ومقام النبوة أرفع المقامات، ولا يَعْدِله مقام، ولا تُدانيه منزلة، وسيدنا - محمد صلى الله عليه وسلم - هو سيد المرسلين، وخير خلق الله – تعالى – أجمعين، فسيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - حَيٌّ عند ربه باجتماع مقام النبوة، والشهادة، أمَّا الشهادة: فعن سيدنا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا". [رواه أحمد رقم: ٣٦١٧].
قال ابن بطال - رحمه الله: "لأن الله - تعالى - دفع عنه ضر السُّمِّ بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية - معجزة - أظهرها له من كلام الذراع، ثم عصمه الله من ضره مدة حياته، حتى إذا دنا أجله بَغَى عليه السُّمُّ، فوجد ألمه، وأراد الله له الشهادة بتلك الأكلة". [شرح صحيح البخاري ٥ /٣٤٧].
وسيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - حيٌّ في قبره، وكذا سائر الأنبياء؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَيْتُ - وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». [رواه مسلم رقم: ٢٣٧٥]. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ "الِاعْتِقَادِ": "وَالْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - بَعْدَمَا قُبِضُوا رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ، فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ". [الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد: ص٣٠٥].
والله - عزو وجل - يَرُدُّ على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - روحه حتى يَرُدَّ السلام على أمته؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ». [رواه أبو داود رقم: ٢٠٤١، وأحمد رقم: ١٠٨١٥].
قال تعالى: {وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا} [النساء: ٦٤]، والمجيء إلى حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس مقصورًا على زمن حياته الجسدية، بل هو مقامٌ روحيٌّ باقٍ، تُشَدّ إليه القلوب قبل الأقدام، وتُسافر إليه الأرواح قبل الأجساد. فـ(جاؤوك) ليست مجرد حركة بدنية، بل هي انكسار قلب، وصدق توجه، واعتراف بالذنب بين يدي من جعله الله رحمة للعالمين.
أما استغفاره - صلى الله عليه وسلم - لأمته، فهو نافعٌ متصلٌ، لا ينقطع بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، بل هو حيٌّ في البرزخ حياةً أكرمه الله بها، يُبلّغ السلام، ويردّه، ويشفع، ويستغفر، وهذا دليل على حياته في قبره الشريف كما ورد في الحديث الصحيح: «حياتي خيرٌ لَكم، تُحدِثونَ ويَحدُثُ لَكُم، ووَفاتي خيرٌ لَكُم، تعرَضُ عليَّ أعمالُكم، فما رأيتُ من خيرٍ حَمِدتُ اللَّهَ عليهِ، وما رأيتُ من شرٍّ استغفرتُ اللَّهَ لَكم». [أخرجه البزار في "مسنده"، ٥/٣٠٨].
فيا من أثقلتك الذنوب، لا تيأس من رحمة الله، وامضِ بقلبك إلى حضرته - صلى الله عليه وسلم - وقف على أعتاب جنابه، وقل: "يا رسول الله، جئت تائبًا نادمًا على ما اقترفت من ذنوب، ومعاصٍ كنت قد عصيت الله بها، وغلبتني نفسي، وشهواتي ونزواتي، فاستغفر الله لي"؛ فقد قال الله - جل وعلا - وهو أصدق القائلين: {وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا} [النساء: ٦٤].
وقولنا في الصلاة: "السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ" في التحيَّات ليست مجرد عبارة تُتلى، بل هي خطابٌ مباشرٌ لحضرةٍ باقية، وروحٍ مُشَرَّفَةٍ، ونورٍ لا يغيب، فـ(الكاف) في (عليكَ) ليست غائبة عن دلالة، بل هي كاف الخطاب، تُوجَّه إلى من يَسمع، ويُبصِر، إلى من هو حيٌّ في روضته، حياةً برزخية لا تُدركها العقول، ولا تُحيط بها الأفهام، وهؤلاء هم مَن خَصَّهم الله بنوره، وعنايته.
وقد قال الإمام القرافي المالكي - رحمه الله: "إن حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبره حقيقية، وإنه يُخاطَب كما يُخاطَب الحيّ، ولذلك خاطبه الصحابة بعد وفاته، ولم يُنكر عليهم أحد".
أما ذكرى انتقاله للرفيق الأعلى - صلى الله عليه وآله وسلّم - فلم تُطفِئ تلك الأنوار، ولم تُنهِ تلك القيم، بل بَقِيَت حيَّة، نابضة في القلوب، والعقول، مُفَعَّلة في حياة الناس، حاضرة في ضمائرهم، وسلوكهم، فرسالته خالدة، وكلماته نور لا يخبو، ومنهجه حبل ممدود بين السماء والأرض.
فالله – سبحانه - جعل انتقال سيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - خيرًا لأمته، كما كانت حياته خيرًا لأمته، فانتقاله - صلى الله عليه وآله وسلم - للرفيق الأعلى إنما جعله الله – تعالى-؛ ليتسلَّ قلب كل مؤمن عَن الْمُصِيبَة الَّتِي أَصَابَته بمصابه في رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم –، وانتقاله للرفيق الأعلى حتى لا ييأس أحد من رحمة الله سبحانه، وليعلم أن سيدنا المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - ما زال فينا كما جاء في الحديث عَنْ السيدة عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: "فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، أَوْ كَشَفَ سِتْرًا، فَإِذَا النَّاسُ يُصَلُّونَ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَى مِنْ حُسْنِ حَالِهِمْ، وَرَجَاءَ أَنْ يَخْلُفَهُ اللَّهُ فِيهِمْ بِالَّذِي رَآهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي». [رواه ابن ماجه رقم: ١٥٩٩].
فَلَا شَيْء أَشدُ على الْمُسلمين منه؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَمَنَةً لأُمَّتِه من الْفِتَن، والأهواء، والتغير ممَا لا يكَاد يُحْصى؛ فعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: "صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»". [رواه مسلم رقم: ٢٥٣١].
لهذا اعتادت أمته على تعظيم يوم ميلاده، وقلَّ أن يُذكر يوم وفاته، بل لا نستحسن الإشارة إليه؛ لأنه - صلى الله عليه وآله وسلّم - لا يزال حيًّا في وجداننا، في محبته، في سنّته، في بركته، وفي تلك الأحرف النورانية من الوحي الشريف التي بقيت خالدة ممدودة بين السماء والأرض، تهدي الحائرين، وتضيء للناس طريقهم.