Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

محمد أنور السادات: صانع القرار في زمن التحولات الكبرى

الكاتب

هيئة التحرير

محمد أنور السادات: صانع القرار في زمن التحولات الكبرى

في صفحات التاريخ المصري الحديث يسطع اسم محمد أنور السادات كأحد أعظم القادة الذين جمعوا بين الإيمان العميق، والذكاء الاستراتيجي، والانتماء العميق للوطن الذي لا يعرف المساومة. لم يكن السادات مجرد رئيس، بل كان رمزًا للكرامة والعزة، وفارسًا ترجَّل في لحظة فارقة؛ ليعيد لمصر هيبتها، وفي عهده سُطرت بدماء الأبطال قصة الانتصار في حرب أكتوبر ١٩٧٣م.

السادات المولد والنشأة والمسار السياسي المبكر (الإخلاص والفدائية)

وُلد محمد أنور السادات في ٢٥ ديسمبر عام ١٩١٨م بمحافظة المنوفية. تخرّج في الكلية الحربية عام ١٩٣٨م ضابطًا برتبة ملازم ثانٍ.

شهدت هذه المرحلة بداية نضاله السري، حيث زُجّ به في سجن القاهرة في ٦ يناير عام ١٩٤٦م نتيجة اتهامه بالمشاركة في مقتل أمين عثمان وزير المالية في عام ١٩٤٨م حُكم ببراءته، وفي عام ١٩٥٠م عاد إلى عمله بالجيش، ثم انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار عام ١٩٥١م. وقد شارك في عمليات فدائية ضد الاحتلال الإنجليزي، مؤمنًا بأن تحرير مصر يستحق كل تضحية، ولحسن أدائه البلاغي ألقى السادات بيان ثورة ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢م، الذي أعلن قيام الثورة للشعب المصري.

الرئيس السادات .. المناصب وتولي الحكم وبناء الدولة والقوات المسلحة (١٩٥٢م – ١٩٧٠م)

بعد الثورة، أسندت إليه العديد من المناصب المهمة، مثل رئيس مجلس الأمة (البرلمان)، ورئاسة تحرير جريدة الجمهورية، اُنتُخب رئيسًا لمجلس الأمة الاتحادي عام ١٩٦٠م اختاره الرئيس جمال عبد الناصر نائبًا له، وعقب وفاته تولى السادات رئاسة الجمهورية بالإنابة، ثم اُنتُخب رئيسًا للجمهورية بعد إعلان نتيجة الاستفتاء الشعبي في ١٧ أكتوبر عام ١٩٧٠م.

منذ تولي السادات الحكم، عمل على بناء الدولة الحديثة والمؤسسات الدستورية، متخذًا قرار تصحيح المسار عام ١٩٧١م لتعزيز سيادة القانون وإنهاء مراكز القوى، وأما بناء القوات المسلحة فقد كان أولويته القصوى، حيث عمل على تحديث شامل للعتاد والتدريب، وتنويع مصادر السلاح لإنهاء التبعية، استعدادًا لمعركة التحرير.

السادات عبقرية الخداع والتحضير لحرب أكتوبر (١٩٧١م – أكتوبر ١٩٧٣م)

حين تنكسر الأمة، وتبحث عن منقذ... هكذا كان محمد أنور السادات حين تولى الحكم واجه تحديات جسيمة: جيش منهك بعد نكسة ١٩٦٧م، شعب يائس؛ لكن السادات لم يتراجع، بل بدأ في إعادة بناء الجيش المصري على أسس علمية ووطنية.

فالسادات كان عبقريًّا في فن الخداع الاستراتيجي، وهو صاحب قرار العبور التاريخي في حرب أكتوبر ١٩٧٣م.

السادات والعزل السياسي والتحمل الشخصي:

التحمل الشخصي: تعمَّد السادات اتخاذ قرارات بدت غير منطقية (مثل طرد الخبراء السوفييت في يوليو ١٩٧٢م) مما أدى إلى موجة واسعة من السخط والاتهامات بالتردد. تحمل السادات هذه الاتهامات الباطلة والسباب بصمت وصبر استراتيجي، لإنجاح خطة الخداع التي أوهمت العدو بعدم قدرة مصر على الحرب.

