بينما يرى الغلاةُ في حجر أمس صنمًا يجب تحطيمهُ، يدرك الراسخون في العلم أنَّ الإيمان نورٌ يطهرُ القلب، فغايتهُ بناءُ الوعي لا هدمُ الآثار، والتاريخُ شاهدٌ لا معبود.
بينما يرى الغلاةُ في حجر أمس صنمًا يجب تحطيمهُ، يدرك الراسخون في العلم أنَّ الإيمان نورٌ يطهرُ القلب، فغايتهُ بناءُ الوعي لا هدمُ الآثار، والتاريخُ شاهدٌ لا معبود.
يقول الله تعالى في محكم كتابه: {قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: ٢٠].
إن ما بقي من آثار الأمم السالفة التي باد أهلها ليست بموضع عبادة ولا تقديس، إنما هي شواهد على تعاقب الدهور ومجاري العبر.
فقياسها على أصنام الجاهلية قياس فاسد؛ لأن الصحابة والتابعين فتحوا الأمصار، ورأوا آثار الفراعنة والبابليين والفُرس، فلم يطمسوها؛ إذ علموا أن الإسلام جاء ليهدم الوثنية في القلوب لا في الحجارة.
ومن لم يفقه هذا المعنى الروحي العميق للإسلام جعل الدين معولًا لهدم الحضارة لا لبناء الإنسان، وخلط بين عبادة الله وتأمل آياته في التاريخ والعمران.
وفي هذا يقول الإمام الطاهر بن عاشور: "فَإِنَّ تَعَوُّدَ النَّاسِ بِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَصْرِفُ عُقُولَهُمْ عَنِ التَّأَمُّلِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ دَقَائِقِهَا عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ لِيُشَاهِدُوا آثَارَ خَلْقِ اللَّهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ عَدَمٍ فَيُوقِنُوا أَنَّ إِعَادَتَهَا بَعْدَ زَوَالِهَا لَيْسَ بِأَعْجَبَ مِنِ ابْتِدَاءِ صُنْعِهَا، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالسَّيْرِ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ السَّيْرَ يُدْنِي إِلَى الرَّائِي مُشَاهَدَاتٍ جَمَّةً مِنْ مُخْتَلَفِ الْأَرَضِينَ بجبالها وأنهارها ومحويّاتها، وَيَمُرُّ بِهِ عَلَى مَنَازِلِ الْأُمَمِ حَاضِرِهَا وَبَائِدِهَا فَيَرَى كَثِيرًا مِنْ أَشْيَاءَ وَأَحْوَالٍ لَمْ يَعْتَدْ رُؤْيَةَ أَمْثَالِهَا، فَإِذَا شَاهَدَ ذَلِكَ جَالَ نَظَرُ فِكْرِهِ فِي تَكْوِينِهَا بَعْدَ الْعَدَمِ جَوَلَانًا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ لَهُ بِبَالٍ حِينَمَا كَانَ يُشَاهِدُ أَمْثَالَ تِلْكَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي دِيَارِ قَوْمِهِ" [التحرير والتنوير، لابن عاشور: ٢٠/٢٣٠].
ويزعم بعض المتعجلين أن الصحابة لم يهدموا معابد الأمم السالفة؛ لأنهم لم يروها، وجهلوا أن تلك المعالم كانت بادية للعيان، شاخصة في طريق المسافرين والفاتحين، فلم تمسها أيديهم بسوء؛ إذ رأوا فيها عبرة لا وثنًا، وأثرًا لا معبودًا، ولم يأت عن أحد من الصدر الأول أنهم أزالوا معلمًا من آثار الأولين؛ لأنهم علموا أن الشرع لا يأمر بإهلاك ما درس زمانه وانقضت عبادته.
فإن زعم زاعم أنهم تركوا الأمر الواجب فقد طعن في خير القرون الذين زكاهم النبي صلى الله عليه وسلم ففي الحديث عن عِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» [البخاري: ٦٤٢٨].
