Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المشير محمد عبد الغني الجمسي - رجل التخطيط والعمليات

الكاتب

هيئة التحرير

المشير محمد عبد الغني الجمسي - رجل التخطيط والعمليات

في حضرة رجلٍ نادر الدماثة، والرصانة، نطلّ على حياةٍ صمّمها التخطيط المتأنّي، والانضباط الحاد، والإيمان العميق بأنّ النصر ليس ضربة حظّ بل حصاد حساب مدروس، إنه المشير/ محمد عبد الغني الجمسي – رحمه الله – المعروف بـ(مهندس حرب أكتوبر)، الذي تحوّلت أوراقه إلى معادلات استعادة الأرض، وخططه إلى خارطة طريق؛ لشموخ مرة أخرى.

نشأة المشير محمد عبد الغني الجمسي

وُلد الجمسي في ٩ سبتمبر ١٩٢١ م بقرية البتانون بمحافظة المنوفية، في أسرة ريفية ميسورة الحال، التحق بمدرسة المساعي المشكورة بشبين الكوم، ثم التحق بـالكلية الحربية، وتخرّج عام ١٩٣٩ م في سلاح المدرعات، شهد في سنواته الأولى تجارب الحرب العالمية الثانية، حيث تمّ تعيينه ضابطاً في الصحراء الغربية، وهو من قلائل الضباط الذين شاهدوا أعنف معارك المدرعات بين قوات الحلفاء بقيادة مونتغمري والمحور بقيادة رومل، تلك الخبرة المبكرة في المدرعات والميدان منحت الجمسي قاعدةً تقنية، وعسكرية متقدّمة، وما يُلفت النظر هو أنّه لم يكن مجرد مقاتل بل بدأ يرى الحرب كعملية تخطيطية؛ هذه البعدية – التخطيط والعمليات – ستظلّ بالشكل الذي يُميِّزه.

الصعود العسكري، وتجربة ما قبل أكتوبر

بعد نكسة يونيو ١٩٦٧م قدّم الجمسي استقالته – وهو فعل يدلّ على وعيه بالمسئولية، لكن تمّ رفضها، ومنح بدلاً من ذلك مهمة الإشراف على تدريب الجيش، ثم تولّى منصب رئيس هيئة تدريب القوات المسلحة، ثم بحلول ١٩٧٢ م أصبح رئيس هيئة العمليات للقوات المسلحة، في هذا المسار برز اهتمامه بالعدو الإسرائيلي من حيث تحليل التسليح، التكتيكات، الحالة النفسية، ما يجعله من القِلَّة التي تدرس العدو لا فقط تقاتله، ويمكن القول: إنّ هذا التدرّج يشير إلى صقل رجل التخطيط والعمليات، فهو ليس قائدًا عفويًا، بل مخطّطًا قويًّا.

كشكول الجمسي قلب التخطيط، وخدمة التعبئة

من أشهر أدوات الجمسي التخطيطية، ما يُعرف بـ«كشكول الجمسي»، وهو عبارة عن دراسة تفصيلية أعدها؛ لتوقيت انطلاق عملية العبور في ٦ أكتوبر ١٩٧٣م، مبنيّة على تحليل مدّ وجزر قناة السويس: ضوء القمر، التيار المائي، حالة الطقس، تحرّكات العدو، عناصر المفاجأة، وغيرها من المتغيّرات، حسب تقارير الصحف، فإنّ تلك الدراسة وُضعت في كشكول صغير تابع لابنته حتى يحافظ على سريتها، وقد قال الرئيس الأسبق أنور السادات إنّه: (سوف يدخل التاريخ العلمي للحروب كنموذج)، هذا الحدث يُعد رمزًا لفكر الجمسي؛ إذ لم يترك الأمر قليلاً لحالة الميدان، بل جعل الأيام والساعات، والظروف محورًا لحساب، وحوّل ما يُرى عادة «ظرفًا حربيًّا» إلى قرارات مدروسة.

دور الجمسي في حرب أكتوبر ١٩٧٣ م، وعملية العبور

بصفته رئيس هيئة العمليات كان الجنرال الجمسي في مركز التخطيط والتنفيذ لحرب أكتوبر، في يوم ٦ أكتوبر عند إعلان (بدر بدر)، يُروى أنّه نادى (بدر بدر)، مشيراً إلى بدء الهجوم بفضل التخطيط الذي أعدّه – وحسب ما يُروى– تحقّقت عناصر المفاجأة، عبور قناة السويس، تدمير خط بارليف، والتقدّم إلى الضفّة الشرقية، والخلاصة: لقد جسّدت خطة الجمسي التلاقي بين التخطيط الدقيق، والتنفيذ الجريء.

