Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فضل الاحتفال بمولد خير الأنام

الكاتب

هيئة التحرير

فضل الاحتفال بمولد خير الأنام

 في شهر ربيع الأول من كل عام تغمر قلوب المسلمين فرحة عارمة؛ حيث يحتفلون بذكرى مولد أعظم إنسان وطئت قدمه الأرض، وهو سيدنا وحبيبنا محمد ﷺ. إنه احتفال بالخير والرحمة التي أرسلها الله للعالمين، تجتمع فيه القلوب على ذكر الله، ومدح رسوله، وإطعام الطعام، تعبيرًا عن حب عميق وشكر لله تعالى أن من علينا بنعمة سيدنا رسول الله ﷺ.

مشروعية الاحتفال سنة نبوية ومطلب قرآني

إن الاحتفال بمولد سيدنا رسول الله لهو نوع من الاتباع والاهتداء بسنة نبوية كريمة، فلقد كان رسول الله نفسه يقدّر يوم ميلاده، ويشكر الله عليه، فقد ورد في الحديث الصحيح، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه-، أنَّ النَّبِيَّ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِإثْنَيْنِ، قَالَ: «ذَاكَ ‌يَوْمٌ ‌وُلِدْتُ ‌فِيهِ، وَيَوْم بُعِثْتُ» [صحيح مسلم (٣/ ١٦٨)]

فهذا الفعل النبوي هو أساس الاحتفال بالمولد، فهو شكر عملي من النبي على نعمة وجوده في هذا الكون، ونحن إذا اتبعنا سنته، نعبّر عن شكرنا لله على هذه النعمة العظيمة، سواء كان ذلك بالصيام، أو الإطعام، أو ذكر الله، أو غيرها من أشكال الشكر التي لا تخرج عن أصل هذه السنة.

وهذا الاحتفال هو تطبيق عملي لقول الله تعالى: {وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ} [إبراهيم: ٥]، وأيام الله هي أيام نصره لأنبيائه، وأعظمها قدرًا هو يوم مولد سيد الأنبياء والرسل.

لقد أكرم الله أيام ميلاد الأنبياء، فجعلها أيام خير وسلام، فقال سبحانه عن سيدنا يحيى: {وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا} [مريم: ١٥]، وعن سيدنا عيسى: {وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا} [مريم: ٣٣]، فكيف بيوم مولد خير الأنام، الذي كان سببًا لكل نعمة في الدنيا والآخرة؟ إنه يوم يستحق أن نفرح به ونشكر الله عليه.

وقد صح عن النبي أنه صام يوم عاشوراء شكرا لله تعالى على نجاة سيدنا موسى في هذا اليوم، فكان هذا دليلا أن شكر الله تعالى على نعمه العظيمة في يوم معين هو عمل صالح، سواء كانت هذه النعمة دفع بلاء أو إهداء خير، ويمكننا أن نجدد هذا الشكر كل عام في نفس اليوم.

ويتحقق الشكر لله بأشكال متنوعة من العبادات، مثل الصلاة، والصيام، والصدقة، وقراءة القرآن، ومدح النبي ﷺ، فهل هناك نعمة أعظم من نعمة ولادة نبي الرحمة في هذا اليوم المبارك؟!

وَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَافِظُ الْعَصْرِ أبو الفضل ابن حجر عَنْ عَمَلِ الْمَوْلِدِ، فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: "أَصْلُ عَمَلِ الْمَوْلِدِ بِدْعَةٌ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، وَلَكِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَحَاسِنَ وَضِدِّهَا، فَمَنْ تَحَرَّى فِي عَمَلِهَا الْمَحَاسِنَ وَتَجَنَّبَ ضِدَّهَا كَانَ بِدْعَةً حَسَنَةً وَإِلَّا فَلَا، قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ لِي تَخْرِيجُهَا عَلَى أَصْلٍ ثَابِتٍ وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: هُوَ يَوْمٌ أَغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ فرعون وَنَجَّى مُوسَى فَنَحْنُ نَصُومُهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى"، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ فِعْلُ الشُّكْرِ لِلَّهِ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ فِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ مِنْ إِسْدَاءِ نِعْمَةٍ أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ، وَيُعَادُ ذَلِكَ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَالشُّكْرُ لِلَّهِ يَحْصُلُ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كَالسُّجُودِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالتِّلَاوَةِ، وَأَيُّ نِعْمَةٍ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ بِبُرُوزِ هَذَا النَّبِيِّ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؟ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَحَرَّى الْيَوْمُ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُطَابِقَ قِصَّةَ مُوسَى فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَمَنْ لَمْ يُلَاحِظْ ذَلِكَ لَا يُبَالِي بِعَمَلِ الْمَوْلِدِ فِي أَيِّ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ، بَلْ تَوَسَّعَ قَوْمٌ فَنَقَلُوهُ إِلَى يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ عَمَلِهِ.

وَأَمَّا مَا يُعْمَلُ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى مَا يُفْهِمُ الشُّكْرَ لِلَّهِ تَعَالَى، مِنْ نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، مِنَ التِّلَاوَةِ وَالْإِطْعَامِ وَالصَّدَقَةِ وَإِنْشَادِ شَيْءٍ مِنَ الْمَدَائِحِ النَّبَوِيَّةِ وَالزُّهْدِيَّةِ الْمُحَرِّكَةِ لِلْقُلُوبِ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وَأَمَّا مَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ السَّمَاعِ وَاللَّهْوِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مُبَاحًا بِحَيْثُ يَقْتَضِي السُّرُورَ بِذَلِكَ الْيَوْمِ لَا بَأْسَ بِإِلْحَاقِهِ بِهِ، وَمَا كَانَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا فَيُمْنَعُ، وَكَذَا مَا كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى. انْتَهَى." [الحاوي للفتاوي (١/ ٢٢٩)]