لكن أقوامًا في زماننا تأولوا النصوص بغير فهم السلف، فقاموا يهدمون ويطمسون كأنهم أفقه من الصحابة وأورع، وما دروا أن من أطاع الله من حيث يعصيه فقد عصاه، وأن النهي عن دخول ديار المعذبين قائم على الاتعاظ لا على التخريب، وهكذا ضلوا بين الغلو في ظاهر النص، والجفاء عن روحه، فعموا عن أن الإسلام جاء ليبني الوعي لا ليهدم الحجر.
يقول الشريف أبو جعفر محمد بن عبد العزيز الحسيني الإدريسي: "ذِكر نزول الصحابة بأرضها رضي الله عنهم وتعيين من صح عندنا نزوله بها منهم: قد كان شهد الفتح من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع كثير وجم غفير، وجازوا إلى الجيزة، ومن هنالك سار عمرو أمير الجيش إلى الإسكندرية يقود لفتحها الجيوش التي سدت ما بين النيل والجبل بِخَيل يُربع صهيلها الوحوش، وسار عبد الله بن حذافة السهمي في العُدَد، والعَدد العديد إلى نواحي بلاد الصعيد، وكانت خيامهم قبل تقويضها إذ ذاك بين خيام الأهرام منصوبة، وأوتاد طلبهم بجنبات ذيولها مضروبة، وخيولهم بعراصها تجوب وتجول، ويهون عليها من اعتساف حزونها ما يهول.
والذين تحققنا معرفة نزولهم بها منهم رضي الله عنهم، هؤلاء النفر الذين نسميهم على ما يجيء لا على ما يجب من الترتيب على قدر مراتبهم وسوابقهم الموجبة لتفاوت مناصبهم، وهم: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب؛ وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمقداد بن الأسود" [أَنوار عُلْوِي الأَجْرام في الكشف عن أسرار الأهرام: ص٢٥ - ٢٦]
وذكر جمعًا غفيرًا من أسماء صحابة رسول الله رضي الله تعالى عنهم والذين كان منهم سيدنا عبد الله بن العباس رضي الله عنهما ثم قال: "فما أَسْعَدَ أَرضَ الأهرام من أرض لما تشرفت به من تقبيل مواطئ أقدام أولئك الأنبياء الكرام، وحظيت به من مصافحة صفيحها لسنابك خيل هؤلاء المجاهدين من أصحاب سيد الأنام، وكم سجد من جميعهم لله سبحانه في عراصها من جبين، وسمع لصداها بمحاكاة أصواتهم المرتفعة بالتهليل والتقديس من صوت حنين" [أَنوار عُلْوِي الأَجْرام في الكشف عن أسرار الأهرام: ص ٢٧ - ٢٨]
فالعلماء الرَّاسخون رأوا أنّ الإسلام ما جاء ليُبيد ذاكرة الأمم؛ بل ليطهّر القلوب من عبادة الحجر، لا ليكسر الحجر نفسه، فإنّ المسلمين الأوائل -حين فتحوا الأمصار من خراسان إلى مصر– قد مرّوا على الأصنام والتماثيل، فما شغلتهم عن غاية الفتح، ولا رأوا في هدمها قُربةً تُرضي الله؛ إذ كانت القلوب عامرةً بالتوحيد، والعقول قد استنارت بنور الإيمان.
فمن هؤلاء العلماء، الذين ذكروا ذلك على سبيل الإجلال والتبجيل لمظاهر الحضارة المصرية القديمة وعمارتها وبنيانها، الرحالة أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة المتوفى نحو ٢٨٠هـ، وكان رحمه الله تعالى من أدق الجغرافيين المسلمين وصفًا للأقاليم والبقاع والأماكن وجغرافيا المكان وتضاريسه ومدنه، فيقول: "ومن عجائب البنيان: الهرمان بمصر سُمك كلّ واحد منهما أربع مائة ذراع، كلّما ارتفع دقّ، وهما رخام ومرمر والطول أربع مائة ذراع في عرض أربع مائة ذراع بذراع الملك، مكتوب عليهما بالمسند كلّ سحر وكلّ عجيب من الطبّ والنجوم، ويقال -والله أعلم- إنهما من بناء بطلميوس القلوذي الملك، ومكتوب عليهما إني بنيتهما فمن كان يدّعي قوّة في ملكه فليهدمهما، فإن الهدم أيسر من البناء، وإن خراج الدنيا لا يقوم بهدمهما، قال: وإلى جانب الهرمين عشرة أهرام أصغر منهما" [المسالك والممالك: ص١٥٩].
