سنة الله ماضية في خلقِه، فمن رحم المعاناة واليأس والهزيمة تشرق أنوار النصر، فقد مرّ التاريخ الإسلامي بمشاهد ظلم ومآسٍ بلغت أقصاها قبل أن يأتي النصر كتتويج للصبر، ولا سبيل للعودة للقوة إلا بالوحدة والإيمان بوعد الله ونصرته وتجهيز النفوس أولًا.
سنة الله ماضية في خلقِه، فمن رحم المعاناة واليأس والهزيمة تشرق أنوار النصر، فقد مرّ التاريخ الإسلامي بمشاهد ظلم ومآسٍ بلغت أقصاها قبل أن يأتي النصر كتتويج للصبر، ولا سبيل للعودة للقوة إلا بالوحدة والإيمان بوعد الله ونصرته وتجهيز النفوس أولًا.
سنّة الله ماضية في خلقه، فمن رحم المعاناة تولد المنح، ومن أعماق اليأس ينبعث الأمل، ومن قلب الهزيمة تشرق أنوار النصر، قال تعالى: {أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ} [البقرة: ٢١٤]، إنها الحكاية الأبدية التي تتكرر عبر العصور، لتروي لنا الصراع بين الحق والباطل، فليست الهزيمة نهاية الحكاية، بل هي البداية الجديدة للأحداث، هي المخاض العسير الذي يسبق ولادة النصر، هي الليلة الحالكة التي يغيب عنها القمر ليعود ببزوغ فجر جديد، هي البذرة التي تنغرس في تربة التاريخ لتنبت شجرة النصر وثمارها.
قبل أن تشرق شمس النصر على الأمة الإسلامية، كانت سحب اليأس قد أطبقت على سمائها وحجبت عن الأمة ضوءها، فبلغت المعاناة مع الظلم أقصاها، حالة عبر عنها سؤال الصحابة للحبيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رضي الله عنه، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا، فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يُصَدُّ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتَمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» [المعجم الكبير للطبراني ٤/٦٥]، فبين طلب الثأر من أجل الكرامة، ومشاهد ظلم الماضي الذي تذكره يقطع نياط القلب، ومأساة الإخراج من الديار ممزقين الأوصال؛ وبرغم هذه المآسي جاء النصر، ليبدأ عهد جديد بقوله تعالى {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ } [الحج: ٣٩]، لقد جاء الإذن بالقتال ردًا على الظلم، فجاء النصر ثمرة للصبر.
إنها القدرة الإلهية المعجزة التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ} [آل عمران: ١٢٣]، ففي لحظة العجز البشري تتجلى قدرة الله، وفي ساعة الضعف الإنساني تظهر قوة الله عز وجل، وكأنما أراد الله أن يعلمنا أن النصر ليس بالعدد ولا بالعدة، بل هو هبة من لدنه يعز بها الأذلاء الذين توكلوا عليه.
قصة تروى على صفحات الزمن، تروى هناك في دمشق، بينما كانت القدس تئن تحت وطأة الاحتلال الصليبي، وكان المسلمون يتخاذلون ويتناحرون، كان نور الدين زنكي يصنع منبرًا للمسجد الأقصى الذي لم يحرر بعد، إنها الرؤية التي تتجاوز واقع الهزيمة، والإيمان الذي يخترق حجب اليأس.
تسعون عامًا والجمعة لا تقام في الأقصى، تسعون عامًا والمحراب ينتظر المؤذن، تسعون عامًا والمنابر تخلو من الخطبة، وفي خضم هذا الظلام، كان ذلك المنبر يصنع في دمشق، وتصنع معه الآمال في النصر، ومعه تصنع الأمة التي يأتي أبناؤها بهذا النصر، تحفة فنية صنعت كهدية لعروس المدن تُهدى إليها لحظة تحريرها، لم يكن خشبًا يصنع بل رمزًا للإيمان بالغيب يتجسد، وبرهانًا على الثقة في موعود الله.
وجاء صلاح الدين، حاملًا مشاعل النور بعد طول ظلام، منقذًا للأمة من وهنها، مجسدًا حلم المنبر المنتظر، وبعد أن فتح القدس أمر بنقله ونصبه في المسجد الأقصى حيث خطب عليه قاضي دمشق محيي الدين بن الزنكي خطبة الجمعة، بعدما غابت عن المسجد حوالي ٩٠ عامًا هي فترة الاحتلال الصليبي.
من الخطأ أن نظن أن الهزيمة نقيض النصر، بل هي وقوده، ففي لحظة الهزيمة تموت الأوهام، وتتكشف الحقائق، وتتجه القلوب إلى بارئها، فأخطر أنواع الهزيمة ليست هزيمة الجيوش في الميدان، بل هزيمة النفوس في معركة الإرادة، يقول المولى عزوجل واصفا إياها: {إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ * هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا } [الأحزاب: ١٠-١١]، لكن أبى الله إلا أن يكون هو الناصر ومنه وحده النصر {وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ } [آل عمران: ١٢٦]، فجاء النصر من حيث لم يحسب الحاسبون، وتحقق الفتح من حيث لم ينتظره المنتظرون، لقد علمتنا أكتوبر أن النصر لا يتحقق بمجرد تجهيز الجيوش، بل بتجهيز النفوس أولًا، ولا يتحقق بتخطيط القادة فقط، بل بإيمان الشعوب بربها وجيشها وقادتها.
