كان حمل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وولادته حدثًا استثنائيًا أحاطته أنوار العناية الإلهية، فامتلأت القلوب بالبشرى، وأشرقت الدنيا بميلاد خير الخلق الذي أضاء الله به مسالك الإنسانية.
كان حمل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وولادته حدثًا استثنائيًا أحاطته أنوار العناية الإلهية، فامتلأت القلوب بالبشرى، وأشرقت الدنيا بميلاد خير الخلق الذي أضاء الله به مسالك الإنسانية.
تجلّت في سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حقيقة سامقة، وهي أنه لم يكن وليد لحظة زمنية عابرة، بل نورًا مخلوقًا بعناية ربانية، متهيئا لحمل أمانة الرسالة قبل خلق الخلق، في مرحلة تُعرف بالخلقة النورانية أو الطينة المباركة، وهي تعبير عن التكوين الروحي والاصطفاء الإلهي السابق لوجوده الجسدي.
وقد ورد في المواهب اللدنية أن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام أن يأتيه بطينة من "قلب الأرض وبهائها"، فقبض قبضة من موضع قبره الشريف، وعُجنت بماء التسنيم، حتى صارت كالدرة البيضاء لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي، وكأنهم يُعلنون استقبال النور المحمدي قبل ظهوره في الدنيا. [المواهب اللدنية: ١/ ٢٠].
هذا التصوير يُبرز أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- خُلق من طينة مختارة، من أطهر بقاع الأرض، وعُجنت بأشرف ماء في الجنة، إعلانًا في الملأ الأعلى أن الرحمة قد أُذن لها أن تُشرق على العالمين؛ ويُشعرنا هذا المعنى بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو ثمرة اختيار إلهي، وأن الملائكة كانت تحتفي به قبل أن تراه أعين البشر، مما يدل على علو منزلته، وخصوصية خلقته التي لا تُشبه أحدًا من العالمين، وأن النور الذي حمله كان سابقًا لوجوده الجسدي، ممتدًا في العالم العلوي قبل أن يُبصره أهل الأرض.
لقد كان حمل السيدة آمنة بنت وهب بسيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- حملًا فريدًا في صفائه، متميزًا في إشاراته، مختلفًا عن سائر الأحمال في طمأنينته وخفته، حتى إنها لم تجد فيه ألمًا ولا مشقة، وكأن الرحمة التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم- قد سبقت خروجه إلى الدنيا، فكانت تسري في جسد أمه وتغمرها بالسكينة، وقد رأت السيدة آمنة في منامها نورًا خرج منها أضاء قصور بُصرى من أرض الشام، وهذا النور يدل على انتشار الهداية في الآفاق، وانبعاث النور من مكة إلى بلاد الشام، التي ستكون من مواطن البركة في الإسلام [المواهب اللدنية: ١/ ٢٧].
هذا النور الذي رأته السيدة آمنة لم يكن مجرد رؤيا، بل كان بشارة ربانية، وإرهاصًا يدل على أن المولود المنتظر ليس كغيره من البشر، بل هو من سيحمل مشعل النور الإلهي، ويبدد ظلمات الجهل والضلال، ويهدي القلوب إلى طريق الحق، وقد كانت السيدة آمنة تشعر بأن في بطنها نورًا، وأنها تحمل شيئًا عظيمًا، مما يدل على أن الحمل نفسه كان مهيأً بالسكينة، وأن الله تعالى قد أحاطه بعناية خاصة، حتى قبل أن يُولد.
وُلد الجناب المعظم -صلى الله عليه وسلم- في يوم الإثنين، وهو اليوم الذي سيظل مرتبطًا في ذاكرة الأمة بالرحمة والبركة، وقد صاحب ولادته آيات عظيمة اهتز لها الكون، منها سقوط أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى، وانطفاء نار المجوس التي لم تنطفئ منذ ألف عام، وجفاف بحيرة ساوة التي كانت تُعبد من دون الله، وكلها دلالات لانطفاء الظلام وبدء عهد النور، وكأن الأرض كانت تستعد لاستقبال سيد الخلق، فطهّرت نفسها من مظاهر الشرك والفساد [المواهب اللدنية: ١/ ٣٠].
وقد ورد عن السيدة آمنة أنها قالت: "ما وجدت له مشقة، وما شعرت بثقل، وما رأيت إلا نورًا أضاء لي الدنيا". [شرح الزرقاني، ج١، ص١٢٢].
وهذا يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان رحمة حتى في لحظة خروجه إلى الدنيا، لا يُثقل أحدًا ولا يُؤلم أحدًا، بل يُبشّر بالسلام والطمأنينة منذ اللحظة الأولى.
وكانت ولادته -صلى الله عليه وسلم- لحظة من لحظات التغير الكوني، حيث تهاوت رموز الظلام، وبدأت الأرض تستقبل عهدًا جديدًا، عهد النور والرحمة، وكأن الكون كله كان ينتظر هذه اللحظة، ليبدأ تاريخ جديد، وتُبعث الحياة من جديد في القلوب والأرواح.
لقد كانت ولادة سيدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- ميلاد النور والرحمة، وبداية عهد جديد طهَّر الله به الأرض من الشرك والظلام، فامتلأت القلوب أملاً، وتباشرت الأكوان بالبشرى، ليبقى فيض نوره هدايةً للعالمين إلى قيام الساعة".