥٩]، فاللين والعفو كانا سببًا في تأليف القلوب وجمع الناس حوله.
وقد بين الله له كيفية التعامل مع الناس، فقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: ١٩٩]، يقول الإمام الطبري وأولى الأقوال في تفسيره: " قولُ مَن قال: خُذِ العفو من أخلاقِ الناس واتْركِ الغلظةَ عليهمْ، ... حدثني يونس قال: أخبرنا سفيان، عن أبَيّ قال: لما أنزل الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله يأمرك أن تعفوَ عمن ظلمك، وتعطيَ من حرمك، وتصل من قطعك، ... فإنه أمر من الله تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم أن يعرض عمن جهل،.. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل" [تفسير الطبري (١٠/٦٤٢ -٦٤٤)].
وهكذا رسم القرآن الملامح العامة لشخصيته -صلى الله عليه وسلم، التي التزمت العفو منهجًا ثابتًا.
إذا كان القرآن قد رسم الإطار النظري لمسألة العفو والصفح، فإن السنة النبوية زاخرة بالمواقف العملية التي تجسد هذا العفو بأعلى صوره وهذه نماذج من السنة تبين عظم خلقه في العفو:
الموقف الأول: العفو عند المقدرة في فتح مكة: الموقف الأبرز الذي خلده التاريخ، حين دخل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مكة منتصرًا، وقد اجتمع له من دَبَّرَ وبالغَ في تكذيبه وأذيَّته من قريش ما لا يحصى، فجمعهم وسألهم: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟»؛ قالوا: "خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم"، فقال كلمته التاريخية: «لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء». [سيرة ابن هشام (٢٤١٢/)].
لقد عفا عن كفار قريش التي حاربت الدعوة الإسلامية طيلة سنوات، ليكون عفوه هذا سببًا في دخولهم الإسلام أفواجًا.
الموقف الثاني: العفو عن محاولة القتل: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه، أن رجلًا من المشركين اخترط سيف النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نائم، فقال له: "من يمنعك مني؟" فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «الله»؛ فسقط السيف من يد الرجل، فأخذه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: «مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟» قال الرجل: "كن خير آخذ"، فعفا عنه وتركه». [رواه البخاري (٢٧٥٣)] إنها روعة الأخلاق التي تنتزع الاعتراف بالجميل حتى من قلب العدو، وتجسد معنى العفو كأصل خلقة، مما يحمل الغير على التسليم أنه ليس تصنعًا.
الموقف الثالث: العفو عن الساحر والقاتل: فقد عفا عن اليهودي الذي سحره، وعن المرأة اليهودية التي أهدت له شاة مسمومة في خيبر، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-، أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: "أرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ" فَقَالَ: «مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ قَالَ: عَلَيَّ»، قَالَ: فَقَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: «لَا» فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-. [أخرجه أبو داود (٤٥٠٨)]، ففي الرواية دليل على أنه لم يقتلها، بل أعرض عنها وعفا عنها.
الموقف الرابع: الدعاء بالهداية لأعدائه: في غزوة أحد، عندما شُج وجهه الشريف وكسرت رباعيته، رفع يديه ودعا: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» [رواه البخاري (٣٢٩٠)]، إنه لا يدعو عليهم بالهلاك، بل يدعو لهم بالمغفرة والهداية.
ويمثل لنا تلك القصة رأى العين سيدنا عبد الله مسعود وهو يقول: "كأني أنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحكي نبياً من الأنبياء -يعني نفسه-، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» [رواه البخاري (٦٥٣٠)].
وهذه المواقف ليست سوى غيض من فيض من سيرته العطرة، وتطبيقه العملي للقرآن الكريم يمثل قرآنا يمشي على الأرض.
يستشهد البعض بقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- لأفراد، مثل كعب بن الأشرف وأبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، محاولين تصويره بأنه لم يعفُ عندما امتلك القدرة، وهذا فهم قاصر يخلط بين العفو الشخصي وتطبيق حدود الله وحماية الأمة، ولذا لا بد أن نرى طبيعة الجريمة، وما يترتب عليها ثم يمكن أن نرى تجلى عفوه -صلى الله عليه وسلم.
طبيعة الجريمة: لم يكن قتل هؤلاء بسبب إساءة شخصية للنبي -صلى الله عليه وسلم، بل كان بسبب جريمة الخيانة العظمى والتحريض على قتال المسلمين.
فكان كعب بن الأشرف شاعرًا ذا تأثير، ذهب إلى مكة بعد غزوة بدر وأخذ يحرّض قريشًا على قتال المسلمين ويهجو النبي -صلى الله عليه وسلم- ويؤلب عليه، محاولًا تأليب العرب كلهم على المسلمين، ولقد تحوَّل إلى خطر أمني يهدد كيان الدولة الناشئة، فلم يعد الأمر شأنًا شخصيًا، بل أصبح شأنًا عامًا يتعلق بأمن المجتمع وسلامته، ولا بد من قطع أواصر الفساد المتشبعة به.
أما أبو رافع عبد الله بن أبي الحقيق، فقد كان من زعماء يهود خيبر، وكان من المحرضين الرئيسيين على تجميع الأحزاب ضد المسلمين في غزوة الخندق، واستمر في عدائه وتحريضه، فكيف يُترك وقد ثبتت منه الخيانة.
فالفرق بين العفو الشخصي والعقاب العام ميزه النبي -صلى الله عليه وسلم- تمامًا بين من أساء إليه شخصيًا فعفا عنه، كما في قصة الأعرابي الذي جذبه بشدة، وبين من أصبح خطرًا يهدد الأمن العام ويسعى لإشاعة الفتنة وضرب استقرار الدولة الإسلامية، فالعفو كان في حقه الشخصي، أما في حقوق الله والمجتمع، فكان يطبق الشرع، ويقطع ما من شأنه إثارة الفتن، ونشر الفساد في المجتمع.
والحكمة تقتضي الحفاظ على المصلحة فالإسلام دين واقعي، والعفو لا يعني التهاون أو ترك المجال لأعداء الأمة أن يعبثوا بأمنها، يقول تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: ١٩١]، فترك مثل هؤلاء المحرضين كان سيفتح باب فتنة أكبر تؤدي إلى إراقة دماء كثير من المسلمين.
وتؤكد لنا كتب السيرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينتقم لنفسه قط، فقد جاء الحديث عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا». [رواه البخاري (٣٣٦٧)].
فقَتلُ كعب وأبي رافع كان انتقامًا لله وحماية لدينه وأمته، لا انتقامًا شخصيًا، ولا يمكن التغافل عن أن الوحي الشريف له الدور الأبرز في تلك الأمور.
لقد كان عفو سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- منهجًا حكيمًا، جمع بين الرحمة والعدل، فقد عفا عمن أساء إليه شخصيًا فاستمال قلوبهم، وطبق حدود الله على من اعتدى على المجتمع وأراد به السوء فحفظ أمنه، وكانت سيرته العطرة ترجمة عملية لقوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: ٣٤]. فما أعظمه من نبي، وما أجلّه من خلق!