الفرحة بمولد الرحمة المهداة

يقول الله تعالى: {قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} [يونس: ٥٨]، لقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: "‌فضل ‌الله وَرَحمته مُحَمَّد ، قال الله تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧] [الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٤/ ٣٦٧)]

فالفرح بالنبي هو فرح بفضل الله ورحمته، وإذا كان الفرح بمولده قد عاد نفعه حتى على غير المسلمين، فكيف بالمسلم الذي وحّد الله وآمن برسوله

وقَالَ عُرْوَةُ بين الزبير رحمه الله: كانت ثُوَيْبَةُ ‌مَوْلَاةً ‌لِأَبِي ‌لَهَبٍ، كَانَ أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا، فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ» [ذكره البخاري في صحيحه تعليقا (٥/١٩٦١)]

وقال السهيلي رحمه الله: "وَفِي غَيْرِ الْبُخَارِيّ أَنّ الّذِي رَآهُ مِنْ أَهْلِهِ هُوَ أَخُوهُ الْعَبّاسُ، قَالَ: مَكَثْت حَوْلًا بَعْدَ مَوْتِ أَبِي لَهَبٍ لَا أَرَاهُ فِي نَوْمٍ، ثُمّ رَأَيْته فِي شَرّ حَالٍ، فَقَالَ: مَا لَقِيت بَعْدَكُمْ رَاحَةً إلّا أَنّ الْعَذَابَ يُخَفّفُ عَنّي كُلّ يَوْمِ إثْنَيْنِ، وَذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وُلِدَ يَوْمَ الِإثْنَيْنِ، وَكَانَتْ ثُوَيْبَةُ قَدْ بَشّرَتْهُ بِمَوْلِدِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَشَعَرْت أَنّ آمِنَةَ وَلَدَتْ غُلَامًا لِأَخِيك عَبْدِ اللهِ؟، فَقُلْ لَهَا: اذْهَبِي، فَأَنْتِ حُرّةٌ فَنَفَعَهُ ذَلِكَ" [الروض الأنف (٥/ ١٩١-١٩٢)]

وقال شيخ القراء الحافظ أبو الخير ابن الجزري: "فَإِذَا كَانَ أبو لهب الْكَافِرُ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِذَمِّهِ جُوزِيَ فِي النَّارِ بِفَرَحِهِ لَيْلَةَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِهِ، فَمَا حَالُ الْمُسْلِمِ الْمُوَحِّدِ مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يُسَرُّ بِمَوْلِدِهِ، وَيَبْذُلُ مَا تَصِلُ إِلَيْهِ قُدْرَتُهُ فِي مَحَبَّتِهِ -صلى الله عليه وسلم؛ لَعَمْرِي إِنَّمَا يَكُونُ جَزَاؤُهُ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ أَنْ يُدْخِلَهُ بِفَضْلِهِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ". [الحاوي للفتاوي (١/ ٢٣٠)]

وَقَالَ الْحَافِظُ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله فِي مَوْرِدُ الصَّادِي فِي مَوْلِدِ الْهَادِي: "قَدْ صَحَّ أَنَّ أبا لهب يُخَفَّفُ عَنْهُ عَذَابُ النَّارِ فِي مِثْلِ يَوْمِ الِإثْنَيْنِ لِإِعْتَاقِهِ ثويبة سُرُورًا بِمِيلَادِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَنْشَدَ:

إِذَا كَانَ هَذَا كَافِرًا جَاءَ ذَمُّهُ … وَتَبَّتْ يَدَاهُ فِي الْجَحِيمِ مُخَلَّدَا

أَتَى أَنَّهُ فِي يَوْمِ الِإثْنَيْنِ دَائِمًا … يُخَفَّفُ عَنْهُ لِلسُّرُورِ بِأَحْمَدَا

فَمَا الظَّنُّ بِالْعَبْدِ الَّذِي طُولَ عُمْرِهِ … بِأَحْمَدَ مَسْرُورًا وَمَاتَ مُوَحِّدَا

[الحاوي للفتاوي (١/ ٢٣٠)]

الاحتفال بالمولد سبيل للذكر والقرب من الله

إن الاحتفال بالمولد ليس مجرد عادة، بل هو فرصة للتعبير عن حبنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- من خلال الطاعات والأعمال الصالحة، فمنذ قرون، والمسلمون يحتفلون في شهر ربيع الأول بالولائم والصدقات وقراءة القرآن وسيرة النبي والمديح والابتهال، يقول الحافظ السخاوي: "ما زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن العظام يحتفلون في شهر مولده صلى الله عليه وسلم ‌وشرَّف ‌وكرَّم، يعملون الولائم البديعة المشتملة على الأمور البهجة الرفيعة، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرات، بل يعتنون بقراءة مولده الكريم، وتظهر عليهم من بركات كل فضل عميم بحيث كان مما جرب". [الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية (٣/ ١١١٦)]

الخلاصة

الاحتفال بمولد سيدنا رسول الله هو اتباع لسنة نبوية، فالنبي  نفسه كان يصوم يوم الإثنين شكرًا لله على نعمة ميلاده، وهذا الفعل يتماشى مع التوجيه القرآني بالاحتفاء بأيام الله، مثلما فعل النبيُّ بصيامه ليوم عاشوراء شكرًا لنجاة سيدنا موسى عليه السلام، وميلاد النبي زمن شريف ينبغي أن يستغله المسلم في الشكر على هذه النعمة العظمى وذلك بالأعمال الصالحة كالصيام، وإطعام الطعام، وقراءة القرآن، وإنشاد المدائح النبوية، وغير ذلك من أعمال الخير والبر.