وليس أدل على ذلك من نصر أكتوبر العظيم، فقبله كانت النفوس قد هزمت، والهمم قد خمدت، والثقة قد تزعزعت، حتى سخر الساخرون من جيشنا، واستهزأ المستهزئون بقادتنا، ويئس اليائسون من تحرير أرضنا.
كان للهزيمة الغادرة في يونيو ١٩٦٧م أثرها على الأمة، فقد كانت الصورة قاتمة في كل شيء، فبين ثقة منكسرة، وسخرية لاذعة، ويأس عام، كانت تخلق إرادة جديدة، وتُصنع عزة مبتغاة، لقد أثبتت الأمة مرة أخرى أنها قادرة على تحويل الهزيمة إلى طاقة، واليأس إلى أمل.
وها نحن اليوم نعيش أيامًا مشابهة، يعمل فيها الأعداء على تفتيت الجيوش وزرع الفتن بين الأشقاء، حتى صرنا أمة ضعيفة يرمي بعضها بعضًا بالخيانة، لكن التاريخ يعلمنا أن هذه المقدمات تشبه تلك التي سبقت انتصاراتنا الكبرى.
فلا سبيل لنا إلا أن نعود إلى بارئنا، ونؤمن بقوتنا ووحدتنا، ونهجر الشعور بالضعف والانهزامية إلى الطاقة الإيمانية بنصر الله الموعود لكل المؤمنين به، قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} [محمد: ٧]، ومن التفرق إلى الوحدة، ومن الضعف إلى القوة، قال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ} [الأنفال: ٦٠] قوة في العلم، في الصناعة، في الزراعة، وفي الإيمان.
لأئمتنا أصحاب الفضيلة: لنرفع رؤوسنا ولنقم بدورنا ولنؤدي أماناتنا.
فلنصطف خلف قيادتنا وجيشنا، فكما قال المسلمون لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك"، يجب أن نكون على قلب رجل واحد، نثق بنصر الله، ونعمل بأسباب التمكين، حولوا خطبكم وخطابكم من استحضار الذكريات إلى بناء الوعي بالأحداث الجارية، اجعلوا من هزيمة الماضي دروسًا للحاضر فلا تتكرر، ومن تاريخ انتصاراتنا نبراسًا لبناء الثقة في قوة بلادنا وأبنائنا، ومن العبور في أكتوبر مشروعًا مستمرًا للعبور من التخلف إلى التقدم، ومن الاحتياج إلى الاكتفاء، ومن التبعية إلى الريادة.
ويحضرني هنا كلمات من نور أوصانا بها معالي الدكتور أسامة الأزهري: "هذه مواريث النبوة، فتحققوا بها في أنفسكم، واحملوا مشاعل نورها في دعوتكم وفي رسالتكم لتنوروا بها ربوع الوطن، ولتملؤوا بها وعي المصريين جميعًا.
ارفعوا رؤوسكم عزيزة بشرف ما تحملونه وبنبل ما تؤدونه، وكونوا في الناس شامة، مظهرًا حسنًا، وحكمة منيرة، واجعلوا خطابكم ينزل على قلوب الناس رحمة وراحة، والله من وراء القصد"٠
للمعلمين والمربين: علموا النشء أن الهزيمة مؤقتة، وأن النصر حليف الصابرين، وأن الأمة التي أنجبت صلاح الدين بعد تسعين عامًا من الاحتلال، قادرة على إنجاب أبطال جدد.
للمفكرين والإعلامين: انفضوا غبار اليأس عن عقول الأمة، وأحيوا فيها ثقافة التمكين، وذكروها بسنن الله في النصر والهزيمة.
ها هو التاريخ يعيد نفسه، ومن ظلام هذا الليل سيبزغ فجر جديد، فبعد طول معاناة، وبعد سنوات التشتت والضعف، ستعود الأمة كما عادت من قبل، أقوى مما كانت، وأصلب عودًا، وأشد بأسًا.
اللهم انصرنا على أعدائنا، ورد كيدهم في نحورهم، واجعل فينا ومنا من يهزمهم، واجعل مصر وجيشها في أمن وأمان، وارزقنا زيارة المسجد الأقصى كما زاره أجدادنا من قبل.. حرًا أبيًا يعبق بشذا الإيمان.
كونوا على يقين بأن وعد الله حق، ونصره قادم لا محالة، فاصبروا وصابرو واثبتوا، واستبشروا بوعد الله خيرا، قال تعالى {فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا} [الشرح: ٥-٦].
سنة الله ماضية في خلقِه، فمن رحم المعاناة واليأس والهزيمة تشرق أنوار النصر، فقد مرّ التاريخ الإسلامي بمشاهد ظلم ومآسٍ بلغت أقصاها قبل أن يأتي النصر كتتويج للصبر، كما حدث مع الصحابة، ومع قضية المنبر المنتظر في القدس، وأخطر الهزائم هي هزيمة النفوس التي يجب تجهيزها بالإيمان أولًا كما علمنا نصر أكتوبر، ولا سبيل للعودة للقوة إلا بالوحدة والإيمان بوعد الله ونصرته والدعوة إليه.