ومنهم أيضا مطهر بن طاهر المقدسي المتوفى نحو ٣٥٥هـ، يقول: "ومن العجائب الهرمان بمصر، ارتفاعهما في السماء أربع مائة وخمسون ذراعًا في انخراط، مكتوب عليهما: من ادعى قوة فليهدمهما فإن الهدم أسهل من البناء" [البدء والتاريخ: ٤/٩٢].
فحُقَّ للمسلم أن يتأمّل في تمثالٍ من بقايا الأقدمين فيراه أثرَ نبوغٍ وصنعة، لا صنمَ عبادةٍ وخضوع، ومن أنكر ذلك فقد أنكر على القرون الخيّرة التي مرّت بهذه الديار فلم تُحرك ساكنًا، بل آثرت إصلاح النفوس على تكسير التماثيل.
فهذا شيخ المحدثين: الإمام شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وزينة علماء مصر في زمانه، في الكتاب الذي جمعه تلميذه النجيب الحافظ السخاوي صاحب فتح المغيث، في كتاب (الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر) يقول: "وسمع بالجيزة على الصلاح أبي علي الزفتاوي الماضي، ومنها توجه إلى الأهرام التي حارت الأفكارُ في شأنها، وتكلَّم الناسُ فيها نظمًا ونثرًا، كما كتبت بعض ذلك في المجموع السابع والتسعين، فصعد أعلاه، ودخل المكان الذي بأسفله، وفي الوصول إليه خطرٌ؛ لكونه لا يُتمكَّن في أول دخوله إلا بالمرور على بطنه كالحيات والهوام والحيتان، ولا يأمن حينئذٍ مِنْ حيةٍ وغيرها في مروره، وقد اقتديتُ به في ذلك وقرأت بأعلاه شيئًا مِنَ القرآن والحديث" [الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر: ص ١/١٥٥].
أما ما أقدمت عليه بعض الجماعات الحديثة من عبثٍ بالتراث الإنساني في أماكن مختلفة؛ فهو خروجٌ عن سواء السبيل، وافتئاتٌ على روح الدين التي جاءت بالرحمة لا بالخراب، وبالعمران لا بالإفناء.
فما أعظم الدين حين يُفهَم بروحه، وما أبعد الناس عنه حين يتخذونه سيفًا يقطع التاريخ والحضارة باسم الغيرة على العقيدة، إنّما الإيمان أن تُطهَّر النفس من الوثن لا أن تُحطَّم الآثار بالحجر.
وقد أفتت دار الإفتاء المصرية: بأنه يجوز شرعًا دراسة آثار الأمم السابقة وتاريخهم، والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون، ورأت أن ذلك أمرٌ يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمي والحضاري النافع، والقرآن الكريم في كثير من آياته قد لَفَتَ الأنظار إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار [فتوى رقم (٥٨٠٠) بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠١٤م من فتاوى الأستاذ الدكتور/ شوقي إبراهيم علام].
إنَّ الإيمان الحقَّ لا يُشهِرُ سيفهُ على حِجارةٍ ماتتْ عبادتُها، فالصحابة رضي الله عنهم وهم خيرُ القرونِ قد رأوا في صروحِ الأوَّلينَ عِبرةً وذاكرةً، لا وثنًا يُعبدُ أو معولًا يُشهَرُ، فلتُصَانَ صروحُ الحضاراتِ بما تُصَانُ به النفوسُ من غلوِّ المتشددين، إذْ لا يُبنى الوعيُ بتخريبِ الميراثِ، بل بالتأمُّلِ في آياتِهِ، فإنَّ الوثنَ القابعَ في الصدورِ هو الأحرى بالهدمِ، أمَّا الأثرُ الشاخصُ فهو كتابُ تاريخٍ مفتوحٌ، يأمرُنا القرآنُ بالسيرِ في صفحاتهِ واعتبارهِ.