Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

لماذا نحتفل بميلاده لا بوفاته صلّى الله عليه وسلّم؟

الكاتب

هيئــة التحرير

لماذا نحتفل بميلاده لا بوفاته صلّى الله عليه وسلّم؟

نحتفل بميلاد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه مولدُ النور والهدى، وابتداءُ رسالةٍ لا يحدّها زمان ولا مكان، أما انتقاله للرفيق الأعلى فلم يكن انقطاعًا، بل بقاءً لذكره في القلوب، ورسالةً حيّةً تتجدد في كل عصر؛ فلذلك عظَّمت الأمة يوم مولده، وجعلته مظهرَ فرحٍ وشكرٍ، ولم تجعل يوم وفاته موطنَ احتفال أو إحياء.

السَّرُّ في الاحتفال بالميلاد الشريف

نحتفل بميلاده - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ميلاده لم يكن مجرد حدث تاريخي، بل كان مولدًا للنور والخير في هذا العالم، ففي يوم ولادته وُلدت معه معاني الحق، والعدل، وتجلى الجمال، والأخلاق، وانبعثت الحرية والمساواة، وسُطِّر منهج الحضارة، والعمارة، وأُرسيت دعائم الهداية، والرحمة للعالمين.

لقد كان ميلاده إيذانًا ببداية عصرٍ من الهداية، وانبعاثًا لرسالة سماوية خالدة لا يُنهيها غيابُ الجسد، ولا تُقيِّدُها حدودُ الزمن.

وربما زعم بعضنا أنَّ يوم ميلاده –صلى الله عليه وسلم– هو يوم وفاته، والأولى أن نحزن فيه لوفاته بدلًا من إظهار الفرح والسرور، والجواب على هذا الزعم من وجهين:

الأول: لم يثبت تاريخٌ محددٌ لوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم-  يقينًا يوافق اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، قال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (٥/٢٥٦): " وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ وَفَاتَهُ كَانَت فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْرَفُ إِسْنَادًا، بَلْ هُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ أَهْلِ التَّارِيخِ، وَاللَّهُ أَعْلَم".

الثاني: نحن مأمورون شرعًا بإظهار الفرح والسرور بنعمة الله - تعالى، وليس بإظهار الحزن، فقد حَرَّمَ "أهل السنة والجماعة" ما تفعله بعض الفِرق من إقامة المآتم، وإظهار الجزع، كبعض فرق الشيعة التي تقيم مأتمًا في ذكرى استشهاد الحسين  -رضي الله عنه-  بما يتخلله من منكرات كاللطم، وشَقِّ الجُيوب، وإسالة الدماء بدعوى حبهم له.

وقال الحافظ جلال الدين السيوطي -رحمه الله- في (الحاوي للفتاوى) (١/١٩٦): "إنَّ وِلَادَتَهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْظَمُ النِّعَمِ عَلَيْنَا، وَوَفَاتُهُ أَعْظَمُ الْمُصَائِبِ لَنَا، وَالشَّرِيعَةُ حَثَّتْ عَلَى إِظْهَارِ شُكْرِ النِّعَمِ، وَالصَّبْرِ وَالسُّكُونِ وَالْكَتْمِ عِنْدَ الْمُصَائِبِ."

وَقَدْ أَمَرَ الشَّرْعُ بِالْعَقِيقَةِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَهِيَ إِظْهَارُ شُكْرٍ وَفَرَحٍ بِالْمَوْلُودِ، وَلَمْ يَأْمُرْ عِنْدَ الْمَوْتِ بِذَبْحٍ وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ نَهَى عَنِ النِّيَاحَةِ، وَإِظْهَارِ الْجَزَعِ، فَدَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْسُنُ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِظْهَارُ الْفَرَحِ بِوِلَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ إِظْهَارِ الْحُزْنِ فِيهِ بِوَفَاتِهِ".

