كم من جموعٍ عظيمة تهاوت، وكم من قِلّةٍ مستضعفة علت وارتفعت؛ فالنصر ليس رهين العدَد والعتاد، بل هو عطية العزيز الفتّاح، يهبه لمن تذلّل لوجهه ورفع الأكفّ إليه.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
كم من جموعٍ عظيمة تهاوت، وكم من قِلّةٍ مستضعفة علت وارتفعت؛ فالنصر ليس رهين العدَد والعتاد، بل هو عطية العزيز الفتّاح، يهبه لمن تذلّل لوجهه ورفع الأكفّ إليه.
إن طريق النصر محفوف بالشدائد والابتلاءات، وقد أخبرنا الله تعالى بهذا في كتابه العزيز فقال: {أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} [البقرة: ٢١٤] فهذه الآية وما تضمّنته من بيان تُجسّد سنّة الله الماضية؛ أن المؤمنين يُبتلون حتى تضيق عليهم الأرض بما رحبت، ويبلغوا حدّ التساؤل متى النصر، فإذا بالفرج يتنزل ببشرى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم؛ ففي هذا إشارة لبيان فضل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن مفاتيح النصر جعلها الله تعالى رهن محبته واتباعه صلوات ربي وسلامه عليه.
ومن تكن برسول اللهِ نصرتُه * * * إن تلْقَهُ الأُسْدُ في آجامِها تَجِمِ
عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: رَكِبْتُ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ فَانْكَسَرَتْ، فَرَكِبْتُ لَوْحًا مِنْهَا فَطَرَحَنِي فِي أَجَمَةٍ فِيهَا الْأَسَدُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْحَارِثِ، إِنِّي سَفِينَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ وَجَعَلَ يَدْفَعُنِي بِجَنْبِهِ أَوْ بِمَنْكِبِهِ حَتَّى وَضَعَنِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا وَضَعَنِي عَلَى الطَّرِيقِ هَمْهَمَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَدِّعُنِي. [الروياني: ٦٦٢، والطبراني: ٦٤٣٢، والحاكم: ٤٢٣٥، وأبو نعيم في دلائل النبوة: ٥٣٥، والبيهقي في دلائل النبوة: ٦/٤٥].
قال تعالى: {وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ} [المدثر: ٣١]؛ فالمستنصرَ برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهزمه أحد، ولا يخيفه شيء، فحتى الأسود إن واجهته وهي في مرابضها وأشجارها الكثيفة تسكن من هيبته صلى الله عليه وآله وسلم كما سكن الأسد لسفينة خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول الفخر الرازي رحمه الله في هذه الآية: أَخْبَرَ عَنِ الرَّسُولِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنَّهُمْ قَالُوا قَوْلًا، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَيْنِ أَحَدُهُمَا: {مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} [البقرة: ٢١٤] وَالثَّانِي: {مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} [البقرة: ٢١٤] فَوَجَبَ إِسْنَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْكَلَامَيْنِ إِلَى وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِكَ الْمَذْكُورِينَ: فَالَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا: مَتى نَصْرُ اللَّهِ، وَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. [مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٠].
قال الحقُّ جلّ شأنه: {وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [آل عمران: ١٢٣] {كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [البقرة: ٢٤٩] فمن سنن الله الماضية أن النصر لا يُقاس بوفرة العدد ولا بكثرة العُدَد؛ وإنما النصر من عند الله القهّار، يُنزله على عباده المؤمنين إذا صدقوا التوكّل، وأخلصوا الدعاء، وتذلّلوا بين يديه، وما أكثر ما أثبت التاريخ أن قلوبًا صادقة قليلة غلبت جموعًا.
