حين تنكسر الأمة، وتبحث عن منقذ... هكذا كان محمد أنور السادات حين تولى الحكم واجه تحديات جسيمة: جيش منهك بعد نكسة ١٩٦٧م، شعب يائس؛ لكن السادات لم يتراجع، بل بدأ في إعادة بناء الجيش المصري على أسس علمية ووطنية.
فالسادات كان عبقريًّا في فن الخداع الاستراتيجي، وهو صاحب قرار العبور التاريخي في حرب أكتوبر ١٩٧٣م.
السادات والعزل السياسي والتحمل الشخصي:
التحمل الشخصي: تعمَّد السادات اتخاذ قرارات بدت غير منطقية (مثل طرد الخبراء السوفييت في يوليو ١٩٧٢م) مما أدى إلى موجة واسعة من السخط والاتهامات بالتردد. تحمل السادات هذه الاتهامات الباطلة والسباب بصمت وصبر استراتيجي، لإنجاح خطة الخداع التي أوهمت العدو بعدم قدرة مصر على الحرب.
ومن الإجراءات اللوجستية السرية لضمان المفاجأة:
- استيراد مخزون استراتيجي من القمح دون أن يدري العدو، وذلك عن طريق قيام المخابرات العامة بتسريب معلومات بأن أمطار الشتاء قد غمرت صوامع القمح، وأفسدت ما بها، وتحوّل الأمر لفضيحة إعلامية استوردت مصر على أثرها الكميات المطلوبة لتأمين احتياج البلاد أثناء الحرب.
- إخلاء المستشفيات تحسبًا لحالات الطوارئ، وذلك عن طريق تسريح ضابط طبيب من الخدمة وتعيينه بمستشفى الدمرداش، ليعلن عن اكتشافه تلوث المستشفى بميكروب، ووجوب إخلائها من المرضى لإجراء عمليات التطهير، وفي اليوم التالي نشرت «الأهرام» الخبر معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوّث قد وصل إلى مستشفيات أخرى، فصدر قرار بإجراء تفتيش على باقي المستشفيات، وأخليت باقي المستشفيات لاستقبال جرحى الحرب دون أن يدري العدو، كما تولت وزارة الزراعة والري استيراد مضخات المياه (الطلمبات) لاستصلاح أراضي إلا أنها كانت لازمة لإزاحة الساتر الترابي.
وهو في سبيل هذه الخطة قد تحمل كما هائلا من الاتهامات والرمي بالإهمال والتراخي والخيانة وغيرها من التهم التي لا يتحملها إلا من كانت مصلحة بلاده فوق مصلحته الشخصية، فبذل ذلك رخيصًا من أجل وطنه.
الدراسة المتأنية والإعداد القتالي والديني الدقيق:
أما الجانب الإيمان الروحي: فقد آمن السادات بأهمية الاستعانة بالدين وعلماء الأزهر لرفع الروح المعنوية فنكون أهلا لتحقيق معونة الله تعالى ونصره وتأييده، ولذلك نزل شيوخ الأزهر، مثل الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود والشيخ محمد متولي الشعراوي، إلى صفوف الجنود على الجبهة لتقوية العقيدة الإيمانية، ونشر الوعي بأن الحرب هي جهاد في سبيل الله دفاعًا عن الأرض والعرض، مما رسخ في نفوسهم فقه التهيئة النفسية والمعنوية استعدادًا للقتال.
وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ عبد الحليم محمود قد أخبر السادات بأنه رأى رؤيا في المنام للنبي صلى الله عليه وسلم يعبر قناة السويس رفقة الجيش، وهي رؤيا اعتبرها الإمام بشرى للظفر، واقترح على السادات أن يأخذ قرار الحرب مطمئنًا بتحقيق النصر.
وإيمان السادات ويقينه بالله جعله يرى أن شهر رمضان هو شهر النصر، ففيه وقعت غزوة بدر الكبرى ومعارك فاصلة، فكان اختياره لهذا التوقيت توفيقا من الله تعالى ورسالة واضحة أن مصر تخوض حربًا عادلة.
وأما من ناحية الاستعداد العسكري والتدريبات: فيضيق المقام عن تفصيلاته، ومن ذلك أن الأجهزة الاستخبارية قد نفذت دراسة متأنية وشاملة لقدرات العدو ومعرفة أدق التفاصيل، ووجهت بالإعداد الجيد لقواتنا، ومن هذه الإعدادات أنه قد أجرت القوات المصرية ٣٠٠ تجربة تحضيرية لاقتحام خط بارليف، لدرجة أن الجنود بعد حرب أكتوبر قالوا شيئًا عجيبًا: "إن حرب أكتوبر كانت أسهل بكثير من التدريبات".
وأما حرص الرئيس السادات واحتياطه للحفاظ على قوات العبور: أنه في ٥ أكتوبر عام ١٩٧٣م الضفادع البشرية عملية بطولية لـسد أنابيب النابالم، ثم عادت هذه الوحدات للتأكد من نجاح العملية قبل العبور بساعتين فقط، وذلك خشية أن يكون العدو قد اكتشف انسدادها.