من قلب حضارةٍ عريقة، تنبثق من مصر اليوم بوصفها منارة حضارية وسياحية معاصرة، حيث تُجسّد التلاقي بين تراثٍ خالد وإبداعٍ حديث، وتدعو الزائرين إلى حوارٍ مباشر بين روح الماضي وعقل الحاضر.
من قلب حضارةٍ عريقة، تنبثق من مصر اليوم بوصفها منارة حضارية وسياحية معاصرة، حيث تُجسّد التلاقي بين تراثٍ خالد وإبداعٍ حديث، وتدعو الزائرين إلى حوارٍ مباشر بين روح الماضي وعقل الحاضر.
منذ فجر التاريخ، ارتبطت أرض مصر بحضورٍ روحيٍّ عميق؛ فقد اعتنق الإنسان في وادي النيل أبعادًا من التقديس والتوجّه إلى ما وراء المرئي، ولعلّ الأمر يُشير إلى أصلٍ توحيديّ ينشأ من فطرتها، وفي هذا الإطار، يُشير الأستاذ الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق، وعضو هيئة كبار العلماء، إلى أن إدريس - عليه السلام - هو أحد الرسل الذين أخبر الله تعالى عنهم في كتابه، ويُعدّ من الذين يجب الإيمان بهم اجتهادًا وجَزمًا؛ كما يرى أن وجهًا من وجوه تمثيل المعلم الأول في مصر القديمة ربما يرمز إليه، إذ ذُكر أن "أبو الهول" قد يكون صورة له. [بتصرف من مقال بموقع صدى البلد: وجه أبو الهول صورة سيدنا إدريس عليه السلام].
تشير بعض الدراسات التاريخية من البعض إلى أن الأمر ليس موثّقا على نحو مطلق بنفي وجود دليل يؤكّد أنّ سيدنا إدريس عليه السلام هو "أبو الهول" أو أن التمثال يخضع لهذا التفسير، وأن الأدلة تشير إلى أن "أبو الهول" يعود لعهد الملك خفرع وأنه ليس رمزًا لنبي الله إدريس عليه السلام.
ويربط الأستاذ الدكتور علي جمعة بين الدين الخالص ونشأة الحضارة المصرية؛ إذ يرى أن سيدنا إدريس عليه السلام عاش في مصر معلّمًا يدعو إلى الله وإلى مكارم الأخلاق، وأن التوحيد كان ينضج في تلك البيئة قبل أن تغشاها ظلال الشرك والآلهة المتعددة، هذا الطرح يعكس رؤية تضع الحضارة المصرية في مسارٍ روحيٍّ له جذور التوحيد منذ أقدم العصور [بتصرف من مقال بموقع صدى البلد: وجه أبو الهول صورة سيدنا إدريس عليه السلام].
قال الإدريسي: وهرمس اسم لإدريس عند اليونانيين، وهو المسمى أخنوخ عند العبرانيين. وقد صرح باسمه المسمى به في القرآن المجيد، والمعروف به عند العرب، العالم الفاضل المفيد محمد بن الحسن المهلبي الكاتب، في كتابه المسالك والممالك المعروف بالعزيزي، قال: ومن عجائب مصر، البناء المعروف بالهرمين، وقد كثر القول فيهما، فقوم يقولون: هما قبرا شداد وشديد ابني عاد، وقوم يقولون: هما قبرا إدريس عليه السلام، غافيد يمون، وقرأت في تاريخ المؤرخ العدل أبي عبد الرحمن العتقي ما نصه: يقال إن أحد الهرمين اللذين على النيل بإزاء الفسطاط اليوم قبر هرمس، واسمه في التوراة حنوخ؛ وهو إدريس عليه السلام؛ لأنه نوح بن لمك بن متوشلخ بن حنوخ، وسمي إدريس لكثرة ما يدرس من الكتب، وكان الطوفان في زمن نوح عليه السلام، فلذلك زعم أكثر العلماء أنه هو. [أنوار علوي الأجرام: ص٢٢].
