الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من المسائل التي كثر حولها الجدل، وأُثيرت عليها شبهات تحتاج إلى توضيح وبيان، وقد التزم العلماء المحققون في ردها بالإنصاف والاعتماد على الأدلة الشرعية وأقوال أئمة الإسلام المعتبرين.
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من المسائل التي كثر حولها الجدل، وأُثيرت عليها شبهات تحتاج إلى توضيح وبيان، وقد التزم العلماء المحققون في ردها بالإنصاف والاعتماد على الأدلة الشرعية وأقوال أئمة الإسلام المعتبرين.
من الشبهات التي يثيرها المنكرون للاحتفال بمولد حضرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن أول من احتفل به هم الفاطميون وبذلك نكون مقلدين لهم، وفي هذا وهمٌ ومجانبة للصواب؛ فقد ذكر المؤرخون أن الملك المظفر أبا سعيد كوكبري صاحب إربل المتوفى ٦٣٠هـ (وهو سني) كان من أوائل من احتفل به بشكل كبير ومنظم، وحضره العلماء الكبار، مثل الحافظ ابن دِحية، وقد سبق الملك المظفر في ذلك الشيخ الكبير عمر الملا في الموصل المتوفى ٥٧٠هـ، فقد كان له كل سنة دعوة يحتفل بها في أيام مولد رسول -صلى الله عليه وسلم- يحضره فيها صاحب الموصل، ويحضر الشعراء وينشدون مدح رسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك المحفل. [انظر تفصيل ذلك في: الروضتين، لأبي شامة]
كما أن أصل الاحتفال بالمولد كان معروفا لدى بعض أهل العلم في القرن الرابع الهجري، والقاعدة الأصولية تقول: "لا ينظر في صحة العمل إلى من ابتدأه، بل إلى موافقته لأصول الشرع"، فلو كان أول من فعله فاسقًا أو مبتدعًا، فإن ذلك لا يقدح في جوازه إذا وافق أصلًا شرعيًّا، وتم تخريجه على أصل.
ودلَّت السنة النبوية على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يردّ كل ما كان يفعله غير المسلمين إذا وافق الحق، كاحتفال بني إسرائيل بيوم عاشوراء، وكذلك كقوله في الرقى: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُم، لا بَأْسَ بِالرُّقى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكًا».[أخرجه مسلم]
كذلك من الأقوال المغلوطة في الاحتفال بمولده –صلى الله عليه وسلم– أنه بدعة؛ لعدم وجود دليل عليه، وفي هذا تجنّي وعدم إدراك الصواب؛ فعدم وجود دليل خاص على فعل معين لا يعني تحريمه إذا كان داخلًا تحت عموميات الأدلة الشرعية، والاحتفال بالمولد يدخل تحت عموميات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي تحث على شكر الله على نعمة بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومحبته وتعظيمه والصلاة عليه، وذكر سيرته وشمائله، والاجتماع على الخير وذكر الله، قال تعالى: {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم: ٥]، ويوم المولد من أعظم أيام الله.
وقد استنبط الحافظ ابن حجر العسقلاني أن له أصلًا من السنة؛ حيث نقل الإمام السيوطي عنه قوله: "وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء" [الحاوي، ج١/ ص٢٢٧].
ويؤيد ذلك أيضًا لما سئل حضرة النبي -صلى الله عليه وسلم– عن صوم يوم الاثنين قال: «ذَاكَ يوم وُلِدتُ فيهِ» [رواه مسلم، حديث رقم: ١١٦٢].
ومما نقف عليه من أقوال المشككين بجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أن الصحابة والتابعين لم يحتفلوا به ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، ويرد على ذلك بأن المعلوم لدى علماء الأصول أن الترك ليس دليلاً على التحريم، خاصة إذا لم يقترن بنهي.
فكثير من الأمور المستحبة لم يفعلها الصحابة، ولم يقل أحد بتحريمها، كبناء المدارس والمؤسسات التعليمية، والقاعدة تقول: "ما تركه السلف لا يعني تحريمه، بل قد يكون تركه لعدم وجود المقتضى أو خوفًا من أن يُفرض".
كذلك مما يستنكر المانعون لأجله الاحتفال بالمولد النبوي الشريف زعمهم أن يوم ميلاده –صلى الله عليه وسلم– هو يوم وفاته، والأولى أن نحزن فيه لوفاته بدلًا من إظهار الفرح والسرور، والجواب على هذا الزعم من وجهين:
الأول: لم يثبت تاريخٌ محددٌ لوفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- يقينًا يوافق اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، قال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (٥/٢٥٦): "وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ وَفَاتَهُ كَانَ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْرَفُ إِسْنَادًا، بَلْ هُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ أَهْلِ التَّارِيخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".
الثاني: نحن مأمورون شرعًا بإظهار الفرح والسرور بنعمة الله تعالى، وليس بإظهار الحزن، فقد حَرَّمَ أهل السنة والجماعة ما تفعله بعض الفرق من إقامة المآتم وإظهار الجزع، كبعض فرق الشيعة التي تقيم مأتمًا في ذكرى استشهاد الحسين -رضي الله عنه- بما يتخلله من منكرات كاللطم وشق الجيوب وإسالة الدماء بدعوى حبهم له.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في (لطائف المعارف) (صـ ١٦٨): "وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَإِنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ مَأْتَمٍ وَحُزْنٍ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ بِاتِّخَاذِ أَيَّامِ مَصَائِبِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَوْتِهِمْ مَأْتَمًا، فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ دُونَهُمْ؟!".
وقال الحافظ جلال الدين السيوطي -رحمه الله- في (الحاوي للفتاوى) (١/١٩٦): "إنَّ وِلَادَتَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْظَمُ النِّعَمِ عَلَيْنَا، وَوَفَاتُهُ أَعْظَمُ الْمُصَائِبِ لَنَا، وَالشَّرِيعَةُ حَثَّتْ عَلَى إِظْهَارِ شُكْرِ النِّعَمِ، وَالصَّبْرِ وَالسُّكُونِ وَالْكَتْمِ عِنْدَ الْمُصَائِبِ.
وَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالْعَقِيقَةِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَهِيَ إِظْهَارُ شُكْرٍ وَفَرَحٍ بِالْمَوْلُودِ، وَلَمْ يَأْمُرْ عِنْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ نَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ وَإِظْهَارِ الْجَزَعِ، فَدَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّهُ يُحْسَنُ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِظْهَارُ الْفَرَحِ بِوِلَادَتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دُونَ إِظْهَارِ الْحُزْنِ فِيهِ بِوَفَاتِهِ".
فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو إظهار للفرح والسرور بأعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية، وهو مقتضى الشكر لله تعالى، ومتضمن لمحبة الجناب النبوي وتعظيمه، وهو من السنن الحسنة التي عليها عمل المسلمين عبر القرون.
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من السنن الحسنة التي فعلها العلماء والعامة عبر القرون، وإن قال بعض العلماء ببدعيته فذلك نظرا لمعنى البدعة اللغوي وليس الشرعي، والحق أن من أنكره قد حاد عن الصواب وضلّ، وقد رد المحققون على الشبهات المثارة حوله بالأدلة النقلية والعقلية، مؤكدين أن الأصل في العبادات المنع إلا بنص، أما العادات والأمور الدنيوية فالأصل فيها الإباحة ما لم يرد نهي بخصوصها.