ومن الإجراءات اللوجستية السرية لضمان المفاجأة:

  • استيراد مخزون استراتيجي من القمح دون أن يدري العدو، وذلك عن طريق قيام المخابرات العامة بتسريب معلومات بأن أمطار الشتاء قد غمرت صوامع القمح، وأفسدت ما بها، وتحوّل الأمر لفضيحة إعلامية استوردت مصر على أثرها الكميات المطلوبة لتأمين احتياج البلاد أثناء الحرب.
  • إخلاء المستشفيات تحسبًا لحالات الطوارئ، وذلك عن طريق تسريح ضابط طبيب من الخدمة وتعيينه بمستشفى الدمرداش، ليعلن عن اكتشافه تلوث المستشفى بميكروب، ووجوب إخلائها من المرضى لإجراء عمليات التطهير، وفي اليوم التالي نشرت «الأهرام» الخبر معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوّث قد وصل إلى مستشفيات أخرى، فصدر قرار بإجراء تفتيش على باقي المستشفيات، وأخليت باقي المستشفيات لاستقبال جرحى الحرب دون أن يدري العدو، كما تولت وزارة الزراعة والري استيراد مضخات المياه (الطلمبات) لاستصلاح أراضي إلا أنها كانت لازمة لإزاحة الساتر الترابي.

وهو في سبيل هذه الخطة قد تحمل كما هائلا من الاتهامات والرمي بالإهمال والتراخي والخيانة وغيرها من التهم التي لا يتحملها إلا من كانت مصلحة بلاده فوق مصلحته الشخصية، فبذل ذلك رخيصًا من أجل وطنه.

الدراسة المتأنية والإعداد القتالي والديني الدقيق:

أما الجانب الإيمان الروحي: فقد آمن السادات بأهمية الاستعانة بالدين وعلماء الأزهر لرفع الروح المعنوية فنكون أهلا لتحقيق معونة الله تعالى ونصره وتأييده، ولذلك نزل شيوخ الأزهر، مثل الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود والشيخ محمد متولي الشعراوي، إلى صفوف الجنود على الجبهة لتقوية العقيدة الإيمانية، ونشر الوعي بأن الحرب هي جهاد في سبيل الله دفاعًا عن الأرض والعرض، مما رسخ في نفوسهم فقه التهيئة النفسية والمعنوية استعدادًا للقتال.

وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ عبد الحليم محمود قد أخبر السادات بأنه رأى رؤيا في المنام للنبي صلى الله عليه وسلم يعبر قناة السويس رفقة الجيش، وهي رؤيا اعتبرها الإمام بشرى للظفر، واقترح على السادات أن يأخذ قرار الحرب مطمئنًا بتحقيق النصر.

وإيمان السادات ويقينه بالله جعله يرى أن شهر رمضان هو شهر النصر، ففيه وقعت غزوة بدر الكبرى ومعارك فاصلة، فكان اختياره لهذا التوقيت توفيقا من الله تعالى ورسالة واضحة أن مصر تخوض حربًا عادلة.

وأما من ناحية الاستعداد العسكري والتدريبات: فيضيق المقام عن تفصيلاته، ومن ذلك أن الأجهزة الاستخبارية قد نفذت دراسة متأنية وشاملة لقدرات العدو ومعرفة أدق التفاصيل، ووجهت بالإعداد الجيد لقواتنا، ومن هذه الإعدادات أنه قد أجرت القوات المصرية ٣٠٠ تجربة تحضيرية لاقتحام خط بارليف، لدرجة أن الجنود بعد حرب أكتوبر قالوا شيئًا عجيبًا: "إن حرب أكتوبر كانت أسهل بكثير من التدريبات".

وأما حرص الرئيس السادات واحتياطه للحفاظ على قوات العبور: أنه في ٥ أكتوبر عام ١٩٧٣م الضفادع البشرية عملية بطولية لـسد أنابيب النابالم، ثم عادت هذه الوحدات للتأكد من نجاح العملية قبل العبور بساعتين فقط، وذلك خشية أن يكون العدو قد اكتشف انسدادها.

حرب أكتوبر وتحقيق النصر (٦ أكتوبر ١٩٧٣م)

في السادس من أكتوبر انطلقت ساعة الصفر (في شهر رمضان) عبر الجنود المصريون قناة السويس، واقتحموا خط بارليف الذي وصفته إسرائيل بأنه (لا يُقهر)، كانت الضربة الجوية الأولى بقيادة الطيارين المصريين بمثابة إعلان عودة الروح، وتبعها عبور بطولي للجنود الذين رفعوا علم مصر على الضفة الشرقية للقناة.

السادات وإنجازات ما بعد الحرب والسلام والرؤية المستقبلية (١٩٧٥م – ١٩٨١م)

بعد النصر، انتقل السادات بجرأة نحو مسار الإصلاح والسلام معًا:

ففي ٥ يونيو عام ١٩٧٥م أعاد الرئيس السادات فتح قناة السويس، وأقام منطقة بورسعيد الحرة كبداية لدخول مصر عصر الانفتاح الاقتصادي.

