تعد العمارة المصرية القديمة ذاكرة أمة وروح حضارة، فهي رسالة متجددة للأجيال بأن الجمال لا يفنى، وأن مصر قادت مسيرة العلم والفن والعمارة عبر التاريخ بـعقل مبدع وروح مُعَمِّرة وذوق رفيع.
تعد العمارة المصرية القديمة ذاكرة أمة وروح حضارة، فهي رسالة متجددة للأجيال بأن الجمال لا يفنى، وأن مصر قادت مسيرة العلم والفن والعمارة عبر التاريخ بـعقل مبدع وروح مُعَمِّرة وذوق رفيع.
تتجلى العمارة المصرية القديمة كنموذج للحضارة القائمة على الإيمان والإحسان، وكدليل حيٍّ على أن الاستخلاف في الأرض لا يكتمل إلا بـالجمع بين الروحانية والإتقان المادي، ولم تكن هذه المنشآت الضخمة مجرد حجارة، بل كانت تجسيدًا معماريًّا لمنظومة القيم الرفيعة التي هي أساس أي بناء حضاري.
ويؤكد هذا البناء الحضاري على النظرة الإسلامية الشاملة التي تجمع بين البعد الروحي والعمل المادي، تمامًا كما أشار إليه الحديث الشريف: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [صحيح البخاري].
أما الجانب الروحاني (العبادة) فيمثله الأهرامات وأبو الهول والمعابد -كمنشآت موجهة للخلود والحياة الأخرى- وهو الجانب العقدي العميق؛ حيث كان البناء وسيلة لتحقيق الإيمان باليوم الآخر والارتقاء بالنفس عبر العمل الصالح والعدل والصدق، هذا الإيمان هو الطاقة الدافعة للإتقان.
بينما الجانب المادي (العمارة والاستخلاف) فيجسده هذا الإتقان الهندسي في عمارة الأرض على أنه واجب إلهي، مستجيبًا لأمر الله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود: ٦١]، فالعمارة تصبح امتدادًا لرسالة الأنبياء في إحياء الأرض وتعزيز الجمال، وهو ما يطلق عليه (بناء الإحسان).
تظهر الحضارة المصرية القديمة في ضخامتها ودقتها لبناء الحضارة المعاصرة؛ حيث:
وقد قامت الحضارة المصرية القديمة على هذا المبدأ فأحسن المصريون التشييد والبناء لحضارتهم، فقاومت كل العوامل البيئية، والقرون المتعاقبة، فثبتت وتغير التاريخ وبقيت هي شاهدة على عظمة تلك الحضارة.
الاستدامة القيمية: لم تكن الأهرامات مجرد بناء يُقام، بل كان الهدف منها أن تكون ذاكرة حضارية وكنزًا علميًا، وقد قال الجاحظ: "إن عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة، عشرة منها بسائر البلاد، والعشرون الباقية بمصر، وهي الهرمان وهما أطول بناء وأعجبه، ليس على الأرض بناء أطول منهما، وإذا رأيتهما ظننت أنهما جبلان موضوعان"، وأشار الإمام الموفق عبد اللطيف البغدادي إلى أن ما وجده شائعًا عند عامة الناس أن تمثال (أبو الهول) رُكّب على نسق هندسي معين يحمي به بيوت الجيزة من الرمال [الإفادة والاعتبار: البغدادي،مطبعة وادي النيل الطبعة الأولى، ١٢٨٦ هـ، ص٢٤ ].
موقف الشريعة: لقد كان من أصحاب رسول الله حسن التعامل مع الآثار، فهذا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما فتح الله تعالى عليه بلاد فارس ورأى خلوتها وانتهى إلى إيوان كسرى، أقبل يقرأ {كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ * وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ * وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ * كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ} [الدخان: ٢٥-٢٨]، وصلى فيه صلاة الفتح، ولا تصلى جماعة، فصلى ثمانى ركعات لا يفصل بينهن، واتخذ الإيوان مسجدًا، وفيه تماثيل الجص رجال وخيل، فلم يمتنع هو ولا المسلمون -يعنى من الصلاة فيه- لأجلها، وتركوها على حالها، وأتم سعد الصلاة يوم دخلها لأنه أراد المقام بها" [الاكتفا بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفا، الحافظ سليمان بن موسى الكلاعي، ج ٢ ص٥١٥].
وأكد الأستاذ الدكتور علي جمعة على أن الصحابة عندما دخلوا مصر قاموا بالصلاة عند الأهرامات وقالوا: هذا مصلى الأنبياء، مشيرًا إلى أن الإمام الإدريسي قال إن الصحابة كتبوا على الهرم "أن فلان بن فلان يعبد الله"، وقاموا بكتابتها على الهرم نفسه؛ لأنهم يعرفون قيمة الحضارة، ولأن الهرم عبارة عن تكوين فلكي، وأن الجماعة الغبية وضعوا في فكرهم أنه يعبد من دون الله [أنوار علوي الأجرام في الكشف عن أسرار الأهرام لأبي جعفر محمد بن عبدالعزيز الإدريسي ص ٢٨].
وأكد معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري أن الإسلام لم يتعامل مع الآثار باعتبارها أوثان، ولكن الأصنام هي التي كان يعبدها الناس من دون الله، وهي تختلف مع تماثيل الحضارات القديمة، والإسلام فرق بين الأصنام وفنون العمارة والنحت، وزيارة الصحابة الكرام للأهرامات وعدم إصدارهم أمرًا بهدمها لهو دليل فقهي على أن هذه وجود الآثار والمحافظة عليها لا يتعارض مع الشريعة، وأن الحضارة المصرية إرث يجب صيانته كجزء من قيمة الوطن وتكريم الإبداع الإنساني، وصيانتها هي جزء من حفظ إرث الأمة واحترام الأكوان.
العمارة المصرية القديمة في جوهرها تعبير عن استخلاف واعٍ، تُعلمنا أن الجمال الإنشائي والإتقان المادي ليسا ترفًا، بل هما أثر الإيمان الراسخ وشاهدان على ضمير حي سعى إلى تجسيد العدل والنظام الكوني في كل حجر تم وضعه.