Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

غزوة مؤتة

الكاتب

هيئة التحرير

غزوة مؤتة

في شهر جمادى الأولى سنة ٨ هـ، وقعت غزوة مؤتة وكانت بمثابة أول ملحمة نورٍ في وجه إمبراطورية الظلام، حيث التقى أهل المنهج الرباني بأهل منهج الباطل، فالتقى الإيمان بالقوة، ليعلن أن رسالة الإسلام لم تقم بالسيف غزوًا أو اعتداءًا، بل دفاعًا وردًا للاعتداء على الأنفس أو على الكرامة والإنسانية.

التمهيد الحضاري والإيماني

وقعت غزوة مؤتة في شهر جمادى الأولى سنة ٨ هـ، وكانت — كما وصفها المؤرخون — من أعظم المواجهات العسكرية التي خاضها المسلمون في حياة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أكبر اللقاءات بين الإسلام وبين الإمبراطورية الرومانية، رمز القوة المادية آنذاك.

ولم تكن المعركة مجرّد حربٍ عسكرية، بل كانت مواجهة حضارية بين وحي السماء وقيم الأرض .. بين نور الإيمان وسطوة الجاهلية.

ولذلك جاءت غزوة مؤتة تمهيدًا ربانيًّا لمرحلة جديدة من التاريخ الإنساني، تتهيأ فيها البشرية لتسمع رسالة الإسلام لا في جزيرة العرب وحدها، بل في قلب بلاد الروم.

الدافع الإنساني والأخلاقي للمعركة

لم يبدأ المسلمون القتال طمعًا في الدنيا ولا طلبًا لشهواتها، بل خرجوا نُصرةً للكرامة الإنسانية؛ فحين بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحارث بن عمير الأزدي رسولاً إلى ملك بصرى شرحبيل بن عمرو الغساني من أرض الشام يدعوه إلى الإسلام، فما كان منه إلا أن قتل رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب، فاشتد ذلك على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم، فجهز جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل؛ ليقول للعالم كله: "إن أمة الإسلام لا تسكت على العدوان، لكنها لا تبدأه، وإنها أمةٌ تردع بالعدل، لا تنتقم بالهوى".

قيادة النور وبناء الضمير

أمَّر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على الجيش ثلاثةً من خِيرة أصحابه، هم: زيد بن حارثة، فإن قُتل فـجعفر بن أبي طالب، فإن قُتل فـعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم أجمعين.

ثم سلّمهم لواءً أبيضًا، وقال وصيته الخالدة: «اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلَا امْرَأةً وَلَا كَبِيرًا فَانِيًا، وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرًا، وَلَا تَهْدِمُوا بِنَاءً».

بهذه الوصية العظيمة رفع سيدنا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أخلاق الحرب إلى أعلى مستويات الإنسانية، قبل أن يعرفها القانون الدولي الحديث بقرون.

وفي مشهدٍ مهيب خرج الصحابة يودّعون الجيش، فبكى عبد الله بن رواحة وقال: "ما بي حبّ الدنيا، ولكني سمعت قول الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ} [سورة مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود".

كانت هذه الدموع نابعة من قلبٍ موقنٍ بلقاء الله، تُلخّص فلسفة الجهاد في الإسلام ليس جهادًا عدوانيًّا، بل جهاد تزكيةٍ وابتلاءٍ وصدقٍ مع الله.

من معان إلى مؤتة جيش الإيمان أمام بحر الكفر

تحرك الجيش الإسلامي شمالًا حتى وصل إلى معان من أرض الشام، وهناك جاءتهم أنباء تُرعب الجبال؛ هرقل نازلٌ بمائة ألف من الروم، ومعه مائة ألف من العرب النصارى من لخم وجذام وبهراء، تردّد المسلمون، فالمعادلة غير متكافئة ثلاثة آلاف أمام مائتي ألفًا! لكنّ عبد الله بن رواحة أعادهم إلى البصيرة حين قال: "يا قوم، والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون الشهادة! وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوةٍ، ولكن نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به".

وهكذا مضى الجيش الصغير إلى مصيره الكبير؛ ليكتب فصلًا خالدًا في سفر العزة.

بطولة قادة مؤتة .. زيد وجعفر وابن رواحة

احتشد الجيشان، وبدأت المعركة العجيبة التي حيّرت المؤرخين؛ أخذ الراية زيد بن حارثة، يقاتل قتال الأبطال حتى خرّ شهيدًا، ثم حملها جعفر بن أبي طالب، فقاتل حتى قُطعت يمينه، فأخذها بشماله، ثم احتضنها بعضديه حتى استُشهد.

يقول ابن عمر: "عددت في جسده خمسين طعنة، ليس منها واحدة في ظهره!"، دلالةً على أنه قاتل حتى آخر لحظة، ولم يُولّ ظهره أبدًا.