بدر يوم الفرقان:
ذلك ما تجلّى في بدر، إذ خرج المسلمون ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، وأكثرهم مشاة، يتعاقبون على بعيرٍ واحد، وليس لهم سوى فرسٍ وحيد، في مواجهة نحو ألفٍ من قريش معهم مئة فرس وسلاح كثير، وفي ظنّ المشركين أنّ المسلمين أذلّة لا شأن لهم، فعاقبهم الله بنقيض ظنهم السيء، وجعل المؤمنين الأعزّة بنصره وتأييده، وجعل بدرًا يوم الفرقان بين الحق والباطل.
ففي صحيح الإمام مسلم عن أَبِي زُمَيْلٍ وهُوَ سِمَاك الْحَنَفِيّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ} [الأنفال: ٩] فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ، قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ،... [مسلم: ١٧٦٣].
وفي شأن طالوت مع جنوده، حين انقسم الجمع إلى فريقين؛ فريقٌ غلبه المشهد فقالوا: {لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ } [البقرة: ٢٤٩] … وفريقٌ آخر نفذ ببصيرته إلى وعد الله تعالى فقالوا: {كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [البقرة: ٢٤٩] فبرز سيدنا داوود عليه السلام، وسقط جالوت، وكان النصر للقلّة الصابرة.
وفي اليرموك تحطّم جلال الروم تحت سنابك الإيمان، وفي عين جالوت دُكّت جحافل التتار الذين أرعبوا الدنيا، فما نصر المؤمنين إلا بتضرّعهم وإخلاصهم، لا بكثرة عُدَدهم.
العاشر من رمضان، عبور الإيمان:
وفي عصرنا الحديث، تجلّت السنّة نفسها يوم العاشر من رمضان عام ١٣٩٣هـ (٦ أكتوبر ١٩٧٣م)، حين عبر جنودنا البواسل، وهم صائمون قناة السويس، فهدموا أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، ولم يكن النصر وليد الحديد والنار وحسب، بل وليد دعوات الصائمين، وسجود المتذللين لرب العالمين، ودموع الأمهات المرفوعة إلى السماء، فصار العبور آيةً من آيات الله؛ فالتقوى إذا حضرت غلبت القوى، والله يُعزّ من يشاء بنصره؛ إذ العبرة بصدق التوجّه إلى الله العزيز لا بالاعتماد على القوى الماديّة وحدها.
قال الحقُّ جلّ شأنه: {وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} [آل عمران: ١٢٣]، {كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [البقرة: ٢٤٩]
فلو تأملنا قوله تعالى: {وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞ} [آل عمران: ١٢٣] لعلمنا أن الذلّ لم يكن وصفًا لذوات المؤمنين، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وإنما كان ذلّهم من جهة الحال؛ قلة عددٍ وضعف عدّة، وضيق ذات يد، في مقابل أعداء كثرٍ مدجّجين بالسلاح؛ بل ربما كان الذلّ في أعين أعدائهم فقط، كما قال تعالى: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ} [المنافقون: ٨].
فكانوا يرون قلّة المؤمنين ضعفًا، ويحسبون الغلبة لأنفسهم، ولم يدركوا أن النصر بيد الله، وأن ميزان التقوى أثقل عند الله العزيز من ميزان القوى.
وهذا المعنى هو الذي بشّر به رسول الله ﷺ حين قال: «رُبَّ أَشْعَثَ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» [مسلم: ٢٦٢٢]، فكم من فئةٍ قليلةٍ لا يُؤبه لها في موازين الدنيا، غلبت جموعًا لا يُرى لها آخر، لا بسلاح ولا بخطة، ولكن ببركة اليقين، وبصيرة الإيمان، وصدق التوكّل على رب العالمين.
النصر ليس بكثرة الجنود ولا بقوة العتاد، وإنما بتأييد الله القوي لعباده المؤمنين، يرفع بعزه المستضعفين ويقهر بهم المتكبرين، وقد صدقت سنّة الله من بدر إلى اليرموك، ومن عين جالوت إلى العاشر من رمضان، أن النصر مرهون بصدق التوكل لا بميزان القوى: {إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ } [آل عمران: ١٦٠].