ولهذا، يمكننا القول: إنَّ فكرة أن المصريين القدماء كانوا في حالة تدين أو توحيد مبكرة تحمل بعدًا جذّابًا روحيًا، وقدّم لها بعض العلماء والمفكرين تأويلًا يجسد ذلك، لكن من الناحية البحثية، يظل الأمر اجتهادا أكثر منه حقيقة أثريّة لا تقبل الشكّ.
وبهذه الرؤية يتبين أنّ مصر ليست مجرد حضارة حجارة وأهرام، بل أيضًا امتداد لرحلة البحث عن الإله الواحد، بين نور التوحيد وظلال التاريخ. [بتصرف من مقال بموقع جريدة الأهرام: "رأس أبو الهول": "أحببت أن أخبرك بما لا تعلم"].
في باطن الليل، حين تهمس الصخور بحِكايا الأزمنة، تَنبثقُ عيون المتأمّلين إلى ما وراء الصنعة؛ فعن أبي الزناد، قال: "لَا يَزَالُ النَّاس بِخَيْرٍ مَا تُعُجِّبَ مِنَ العَجَبِ" [رواه الشريف أبو جعفر الإدريسي في أنوار علوي الأجرام: ٢١، والدينوري في المجالسة وجواهر العلم عن عبد الرحمن المخزومي: ٤/٣٣٦(١٥٠٤)].
في هذا الأثر، نلمس روحًا ساعيةً لمعاينة العجائب، كما فَعَلَ الإمام الزاهد عبد الله بن المبارك حينما حمل نفسه إلى حيث يُعلن الحجر عظمةَ خالقه، فقد روينا عنه أنه كان حيث ما سمع بأعجوبة سعى إليها حتى يقف بالمشاهدة عليها [رواه الشريف أبو جعفر الإدريسي في أنوار علوي الأجرام: ص٢٢]، والحق أن ما خلفه المصريّون القدماء من أهرام ومبانٍ، ما زال يحتلّ في النفوس منزلةً من التعجّب؛ لما فيها من دقة الصنعة واتقان الصُّنع، فتُفيض العقولُ عن تأملها وتَضع أخمصَ شمسها الرأسَ خجلًا، ومن ثَمّ، فإنّ التعجّب ليس مجرّد رَدّة فعلٍ لحظة، بل هو نبضٌ فطريّ يُنبّهنا إلى أن روح الإنسان الأزليّ ما زالت تطمح إلى مشهدٍ يكشف فيه عن أسرار البنيان، وتُعيد فيه إلى فطرته سلامةَ المبصر والعقل.
يقول الشريف أبو جعفر الإدريسي: وما زالت الناس على اختلاف طبقاتهم من الخواص والعوام، يختلفون إلى الأهرام، لنظر ما انطوت عليه من إتقان الصنعة والإحكام، فكم سعت في ساحاتها من الأقدام، ونشرت في جنباتها للملوك من الأعلام، وضربت لهم في مفازاتها من الفازات والخيام، وها أنا مقتصر على ذكر من مر بها من الأنبياء الكرام، وأناخ بها من أصحاب النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وسعى قاصدًا إليها من خلفاء الإسلام، وخيّم بها من الملوك العظام، ونقل خطاه إليها من أعلام العلماء الاعلام، وأعيان الحكماء من جميع أهل الملل والأنام. [أنوار علوي الأجرام: ص٢٠].
