لا يُذكر أثره - صلى الله عليه وسلم - إلا وتهتز الأرواح، وتلين القلوب، وتُشرق الأكوان بنورٍ لا يُطفأ، فهو الذي عظّمه الله، وبارك كل ما اتصل به، فيرتفع الزمان، ويتقدّس المكان، وتحنّ الجماد، وتفيض البركة، وتُسقى القلوب من نوره قبل أن تُسقى من الماء.
لا يُذكر أثره - صلى الله عليه وسلم - إلا وتهتز الأرواح، وتلين القلوب، وتُشرق الأكوان بنورٍ لا يُطفأ، فهو الذي عظّمه الله، وبارك كل ما اتصل به، فيرتفع الزمان، ويتقدّس المكان، وتحنّ الجماد، وتفيض البركة، وتُسقى القلوب من نوره قبل أن تُسقى من الماء.
في بيتٍ لا تُغلق أبوابه على فخامة الساكن؛ ولا تُرفع جدرانه على زخرفة سكن الجناب المعظم - صلى الله عليه وسلم - فصار الطين نورًا، والسعف بركة، والضيق سعةً، والسكينة مقامًا، لم يكن بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - قصرًا يُبهر العيون، بل كان مأوىً يُبهج القلوب، فيه نزل جبريل، وترددت آيات السماء، وسجد فيه من لو وُزنت الأرض بقدمه لرجحت كفته.
كان سقفه من جريد، وجدرانه من اللبِن، وأرضه من تراب، لكنه أشرق بنور النبوة، وامتلأ ببركة الرسالة، حتى قال الإمام التميمي: "وكان بيته من طين، لكنه أشرق بنور النبوة، وامتلأ ببركة الرسالة، فصار أطهر بيتٍ في الأرض، تُزار جدرانه، ويُبكى عند بابه" [تلقيح العقول، ص ٥١].
في ذلك البيت كانت السيدة عائشة تعد له الطعام، وكان الحسن والحسين يلعبان عند قدميه، وكان الصحابة يدخلون خاشعين، لا لهيبة الجدران، بل لمحبة من يسكنها.
في ذلك البيت بكى النبي - صلى الله عليه وسلم - وضحك، وسجد، وقام، ونام على حصيرٍ أثّر في جنبه، لكنه لم يُؤثر في علو مقام الجناب المعظم.
ركب النبي - صلى الله عليه وسلم - القصواء في الهجرة، ودُلدُل في الفتح، فكانت دابته ليست مجرد وسيلة، بل رفيقة طريق، شاهدة على لحظات الوحي، قال التميمي: "وكانت دابته تُسرع إذا ركبها، وتُبطئ إذا نزل، كأنها تعرف قدره، وتخشع له، حتى إن البغلة التي ركبها يوم الفتح كانت تُطأطئ رأسها كأنها تسجد" [تلقيح العقول، ص ٦٣]، وقد نقل الصحابة بركة هذه الدواب، فكانوا يتبركون بعرقها، ويذكرونها في مجالسهم، لا لأنها دابة، بل لأنها حملت من قال الله فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}.
كانت عصاه - صلى الله عليه وسلم - امتدادًا ليده المباركة، يُشير بها إلى الحق، ويستند إليها في الخطبة، فتهتز لها القلوب، وتخشع لها النفوس، قال الإمام التميمي: "وكانت عصاه تُشير إلى الحق، وتُرفع في الخطبة، فتهتز لها القلوب، وتخشع لها النفوس، حتى إن الصحابة كانوا يتبركون بها بعد وفاته، ويُقبلون موضع قبضته عليها" [تلقيح العقول، ص ٧٠]، وقد بقيت هذه العصا محفوظة في بيت فاطمة - رضي الله عنها - يتناقلها أهل البيت، ويُجلّونها؛ لأنها حملت نورًا، وأشارت إلى هدى، ولامست يدًا ما مسّت إلا طيبًا.