ثم أخذها عبد الله بن رواحة، يُناجي نفسه ويستحثها، حتى قاتل فاستُشهد.

كان هؤلاء الثلاثة رموزًا للثبات والإخلاص، جسّدوا معنى أن الجهاد في الإسلام ليس نزوةً غضبية، بل موقفًا من الحياة والموت معًا.

سيف الله يتقدّم

بعد استشهاد القادة الثلاثة تقدم ثابت بن أرقم وقال للمسلمين: "اصطلحوا على رجلٍ منكم".

فاتفقوا على أن يحمل الراية خالد بن الوليد، الذي قال عن يوم مؤتة: "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي إلا صفيحة يمانية".

قاتل خالد قتال الأُسود، ثم استعمل دهاءه الحربي فبدّل مواقع الجيش في اليوم التالي؛ جعل المقدّمة مؤخرة، والميمنة ميسرة، فظنّ الروم أن مددًا جديدًا وصل، فدبّ الرعب في قلوبهم، وانسحبوا متراجعِين.

وهكذا استطاع خالد أن ينقذ الجيش بأكمله من الإبادة، ويعود بالمسلمين إلى المدينة سالمين، دون أن تطاردهم جيوش الروم.

النتائج والأثر الحضاري

لم تكن غزوة مؤتة انتصارًا عسكريًّا بمعناه المادي، لكنها كانت فتحًا معنويًا هائلًا، ثلاثة آلاف مقاتل صمدوا أمام مائتي ألف، وعادوا دون هزيمةٍ ولا انكسار، فزلزل ذلك وجدان العرب والروم على السواء، بدأت القبائل العربية التي كانت تُعادي الإسلام تُراجع موقفها، فدخلت بنو سليم وأشجع وغطفان وفزارة في الإسلام، بعدما أيقنوا أن هذه الأمة مؤيدة من الله، لا تُقهر بقوةٍ بشرية.

كانت غزوة مؤتة درسًا عظيمًا للأجيال .. فالإيمان إذا رسخ في القلب صنع المعجزات، والنصر الحقيقي هو الثبات على المبدأ، لا كثرة العَدد والعُدد.

قراءة حضارية للحدث

مثل هذا الحدث لا يُكتفى بسرده كقصة، بل لا بد أن يكون له مغزى حضاري كامنًا فيه:

فغزوة مؤتة كانت إعلانًا بأن الأمة المحمدية وُجدت لتحمل رسالة للعالم، لا لتُغلق على نفسها، وكانت درسًا في أن الحضارة لا تُبنى بالسيف المجرد، بل بالسيف الذي يضبطه الضمير ويقوده الوحي، وكانت شاهدًا على أن القيادة في الإسلام قيادة روحية قبل أن تكون عسكرية؛ ولذلك سمّى النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - خالدًا (سيفًا من سيوف الله)؛ لأن قوته كانت في الإخلاص لا في العضلات.

وهكذا أثبتت غزوة مؤتة أن النور المحمدي أقوى من ظلمات الإمبراطوريات، وأنّ الجيل الذي تربّى في مدرسة النبوة قادرٌ على مواجهة العالم بالإيمان والعلم والرحمة معًا.

غزوة مؤتة .. الدروس والعِبر

  • القيمة الأخلاقية للجهاد، فهو عملٌ منضبطٌ بالرحمة، لا يعرف الغدر ولا العدوان.
  • القيادة المسئولة: تَعاقُب القادة الثلاثة على الموت في سبيل المبدأ؛ مما يُبرز عمق التربية النبوية.
  • الشجاعة العقلية: جمع خالد بن الوليد بين البطولة والدهاء، فحوّل الهزيمة إلى نجاة.
  • المنظور الحضاري: الإسلام لا يُقاتل ليتوسع، بل ليكسر قيود الاستبداد ويُطلق الحرية للناس في أن يسمعوا دعوة الله.
  • إرهاصات الفتح: كانت غزوة مؤتة تمهيدًا لفتح الشام والروم، وبداية انتقال الإسلام من مرحلة الدفاع إلى مرحلة البناء الحضاري.

الخلاصة

إن غزوة مؤتة لم تكن ساحة قتالٍ فحسب، بل كانت منبرًا لإعلان ميلاد جيلٍ ربانيٍّ جديد، جيلٍ يصنع التاريخ بعقيدته لا بسلاحه، ولقد أخرجت هذه المعركة للعالم أسمى معاني البطولة والوفاء، وقدّمت للبشرية درسًا خالدًا .. مفاده أنّ من اتصل بالله لا يُهزم أبدًا، حتى لو سقط جسده في ساحة القتال، فالله هو النور، وأتباع سيدنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هم حملة ذلك النور إلى يوم القيامة.