Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أكتوبر درس.. والقوة وسيلة.. والسلام هو الغاية

الكاتب

هيئــة التحربر

أكتوبر درس.. والقوة وسيلة.. والسلام هو الغاية

إنَّ الأمم لا تتقدّمُ صدفة، ولا تصنع مجدها بالمصادفات العارضة، وإنما تتقدمُ حين تفقه دروس التاريخ، وتستوعب رسائل الأحداث الكبرى التي صنعت وعيها الجمعي، وحين نعود إلى السادس من أكتوبر، لا نعود إلى ذكرى معركة عسكرية فحسب، بل نعود إلى درسٍ حضاريٍّ كامل الملامح، صنعه رجالٌ من لحم ودم، آمنوا بالله، ثم آمنوا بالإنسان وبالقيمة، فحرروا الأرض، واستعادوا الكرامة، وفتحوا للأمة بابًا جديدًا من الفهم والتقدّم والبناء.

أكتوبر.. درسٌ في الوعي والبصيرة

لقد كان أكتوبر درسًا في أن الإيمان بالله لا ينفصل عن الإعداد، وأن الروح لا تُغني عن التخطيط، وأن النصر لا يُعطى جزافًا لمن يتمنى، بل يُمنح لمن يعمل ويخطط ويجتهد.

كان الجندي المصري يصوم نهار رمضان، ويقاتل، ويذكر الله، ويخطط بدقة علمية مدهشة، تُدهش من يقرأ تفاصيلها حتى اليوم.

لقد اجتمعت في أكتوبر العقيدة والعقل، الروح والمادة، السماء والأرض في تناغمٍ عجيب، ليصنع الإنسان المصري ملحمةً تجمع بين الذكر والدبابة، وبين التكبير والعلم العسكري الحديث.

القوة.. وسيلة وليست غاية

حين نتأمل فلسفة القوة في ضوء هذا الحدث الجليل، ندرك أن القوة في ميزان الإسلام ليست عبثًا ولا عدوانًا، وإنما هي وسيلة لردع الظلم، وإقامة الحق، وحماية الإنسان.

القوة التي لا يضبطها ضمير، تتحول إلى طغيان.

أما القوة التي تصحبها نية الإصلاح، فتكون طريقًا إلى العدل والسلام.

قال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ} [الأنفال: ٦٠]، لكن الآية لا تدعو إلى العدوان، بل إلى التهيؤ للدفاع وحماية الكرامة.

فالقوة هنا ليست هدفًا يُعبد، بل أداة تُستخدم في موضعها الصحيح، ولذلك كانت ملحمة أكتوبر نموذجًا راقيًا لاستخدام القوة في موضعها، دون تجاوز، ودون بطشٍ أعمى.

إن الأمة التي تملك القوة دون حكمة، كمن يمسك سيفًا بيد طفلٍ صغير، أما الأمة التي تجمع بين العلم والقوة والخلق، فهي التي تستحق أن تكون وريثة الحضارة، وحاملة الرسالة.

السلام.. الغاية التي تليق بالإنسان

من أعظم دروس أكتوبر أن السلام ليس ضعفًا، بل هو ثمرة القوة الراشدة، فبعد أن أثبتت مصر قدرتها على النصر، فتحت باب السلام بكرامة، لا بخنوع.

وهنا تتجلى الحكمة القرآنية في قول الله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ} [الأنفال: ٦١] 

فالسلام هو غاية القوة، ومقصد الرسالة، وهدف الحضارة.

وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أشجع الناس، كان أول من سعى للسلام حين يحقق مقصده الإنساني والشرعي.

لقد علمنا أكتوبر أن من لا يملك القوة، لا يُسمع له صوت في مائدة السلام، وأن السلام الحقيقي لا يقوم إلا على العدل، ولا يثمر إلا في أرضٍ حرّة.

وهكذا أدركت مصر أن القوة تُطلب لحماية السلام، لا لإلغائه، وأن السلام لا يُصان إلا بوعيٍ وإعدادٍ دائمين.

من الدرس إلى الرسالة

إن ذكرى أكتوبر ليست للتاريخ فقط، بل للحاضر والمستقبل، وكما كان السادس من أكتوبر لحظة وعيٍ وعبور، ينبغي أن يكون لنا في كل زمان عبورٌ جديد نحو بناء الإنسان والعقل والضمير.

لقد خضنا معركة الأرض في أكتوبر، وبقيت معركة بناء الوعي والعلم والأخلاق، وهي لا تقل خطرًا ولا قداسة.

فالقوة اليوم ليست في السلاح وحده، بل في الفكر والمعرفة والإنتاج، وبناء أجيال تعرف أن السلام لا يُوهب، بل يُصنع.

وإذا كانت القوة وسيلة، والسلام غاية، فإن الإنسان هو الميدان، والعقل هو السلاح، والإيمان هو الزاد.

الخلاصة

إن أكتوبر ليس مجرد يوم في التقويم السنوي، بل حالة وعيٍ دائم تقول لنا: كن قويًا لتصون لا لتبطش، وكن مسالمًا لتُعمر لا لتضعف، واجعل من كل نصرٍ جسراً نحو سلامٍ أوسع، فذلك هو نهج النبوة، ودرب الحضارة، ورسالة مصر إلى العالم.

موضوعات مختارة