اجتمع
وصف البادية الفطري للسيدة أم معبد الخزاعية بوصف التابعي العارف بالله الحسن
البصري؛ ليؤكد أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تُسقى من عينٍ واحدة، سواء
نبعها الفطرة السليمة أو انفجر من البصيرة العميقة، كل وصفٍ قُدم لم يكن مجرد
ألفاظ، بل شهادةُ قلبٍ شرب من نور الرحمة، ومهما اجتمع من البيان فلن يحيط بجمال
المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإنما يلمح إشاراتٍ تهدي الأرواح العطشى إلى واحة الرحمة
وسِرّ البهاء، فصوت البادية في صدقها الفطري، وصوت البصيرة في عمقها الروحي،
كلاهما دلّ على عظمة الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم؛ فهو النور الذي لا يُحد،
والرحمة التي وسعت الأرض والسماء، والبهاء الذي تقف دونه الألسن حائرة، ولا يزال
يفيض على القلوب محبةً واشتياقًا.
وبعد عقود، في أروقة البصرة، جلس الحسن البصري يُحدّث أصحابه؛ فإذا بسائلٍ يسأله: صف لنا محمّدًا - صلى الله عليه وسلم -. ارتجف الشيخ، وخيم الصمت عليه قليلا.
ثم أخذ يصف صاحب الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم فقال: " إذا مشى كأنما ينحدر من صبب" أي أن مشيته - صلى الله عليه وسلم - كانت ثابتة، واثقة، متزنة، كأنها جريان ماءٍ من مكانٍ مرتفع، لا تردد فيها ولا تكلّف؛ فلم يكن يخطو بتكلف أو تمايل، بل بخفةٍ فيها وقار، كأن الأرض تُفرش له نورًا، وكأن كل خطوةٍ منه تُحيي موضعها، هذه العبارة تُوحي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي وكأن الجاذبية تُعينه، لا تُثقله، وأن هيبته تمشي معه، لا أمامه، وفي وصفه لكلامه لم يختلف كثيرا عن كلام أم معبد حيث قال: "وإذا تكلم كأن خرزات تتناثر من فيه"، تشبيهٌ بديع، يُصور كلماته - صلى الله عليه وسلم - كأنها حبات لؤلؤٍ تخرج من فمه، مرتبة، منسجمة، جميلة، لا يعلو فيها الصوت بلا حاجة، ولا يُقال فيها لغوٌ أو هذر، كل كلمةٍ منه لها وزن، وكل جملةٍ لها مقام، وإذا نطق، سكنت القلوب، وأنصتت الأرواح، كأنها تستقبل وحيًا، هذا الوصف يدل على بلاغته، وعلى جمال منطقه، وعلى تأثير كلامه في النفوس. [الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، تحقيق: أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٧٩م، الجزء الأول، الباب الثاني، فصل: "في كمال خلقه وخلقه".]
ثم ذكر نعله الشريف صلى الله عليه وسلم، لا بوصف الجلد، بل بوصف القدر، قال: "كان له نعل، نعلو بذكره"، فتعجّب الحاضرون، وسألوه: كيف نعلو بذكر النعل؟ فابتسم الحسن، وقال بصوتٍ يقطر توقيرًا: "نعلٌ وقف به على بساط النور ليلة الإسراء والمعراج، ولم يُؤمر بخلعه، بينما قيل لموسى عليه السلام: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ}، أما هو صلى الله عليه وسلم، فلم يُؤمر، لأنه هو المطلوب لا الطالب".
ويقول الإمام الحافظ العراقي في ألفية السيرة النبوية في وصف نعل سيدنا المصطفى ﷺ:
ونَعْلُهُ الكَريمَةُ المَصُونَهْ ... طُوبى لمَنْ مَسَّ بِها جَبِينَهْ
لهَا قِبَالانِ بِسَيْرٍ وَهُمَا ... سِبْتِيَّتَانِ سَبَتوا شَعْرَهُمَا
وطُولُهَا شِبْرٌ وإصْبَعَانِ ... وعَرْضُها مِمَّا يَلي الكَعبَانِ
سَبْعُ أصَابِعَ، وبَطْنُ القَدَمِ ... خَمْسٌ، وفَوقَ ذا فَسِتٌّ فاعلَمِ
وَرَأْسُهَا مُحَدَّدٌ، وعَرْضُ مَا ... بَينَ القِبَالَينِ اصْبَعَانِ، اضبِطْهُمَا
وهَذهِ تِمثَالُ تِلكَ النَّعْلِ ... ودورهَا، أكْرِمْ بها من نعل
[قبالان]: تثنية قبال وهو: الزمام الذي بين الإصبع الوسطى والتي تليها.
[سبتيتان]: تثنية سبتية وهي: المصنوعة من جلود البقر المدبوغة، سميت بذلك لأن شعرها سبت؛ أي: حلق.