وفي عام ١٩٧٧م اتّخذ الرئيس السادات قراره الحكيم والشجاع بزيارة القدس، ويدفع بيده عجلة السلام بين مصر وإسرائيل.

وفي عام ١٩٧٨م حصل الرئيس السادات على جائزة نوبل للسلام بتوقيعه على اتفاقية السلام.

دور مصر في القضية الفلسطينية:

قاد السادات عملية سلام شاملة تهدف إلى تحقيق الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة وإقامة سلام عادل يضمن الحقوق الفلسطينية، ونقل القضية من دائرة الصراع العسكري الدائم إلى طاولة المفاوضات الدولية، حيث كان السادات مدركًا تمامًا لما وصفه بـ "التضليل" الذي يمارس باسم القضية الفلسطينية ، والمنتفعين من ورائها، وهو رحمه الله لم يذكر إلا القليل عما كان يعلمه من هذه الأمور.

السادات والرؤية المستقبلية:

تنبأ السادات بوضوح بـ ضعف بنية الاتحاد السوفيتي وتوقع انهياره، كما تنبأ بخطورة الاندفاع من البعض وأنه سيؤدي إلى تفتيت دول في المنطقة وانهيارها، وتعريض المنطقة كلها لـ التدخل الأجنبي المباشر والصراعات الطائفية.

مدرسة السادات في استقلال القرار السياسيّ

لقد حافظت القيادة السياسية المصرية، بعد السادات على مسار الاستقلال الوطني وعدم الانزلاق خلف التبعية الكاملة مع الحفاظ على مقدرات الوطن، وعدم جر الدولة لصراعات تستنزف مقدراتها وتضعف قوتها، بل واستطاعت تحجيم الدول العظمي وتوجيهها إلى ما فيه مصلحة الوطن، وذلك أن الرئيس السادات كان يعرف قدرات نفسه وقدرات الأعداء جيدًا، فلم ينسق وراء دعوات الاستمرار في القتال أمام قوى عظمى -كانت وما تزال مساندة لعدوه - دخلت الحرب مباشرة، ونحن لم نكن نملك العدة لمواجهة هذه القوى، فقدم مصلحة الوطن والحفاظ على مقدراته على مصلحته الشخصية فلم يسع لتحقيق زعامة زائفة، بل تحمل الاتهامات الباطلة التي اتهمته بالخيانة والعمالة في سبيل مصر وجنبها ويلات الدمار.

وقد شهد له الجميع ممن كانوا يكيلون له التهم الباطلة ببعد نظره السياسي، ولكن ذلك بعد وفاته رحمه الله تعالى بسنوات طويلة، عندما أدركوا حسن تصرفه وتفهمه للأحداث.

مؤلفاته:

ألَّف السادات عدة كتب هامة منها: "قصة الثورة كاملة"، "صفحات مجهولة من الثورة"، "يا ولدي هذا عمك جمال"، و"البحث عن الذات.

استشهاد البطل وخطر الفكر المتطرف:

بالرغم من هذه الإنجازات للرئيس السادات رحمه الله وجهاده الحقيقي في سبيل الله، إلا أن هذا البطل المجاهد قد اغتيل في ٦ أكتوبر عام ١٩٨١م، على يد عناصر من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تدعي الجهاد في سبيل الله، وهو الذي قد سمح لهذه الجماعات بالمشاركة المجتمعية إلا أنهم قابلوا الإحسان بالغدر، وتُعد هذه مفارقة مأساوية تبرز خطر الجماعات الإرهابية التي تحمل أيديولوجية تُقصي الآخر، حيث قامت باغتيال القائد الذي حقق لمصر الكرامة والاستقرار، مما أكد أن أمن الدولة القومي لا يمكن أن يتهاون مع أي جماعات مسلحة.

الخلاصة

الرئيسُ المصريُّ الراحل، محمد أنور السّادات بطلُ الحرب والسلام، رجلٌ قلّما يجودُ الزمانُ بمثله، رجلٌ خلّد التاريخ اسمَه بأحرف من نور، شخصية محورية أحدثت تحولات عميقة في التاريخ المصري والإقليمي، تميزت سيرته بالتحول الجذري من ضابط ثوري مغمور إلى صانع قرار. قاد البلاد إلى قرار الحرب والسلام، مُدركًا بعمق تعقيدات السياسة الدولية. وبعدها، اغتالتْهُ يدُ الجماعات المُتطرفة الغادرة في ١٩٨١م، مُجسدًا مدرسةً في استقلالِ القرار والحفاظ على مُقدرات الوطن.

رحمَه اللهُ رحمةً واسعةً، وأسكنهُ فراديس جناته، وحفِظَ اللهُ مصرَ وشعبها وجيشَها من كل مكروهٍ وسوءٍ.

موضوعات مختارة