ونحتفل بمولده – صلى الله عليه وسلم – إظهارًا للفرح بحضرة النبي الأكرم، والرسول الأعظم، فأيُّ فَرَحٍ يُساوي الفرحَ بميلاد الرحمة المُهداة، والنِّعمَة المُسداة، بل هو أعظم النعم والمِنَنِ التي مَنَّ الله بها علينا قال - تعالى - في مَعْرِض الامتنان على عباده: {لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨]، وقال أيضاً: {لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ} [آل عمران: ١٦٤]، فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف، هو إظهار للفرح والسرور بأعظم نعمة أنعم الله بها على البشرية، وهو مقتضى الشكر لله تعالى، ومتضمن لمحبة الجناب النبوي، وتعظيمه، وهو من السُنن الحسنة التي عليها عمل المسلمين عبر القرون.

ولأن انتقال سيدنا المصطفى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - للرفيق الأعلى كان إيذانًا بانقطاع الصلة الكبرى والعظمى بين الأرض والسماء، فلا يوجد مُسوِّغ لإحياء ذكرى انتقاله، وفينا ذكرى ميلاده الشريف - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - الذي به تحيا النفوس، والقلوب، ويتجدد حُسن التأسي به - صلى لله عليه وآله وسلم - كما عَلِمْنَا مِن حال الصحابة - رضي الله عنهم - والمسلمين من قبل.

وَقَدْ قَالَ ابن رجب فِي لطائف المعارف: "لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ، وَلَا رَسُولُهُ بِاتِّخَاذِ أَيَّامِ مَصَائِبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَوْتِهِمْ مَأْتَمًا، فَكَيْفَ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُمْ؟!". [لطائف المعارف: ص٥٤].

ميلاد النور والهداية، وبقائهما إلى يوم القيامة

كان مَوْلِدُ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مَوْلِدَ منهج ونور، ومبادئ، وهذه المعاني وُلِدَت بولادته - صلى الله عليه وسلم - ولم تنتهِ بوفاته، فبمولده - صلى الله عليه وسلم - ... وُلِدت أمة قوية العلاقة بخالقها، علَّمَهم العبادة والتزكية والأخلاق، وغرس فيهم دعائم التحضر، والرقي، والانطلاق، ولقد ظلت هذه الدعائم نبراسًا للصحابة - رضوان الله عليهم - والتابعين حتى إننا نستطيع القول بأن مِن بركات مولده، وبعثته – صلى الله عليه وسلم - أن تبقى هذه القيم بل تتوسع عبر الأزمان؛ لتؤكد على نبوة سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

فإن قِيَمَ المُصلِحين عادة ما تموت بموتهم، أما سيد المرسلين، فإن الله تكفل برفع ذكره فقال تعالى: {وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ} [الشرح: ٤]، وبقاء منهجه في أتباعه إلى يوم القيامة قال- صلى الله عليه وسلم-: «تركتُ فيكم أمريْنِ لن تضلُّوا ما تمسَّكْتُم بهما: كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِه». [أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" رقم: (٢٠٣٣٦) بنحوه، والحاكم في "المستدرك" رقم: (٣١٨)].

فبقيت البركة شائعة في أمته، وفي أتباعه، فتجد ذاكرة الأمة القوية في حفظ وتطبيق صلاته بنفس صورتها التي كان يؤديها - صلى الله عليه وسلم – - صلى الله عليه وسلم – لقوله: «...وصَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ، ولْيَؤُمَّكُمْ أكْبَرُكُم» [صحيح البخاري رقم (٦٣١)].

 فبقاء الصلاة بهيئتها تلك دليل على بقاء منهجه، وهديه بين أمَّته، وكذا الحج قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يا أَيُّها الناسُ خُذُوا عَنِّي مناسِكَكم، فإني لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَحُجُّ بعد عامي هذا». [أخرجه مسلم رقم (١٢٩٧)]، وكذا بقية الأركان، والقيم، والأخلاق.

ولقد سَنَّ لنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم - تذكُّر يوم ميلاده؛ لأنه ميلاد رسالة لا تموت، ومولد نور لا يغيب، فكان يكثر من صيام يوم مولده؛ تعظيمًا له.

وقد أكد الله - سبحانه وتعالى - على هذا المعنى فقال: {وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ} [الحجرات: ٧]، نعم هو فينا... بروحه، بمنهجه، بحبه، ببركته ورسالته، وتلك الأحرف النورانية التي تنزلت عليه، وبما تركه لنا من هدى ورحمة.

