لا تُعرف السيدة زينب - رضي الله عنها - بعظيم تاريخها، وشرف
نسبها فحسب، بل بألقابها التي رسمت معالم شخصيتها القيادية والروحية، وهي ألقاب
تمثل مرجعية حقيقية في مسلك التزكية، ومنها:
العَقِيلة (مرجعية الحكمة والرأي):
أبرز ألقابها هو (العَقِيلة) هذا اللقب يحمل في طياته
معنى عميقًا؛ لكونها السيدة المُهَابة في قومها التي تُستشار في الأمور العظام
فتُؤتمن، وتكون مرجعية لا يُستغنى عن رأيها.
ولم يكن لقب العَقِيلة مجرد اسم تشريف، بل كان حالًا عمليًّا
شهد به الأكابر، فالإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه - وهو أمير المؤمنين، وباب
مدينة علم حضرة النبي الأعظم - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقدم على أمر من
الأمور إلا بعد مشورتها، هذه المرجعية العقلية والإيمانية للسيدة زينب - رضي
الله عنها - تؤكد أن مقام المرأة في
الإسلام يسمو؛ ليصبح محلًا لاستقاء الحكمة، والرأي السديد.
كما أن هذا اللَّقب اكتسب اعترافًا علميًّا غير مسبوق؛ فقد كان
سيدنا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - يروي عنها الحديث، وهذا المقام يذكرنا
بمقولة الشاعر التي ترفع مقامها:
لو
كانت النساء كمثل هذه *** لفُضِّلت
النساء على الرجال
فَمَا
التَّأْنِيثُ لِاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ *** وَلَا
التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلَالِ
العالمة غير المُعلَّمة (صاحبة فيض العلم اللَّدني):
من الألقاب الفائقة التي تطلق عليها – أيضًا – (العالمة غير
المُعلَّمة)، وهذا اللقب لا يعني أنها لم تدرس أو تتلق العلم، ولكن يشير
إلى أن مصدر علمها الحقيقي هو فيض رباني لَدُنِّيِّ، منحها الله إياه ببركة صلتها
بأهل البيت الكرام، ووراثتها لباطن النبوة.
إن حصولها على هذا العلم اللَّدني هو ثمرة التعلق، والتخلق
بالأنبياء، عندما يعمر الباطن بالتعلق بأحوال أهل الكمال، يتخلق الظاهر
بأدبهم، وتهتدي الروح بالعلم الرباني، هذا المقام الرفيع يثبت أن السيدة زينب ورثت
ليس فقط العِلم المُنقول، بل الحكمة والنور الكاشف الذي يضيء لها ظلمات الحياة،
وهو ما مكنها من القيام بدورها الفعَّال في كشف مثالب بني أمية، والحفاظ على حرارة
مقتل الإمام الحسين رضي الله عنه.
شاع
هذا اللقب على ألسنة روادها، وأحبابها؛ نظرًا لما يجده المترددون على مسجدها
ومقامها من الإكرام، فكما أنها امتدادً لنسل جدها المصطفى – صلى الله عليه وآله
وسلم - فمسجدها ومقامها امتدادً للمسجد النبوي الذي كان مأوى لأهل الصُّفة في حياة
جدها الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم، فمسجدها في حياتها وبعد مماتها ملاذًا
للفقراء والمحتاجين، يأتونه ملتمسين كرمها في حياتها، وكرم أحبابها بعد مماتها، فأحبابها
يطعمون الطعام، ويتصدقون على الفقراء والمساكين والأيتام الذين ينزلون ضيوفًا حول
المقام، وما ذلك إلا من أجل رضا الله – عزو جل - الذي قال في كتابه الكريم: {وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ
عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ
لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: ٨-٩]، ومحبة لرسول الله - صلى
الله عليه وآله وسلم – ومودة لآل بيته الطاهرين الذين قال فيهم القرآن على لسان
خاتم النبين - صلى الله عليه وآله وسلم: {قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ
عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ
نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ} [الشورى: ٢٣]؛ فلذلك كثيرًا ما تسمع
هتافًا يخرج من أبنائها المحبين تعبيرًا صادقًا، واعترافًا وعرفانًا لها قائلين: (كريمة
يا ست).
فقد حملت السيدة زينب - رضي الله عنها -
راية الهاشميين بعد شقيقها الحسين- رضي الله عنه-، وسارت على دَرْبِ جدها هاشم في
الكرم والجود، فكانت تطعِم الجائع، وتؤوي المُشَرَّد، وتجير المُستجِير، فكان
بيتها ملاذًا للمحتاجين، ومسجدها ومقامها مأوى للمحرومين.
على قدر أهل العَزْم تأتي العزائم، وقد كانت مثالًا للعزيمة الصادقة،
والإرادة القوية، تحملت ما لا يتحمله الجبال الراسيات.
حملت السيدة زينب لقب (أم المصائب) بحق، فقد شهدت رحيل جدها:
الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأمها: فاطمة الزهراء - رضي الله عنها-، ثم
استشهاد أبيها الإمام علي - رضي الله عنه -، وأخيها الحسن - رضي الله عنه – ومن أعظم
ما لاقته كذلك كانت في كَرْبِلاء؛ حيث شهدت استشهاد أخيها الحسين - رضي الله عنه -
وولديها عَوْن ومحمد - رضي الله عنهما - ثم أُخذت هي وبقية النساء والأطفال ودخلت
على ابن زياد في الكوفة، ويزيد في الشام، وهي صامدة ثابتة كالجبل الأَشَم تروي
بدماء أهل بيتها أعظم مَلْحَمَة صبر وإباء في التاريخ الإسلامي.
فهي بنورها مِشْكَاة تستمد من مِشْكَاة النُّبوة، وبحكمتها بحر زاخر يستقي منه العارفون،
وبكرمها سحابة تمطر الخير على القاصدين .. سلامًا عليها مقامًا وروحًا، وحفيدةً
طاهرة من آل بيت النُّبوة.