في مجلسٍ من مجالس المحبين، جلس الحسن البصري، وقد أشرق وجهه بنور الذكر، وتلألأت عيناه بخشوع المحبة، فذكر نعله الشريف - صلى الله عليه وسلم - لا بوصف الجلد، بل بوصف القدر، قال: "كان له نعل، نعلو بذكره"، فتعجّب الحاضرون، وسألوه: كيف نعلو بذكر النعل؟ فابتسم الحسن، وقال بصوتٍ يقطر توقيرًا: "نعلٌ وقف به على بساط النور ليلة الإسراء والمعراج، ولم يُؤمر بخلعه، بينما قيل لموسى - عليه السلام: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ}، أما هو - صلى الله عليه وسلم - فلم يُؤمر؛ لأنه هو المطلوب لا الطالب".
كان حديثه كأنما يُسكب في القلوب سكبًا، لا يُشرح، بل يُشرب، فكل كلمة منه كانت ترفع المقام، وتُجلّ الأثر، وتُظهر الفرق بين من طُلب له القرب، ومن قُرب بذاته ثم أُكمل المعنى بما رواه الإمام التميمي، فقال: "وكانت نعله من جلد، لكنها حملت قدمًا طاهرةً وطئت بساط النور، فصارت أعظم من تاج الملوك" [تلقيح العقول، ص ٤٢].
فما كان الحسن يروي أثرًا، بل كان يُحيي مقامًا، ويُشعل في القلوب نارًا من المحبة لا تُطفأ، ويُعلّم أن كل ما اتصل بالحبيب - صلى الله عليه وسلم - ارتفع، وتقدّس، وصار ذكره عبادة، ومدحه طريقًا إلى المحبة.
صار الزمان الذي عاش فيه - صلى الله عليه وسلم - خير الأزمنة، والمكان الذي وطئه صار طيبًا مباركًا شافيًا، قال التميمي: "وكانت المدينة قبل قدومه مدينة، فلما دخلها صارت طيبة، وصار ترابها شفاء، وهواؤها رحمة، وماؤها بركة" [تلقيح العقول، ص ٨٨]،
وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» (متفق عليه).
فكان وجوده - صلى الله عليه وسلم - بركةً للزمان، وسببًا لتقديس المكان.
روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستند إلى جزع نخل فلما تُركت لصنع المنبر حنّت كحنين العِشار، حتى جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده عليها فسكنت [البخاري، ٣٤٠١]، وقال الحسن البصري: "يا معشر المسلمين، الخشبة تحن إلى رسول الله، أفليس الرجال أحق أن يحنوا إليه؟" [البيهقي، دلائل النبوة ٢/٦٠١]، فما حنّ الجذع إلا لأنه فارق من كان يُضيء عليه بنوره، ويُباركه بلمسته، ويُشرفه بوقوفه.
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحانت صلاة العصر، والناس يطلبون الوضوء فلم يجدوه، فأُتي رسول الله بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا، قال: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم" [البخاري، ٣٥٧٦].
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - في غزوة الخندق قال: "فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك الشعير، فجعل يبارك فيه، ويعجن مع اللحم ثم جعلنا نغرف من الجفنة، ونغطيها، ونغرف منها، فوالله لقد أكلوا حتى شبعوا، وإنها لتُغط – أي تغلي - كما هي حين قمنا عنها" [مسلم، ٢٠٣٩].
فما مسّ شيئًا إلا بارك الله فيه، وما لامس شيئًا إلا ارتفع، وما دخل مكانًا إلا تنوّر، وما حلّ زمانًا إلا تبارك.
لم تقتصر محبة الجناب المعظم - صلى الله عليه وسلم - على القلوب، بل عمّت الجماد والحيوان والزمان والمكان، فهو - صلى الله عليه وسلم - رحمةٌ للعالمين، كما قال ربنا جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧]، وذكره – صلى الله عليه وسلم – ينير القلوب ويشرح الصدور، ولله در من قال: "ما ذكرته الأرض إلا أزهرت، وما سار في زمان إلا تبارك، وما حلّ في مكان إلا تنوّر، فما بال قلوبنا لا تتنوّر بذكره؟