لهذا السبب ولغيره نحن نحتفي بيوم ميلاده، ولا نكاد نذكر بل لا نحب أن نذكر يوم وفاته؛ لأنه حيُّ في وجداننا، وقلوبنا.

ولله در الشاعر حيث قال:

وَكُلُّ النَّاسِ تُولَدُ ثُمَّ تَفْنَى.. وَوَحْدَكَ أَنْتَ مِيلَادُ الْحَيَاةِ

وَكُلُّ النَّاسِ تُذْكَرُ ثُمَّ تُنْسَى.. وَذِكْرُكَ أَنْتَ بَاقٍ فِي الصَّلَاةِ

تُرَدِّدُهُ الْمَآذِنُ كُلَّ وَقْتٍ.. وَيَنْبِضُ بِالْقُلُوبِ إِلَى الْمَمَاتِ

أَتَيْتَ سنا وَلَيْلُ الْكَوْنِ دَاجٍ.. وَبَعْدَ الْوَأْدِ أَحْيَيْتَ الْبَنَاتِ

وَفَاحَ الْمِسْكُ أَنَّى كُنْتَ تَمْشِي.. وَوَجْهُكَ نُورُهُ عَمَّ الْجِهَاتِ

وَقَدْ تُعْلِي الْمَكَارِمُ قَدْرَ قَوْمٍ.. وَيَعْلُو فِيكَ قَدْرُ الْمُكْرَمَاتِ

المثوبة في الفرح بمولده - صلى الله عليه وآله وسلم

الفرحُ بمولده - صلى الله عليه وسلم –  شكرٌ لهذه النعمة العظمى، والمنة الكبرى؛ فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِا بُرَيْدَةَ، يَقُولُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلاَّ فَلاَ... الحديث» [رواه الترمذي رقم: ٣٦٩٠]،  فرخَّص لها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إظهار الفرح؛ لرجوعه من الغزو، إيفاءً بالنذر، وتحصيلًا للمثوبة.

وذكر السهيلي أن العباس قال: "لما مات أبو لهب رأيته في منامي بعد حَوْلٍ في شرِّ حال فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلا أنَّ العذاب يُخفَّفُ عني كل يوم اثنين، قال: وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وُلِد يوم الاثنين، وكانت ثويبة بشرت أبا لهب بمولده، فأعتقها". [الروض الأنف: ٤/ ٣٥٦].

فهذا من باب إثابة المسرورين بمولده - صلى الله عليه وسلم – حتى وإن كانوا كُفَّارًا، حيث جعل إظهار فرحه بمولد النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - سببًا في تخفيف العذاب.

مشروعية إظهار الفرح بمولده الشريف

أقَرَّ النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم – الأنصار على إظهار الفرح بقدومه المدينة؛ فعن عبيد الله بن محمد بْنَ عَائِشَةَ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ جَعَلَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْوَلَائِدُ يَقُلْنَ:

طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ

وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعْ"

[أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة": ٥/٢٦٦]. فإذا كان إظهار الفرح بقدومه - صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة المشرفة مشروعًا، فالفرح بقدومه إلى الدنيا أحق وأولى، فعليه تَرَتَّب كل خير وهداية.

وكان من إظهار الفرح على عهد سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – "التقليس"؛ وهو الضَّرْبُ بِالدُّفِّ؛ قَالَ الشَّعْبِيُّ: "مَرَّ عِيَاضُ بنُ عَمْرٍو فِي يوم عيد، فقال مالي لاَ أَرَاهُمْ يُقَلِّسُوْنَ فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ".  [رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" رقم: ٦٦٥، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" رقم: ٢٥١٤].

ويدل على مشرعيته أيضًا فَرَحُ النبي - صلى الله عليه وسلم – بيوم نجاة سيدنا موسى – عليه السلام –؛ فعن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما –: "أنَّ النَّبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، وجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا، يَعْنِي عاشُوراءَ، فَقالوا: هذا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وهو يَوْمٌ نَجّى اللَّهُ فيه مُوسى، وأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصامَ مُوسى شُكْرًا لِلَّهِ، فَقالَ: أَنا أَوْلى بمُوسى منهمْ. فَصامَهُ، وأَمَرَ بصِيامِهِ". [صحيح البخاري رقم (٣٣٩٧)].