لكنّه في الجانب الآخر، واجه أيضًا لحظات من التوتر حين نشأت (ثغرة الدفرسوار) غرب القناة، وكانت له خطة تسمّى (شامل)؛ لمحاصرتها وتدميرها، وقد أشار بعض المؤرخين إلى أن الخلاف حول هذه الخطة كان أحد عناصر الانتقاد؛ للتوقف عن التقدّم أو تنفيذها، هنا نرى كيف أن التخطيط ليس ضمانًا مطلقًا للفوز، بل أداة تقود، لكن ظروف الحرب والسياسة قد تغيّر في منتصف الطريق.

مفاوضات ما بعد الحرب، والجانب الدبلوماسي

بعد الانتصار العسكري لم ينصرف الجمسي إلى التقاعد، بل شغل دورًا مهمًا في المفاوضات مع إسرائيل، فكان قائداً لفريق التفاوض المصري في مفاوضات الكيلو ١٠١، واتفاقية النقاط الست، وما يلفت الانتباه أنّه لم يكن مجرد مدافع عسكري بل مفاوض حادّ؛ إذ وصفه بعض الإسرائيليين بأنّه (النحيف المخيف)، ورغم ذلك، شهد موقفًا مأساويًا في تلك المفاوضات عندما علم بقرار انسحاب مصري كبير (أكثر من ١٠٠٠ دبابة و٧٠ ألف جندي) من الضفة الشرقية في يناير ١٩٧٤م، فاتصل مباشرة بالسادات معبّرًا عن استغرابه، هذا يُبيّن البعدَ الذي لا يقلّ عن البعد العسكري: الرجل فهم أن النصر لا يتوقّف عند الميدان، بل يمتد إلى الطاولة، وإلى استمرار القدرة على التفاوض عبر قوة مبنيّة على أداء ميداني ملموس.

خصائص القيادة، والتخطيط عند الجمسي

يمكن استنباط عدد من السمات التي تميز المشير/ الجمسي:

  • الرؤية الاستراتيجية: لم يكن ينظر إلى المعركة كوقفة بل كعملية مستدامة، التوقيت، الطقس، التيار، توافرت لديه عوامل تخطيط.
  • الاهتمام بالتفاصيل: كشكول الجمسي ليس شعارًا بل واقع لكتابة كل دقيقة، وكل متغيّر.
  • العقلانية والرصانة: لم يكن معبّرًا بصخب، بل هادئًا، لكنّ هدوئه لم يكن ضعفًا، بل قوة، يقول بعض الإسرائيليين إنّهم: (يخشونه أكثر من أي قائد عربي آخر).
  • المزج بين التخطيط والتنفيذ: ليس مجرد جداول وأرقام، بل قيادة ميدانية، وتنفيذ دقيق.
  • الاستعداد للمسئولية السياسية: فهو بدأ كمقاتل ثم أصبح مفاوضًا، ما يعني أنّه فهم العلاقة بين العمل العسكري والسياسة.

التحديات والنقاشات

رغم التقدير الكبير له، ثمة نقاشات حول بعض قرارات ما بعد العبور، ومنها: قضية «الثغرة»، وخطة «شامل»، ومحاولات التقدم غرب القناة، وتأخرها بسبب قرار وقف إطلاق النار، كما أشار بعض المراقبين إلى أنّ المسار السياسي بعد الحرب شابه بعض التنازلات التي أثّرت على رؤية الجمسي للنتيجة النهائية، هذه التحديات لا تنقص من إنجازاته، بل توضح أنّ التخطيط حتى لو كان دقيقًا، فإنه يخضع لمتغيّرات سياسية واستراتيجية أكبر.

الإرث والتأثير

يُصنّف المشير الجمسي ضمن أفضل ٥٠ قائدًا عسكريًا في التاريخ كما تذكر بعض الموسوعات، أصبح (كشكول الجمسي) موضوع دراسة في الأكاديميات العسكرية، ومثالًا يُحتذى به للتخطيط والعمليات، وشخصية الجسمي قد جمعت بين القلب والعقل، وأصبحت قدوة للأجيال، ودرسًا في كيف يمكن للقيادة أن تتحوّل من مجرد قيادة إلى علم يُدرَّس.

الخلاصة

لقد تجلّت في حياة المشير محمد عبد الغني الجمسي ثلاثية فريدة: التخطيط، التنفيذ، والمراجعة، بدءًا من قرية ريفية إلى مركز القيادة العليا، مرّ بتدريب، حرب، فوز، مفاوضات.

إن الجمسي يمثل نموذجًا علميًّا للقائد العسكري المفكّر الذي لا يسعى إلى المجد بقدر ما يسعى إلى الإتقان، ولا يبحث عن الشهرة بقدر ما يبذل جهدًا؛ لتحويل المعادلة من هزيمة إلى انتصار، من انهيار إلى عودة الكبرياء.

موضوعات مختارة