في ظلال سُحب الماضي، تراءى لنا موكب الصحابة الكرام عليهم من الله الرضوان، فرسانَ الحقّ ورموز الإيمان، حين وطئت أقدامهم أرضَ مصر التي اعتزلتها الرمال وزُخرفتْ بآثارٍ تشهد مجدا خالدا، لقد نزلوا بين جنبات الأهرام، خيولهم تخطُّ الرمال وعروشهم معلّقة بين الأرض والسماء، يُزهِرون في خيامٍ قائمةٍ تحت جلال البنيان. وبهؤلاء الأبطال، من الزبير بن العوام إلى أبي أيوب الأنصاري، تسنَّم التاريخُ فجرَ نهضةٍ وأشرَقتْ مناظرُ التوحيد في قلب ديار الفراعنة، يلوّح بها الإيمانُ بيدِ الإقدام، فحظّ مصرُ بتلك الخطوات ما يُعدّ فصلا في حكاية الإسلام، وإشعاعا في مدارج التوحيد، فقد صاحَبَ الصحابةُ صَفِيحَ الأرض بصروعهم، وسالت دماؤهم لتمسح عتبةَ الأهرام؛ والحقُّ أن تلك الأحداثَ لم تكن مجرد وقائعَ غزوٍ أو فتحٍ، بل كانت ذكرى كونيةً تحمل في طيّاتها آياتِ الإيمان، وتذكيرًا بأنّ لكل أرضٍ قديمَةٍ موعدًا مع الرسالة، ولكل حجرٍ صمتا ينطق بحضارة خالدة.
ويوضح الشريف أبو جعفر الإدريسي أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم مثل إدريس، وإبراهيم الخليل، ويعقوب، ويوسف الصديق، وأيوب بن موص، وموسى الكليم، وأخوه هارون، وفتاه يوشع بن النون، وكالب بن يوفنا، وإرميا ابن حلقيا صلوات الله على نبينا وعليهم أجمعين، سعت أقدامهم الحميدة المساعي في بطحائها، وجالت نواظرهم البعيدة المرائي في أرجائها، وكانت مدينة الملك حينئذ بمصر مدينة منف، ولا يتوصل كل من يصل من نواحي الشام إليها، إلا بعد الاجتياز بالأهرام وعبوره عليها. [أنوار علوي الأجرام: ص٢٠].
في متوازي حركة التاريخ، تنبثق حضارة مصر الحديثة من أعماق قدمها لتتحوّل إلى منارة سياحية تزهو بين الأمم، وتربط بين روح الماضي وعقل الحاضر، تُعلن مشاريعُ مثل المتحف المصري الكبير قرب الأهرام عن أن مصر لا تكتفي بأن تكون حاضنًا للتاريخ فحسب، بل شريكٌ فاعل في اقتفاء أثره، حيث يُعرض التراث القديم وسط بُنَى تحتية مُعاصرة تجذب العالم، وتشقّ طريق التقدّم نحو المستقبل، ومثلما نزل رموز عظماء التاريخ بأرضها في حِقَبٍ خلت، فإنّ اليوم يخطو السياح في جنباتها، يُعجبون بالعجائب التي شُيدت في عصورٍ كادت تُنسى، ويشعرون بأنفسهم مشاركين في تجلٍّ جديدٍ للتاريخ، فإنّ تنامي عدد الزوّار إلى مصر، وتحوّلها إلى قطب سياحي من الطراز العالمي، ليس فقط دليلًا على التقدم المادي، بل إقرارٌ بأنّ حضارة تنوء تحتها أيدي أجدادنا لا تزال تُمثّل ميدانا للحلم والعطاء، وهكذا، تتحقق حلقةٌ ما بين دفعة التوحيد التي بدأت في مصر القديمة، وتجديدٍ حضاريٍّ يجعل من السياحة وسيلةَ ارتقاءٍ حضاريٍّ واقتصاديٍّ في آنٍ معًا.
في عصرٍ تجتمع فيه حضاراتُ مصر بوجهٍ معاصر، تبدو البلادُ اليوم وكأنها لوحةٌ ذكية تربط بين الماضي المُشرق والمستقبل الواعد، فتصبح السياحةُ فيها فعلَ خُطوةٍ نحو التقدُّم، وحوارًا حيًّا بين روحِ الأهرام وعقلِ العقلِ الحديث، فإنّ مصرَ الّتي شيدت أهرامها بدعاء التوحيد وضياءِ الفكر، تُعيد اليوم إنتاجَ ذاتها كمنارةٍ سياحيةٍ حضاريةٍ، تُحيي فيها مجد الأسلاف بروحٍ تُشعّ ابتكارَا، وتجعل من الزائر شريكًا في قصةٍ لا تنتهي من العطاء والبناء.