 

ولذلك أظهر النبي - صلى الله عليه وسلم – الفرح بيوم مولده بصيامه؛ فعن أبي قتادة – رضي الله عنه – أنه قال: «...وَسُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ الاثْنَيْنِ، قالَ: ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ...». [صحيح مسلم رقم (١١٦٢)].

ويقول تعالى: {قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ} [يونس: ٥٨]، وأي فضلٍ أعظم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

وما من يوم أعظم من يوم ميلاده - صلى الله عليه وسلم – ... فكل الأيام المباركة، والخير العميم مبنية على هذا اليوم، فهو اللحظة الفارقة في عمر الكون.

وامتد الفرح بمولده ... إلى جميع الكائنات والموجودات ... السماوات والأرض، والملائكة، وفيه يقول عمه العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه-.

وأنْتَ لَمَّا ولدت أشْرَقَتِ ال    أَرض وضاءت بنورك الأفقُ

فنَحْنُ فِي ذَلِك الضِّيَاءِ وَفِي النُّو     ر وسُبْل الرشاد نخترق

حياته - صلى الله عليه وسلم – في قبره

ومقام النبوة أرفع المقامات، ولا يَعْدِله مقام، ولا تُدانيه منزلة، وسيدنا - محمد صلى الله عليه وسلم - هو سيد المرسلين، وخير خلق الله – تعالى – أجمعين، فسيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - حَيٌّ عند ربه باجتماع مقام النبوة، والشهادة، أمَّا الشهادة: فعن سيدنا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا". [رواه أحمد رقم: ٣٦١٧].

قال ابن بطال - رحمه الله: "لأن الله - تعالى - دفع عنه ضر السُّمِّ بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية - معجزة - أظهرها له من كلام الذراع، ثم عصمه الله من ضره مدة حياته، حتى إذا دنا أجله بَغَى عليه السُّمُّ، فوجد ألمه، وأراد الله له الشهادة بتلك الأكلة". [شرح صحيح البخاري ٥ /٣٤٧].

وسيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - حيٌّ في قبره، وكذا سائر الأنبياء؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَتَيْتُ - وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». [رواه مسلم رقم: ٢٣٧٥]. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ "الِاعْتِقَادِ": "وَالْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - بَعْدَمَا قُبِضُوا رُدَّتْ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحُهُمْ، فَهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَالشُّهَدَاءِ". [الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد: ص٣٠٥].

والله - عزو وجل - يَرُدُّ على النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - روحه حتى يَرُدَّ السلام على أمته؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ». [رواه أبو داود رقم: ٢٠٤١، وأحمد رقم: ١٠٨١٥].

قال تعالى: {وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا} [النساء: ٦٤]، والمجيء إلى حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس مقصورًا على زمن حياته الجسدية، بل هو مقامٌ روحيٌّ باقٍ، تُشَدّ إليه القلوب قبل الأقدام، وتُسافر إليه الأرواح قبل الأجساد. فـ(جاؤوك) ليست مجرد حركة بدنية، بل هي انكسار قلب، وصدق توجه، واعتراف بالذنب بين يدي من جعله الله رحمة للعالمين.

أما استغفاره - صلى الله عليه وسلم - لأمته، فهو نافعٌ متصلٌ، لا ينقطع بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، بل هو حيٌّ في البرزخ حياةً أكرمه الله بها، يُبلّغ السلام، ويردّه، ويشفع، ويستغفر، وهذا دليل على حياته في قبره الشريف كما ورد في الحديث الصحيح: «حياتي خيرٌ لَكم، تُحدِثونَ ويَحدُثُ لَكُم، ووَفاتي خيرٌ لَكُم، تعرَضُ عليَّ أعمالُكم، فما رأيتُ من خيرٍ حَمِدتُ اللَّهَ عليهِ، وما رأيتُ من شرٍّ استغفرتُ اللَّهَ لَكم». [أخرجه البزار في "مسنده"، ٥/٣٠٨].

فيا من أثقلتك الذنوب، لا تيأس من رحمة الله، وامضِ بقلبك إلى حضرته - صلى الله عليه وسلم - وقف على أعتاب جنابه، وقل: "يا رسول الله، جئت تائبًا نادمًا على ما اقترفت من ذنوب، ومعاصٍ كنت قد عصيت الله بها، وغلبتني نفسي، وشهواتي ونزواتي، فاستغفر الله لي"؛ فقد قال الله - جل وعلا - وهو أصدق القائلين: {وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا} [النساء: ٦٤].

وقولنا في الصلاة: "السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ" في التحيَّات ليست مجرد عبارة تُتلى، بل هي خطابٌ مباشرٌ لحضرةٍ باقية، وروحٍ مُشَرَّفَةٍ، ونورٍ لا يغيب، فـ(الكاف) في (عليكَ) ليست غائبة عن دلالة، بل هي كاف الخطاب، تُوجَّه إلى من يَسمع، ويُبصِر، إلى من هو حيٌّ في روضته، حياةً برزخية لا تُدركها العقول، ولا تُحيط بها الأفهام، وهؤلاء هم مَن خَصَّهم الله بنوره، وعنايته.

وقد قال الإمام القرافي المالكي - رحمه الله: "إن حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبره حقيقية، وإنه يُخاطَب كما يُخاطَب الحيّ، ولذلك خاطبه الصحابة بعد وفاته، ولم يُنكر عليهم أحد".

أما ذكرى انتقاله للرفيق الأعلى - صلى الله عليه وآله وسلّم - فلم تُطفِئ تلك الأنوار، ولم تُنهِ تلك القيم، بل بَقِيَت حيَّة، نابضة في القلوب، والعقول، مُفَعَّلة في حياة الناس، حاضرة في ضمائرهم، وسلوكهم، فرسالته خالدة، وكلماته نور لا يخبو، ومنهجه حبل ممدود بين السماء والأرض.

فالله – سبحانه - جعل انتقال سيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - خيرًا لأمته، كما كانت حياته خيرًا لأمته، فانتقاله - صلى الله عليه وآله وسلم - للرفيق الأعلى إنما جعله الله – تعالى-؛ ليتسلَّ قلب كل مؤمن عَن الْمُصِيبَة الَّتِي أَصَابَته بمصابه في رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم –، وانتقاله للرفيق الأعلى حتى لا ييأس أحد من رحمة الله سبحانه، وليعلم أن سيدنا المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - ما زال فينا كما جاء في الحديث عَنْ السيدة عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: "فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، أَوْ كَشَفَ سِتْرًا، فَإِذَا النَّاسُ يُصَلُّونَ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا رَأَى مِنْ حُسْنِ حَالِهِمْ، وَرَجَاءَ أَنْ يَخْلُفَهُ اللَّهُ فِيهِمْ بِالَّذِي رَآهُمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي». [رواه ابن ماجه رقم: ١٥٩٩].

فَلَا شَيْء أَشدُ على الْمُسلمين منه؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَمَنَةً لأُمَّتِه من الْفِتَن، والأهواء، والتغير ممَا لا يكَاد يُحْصى؛ فعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: "صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»". [رواه مسلم رقم: ٢٥٣١].

لهذا اعتادت أمته على تعظيم يوم ميلاده، وقلَّ أن يُذكر يوم وفاته، بل لا نستحسن الإشارة إليه؛ لأنه - صلى الله عليه وآله وسلّم - لا يزال حيًّا في وجداننا، في محبته، في سنّته، في بركته، وفي تلك الأحرف النورانية من الوحي الشريف التي بقيت خالدة ممدودة بين السماء والأرض، تهدي الحائرين، وتضيء للناس طريقهم.

الخلاصة

تبقى ذكرى ميلاد الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - حدثًا فريدًا في قلوب المسلمين، لا كحدث تاريخي فحسب، بل كمولد للنور والهداية الذي غيَّر مسيرة البشرية، فلماذا نحتفل بميلاده، ولا نحيي ذكرى وفاته؟ لأن ميلاده كان بداية عصر الرحمة، والعدل، بينما انتقاله إلى الرفيق الأعلى لم يكن نهاية لرسالته، بل استمرارًا لوجودها في قلوب المؤمنين، وسلوكهم، فهذه الذكرى تجسيد للفرح بنعمة الرسالة، والشكر لله على بعثة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - الذي أرسل رحمة للعالمين.