Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأهرام دليل على الحضارة والإتقان

الكاتب

هيئة التحرير

الأهرام دليل على الحضارة والإتقان

تُعد الأهرامات المصرية من أعظم الشواهد العمرانية التي خلفتها الحضارة الفرعونية، وهي ليست مجرد مقابر ملكية، بل تعبيرٌ عن منظومة فكرية وهندسية متقنة، وقد حيرت هذه المنشآت علماء العصر الحديث، الذين اكتشفوا أن الفراعنة استخدموا تقنيات متقدمة في البناء، ففيها إشارة قوية على شيوع الأخلاق الإيمانية المتوارثة من مخالطتهم لأنبياء الله الذين نشروا فيهم هذه الأخلاق، ومنها حسن إتقان العمل.

لماذا تُعد الأهرام نموذجًا للإتقان؟

تُجسّد الأهرامات المصرية قمة الإتقان المعماري؛ إذ بُنيت بدقة هندسية مذهلة رغم بساطة الأدوات، فصمودها آلاف السنين دليل على عبقرية المصريين القدماء في التصميم والبناء؛ وذلك لأسباب عديدة، من أهمها:

  1. الدقة الهندسية؛ حيث إن انحراف قاعدة الهرم لا يتجاوز ٠.٠٥% عن الشكل المثالي.
  2. الاستدامة؛ حيث صمدت الأهرامات أمام الزمن والكوارث الطبيعية، ومحاولات الهدم.
  3. التنظيم الإداري؛ وذلك بوجود تقسيم وظيفي بين العمال والمهندسين والمشرفين على أعلى مستوى.
  4. الرمزية، فقد حملت الأهرامات دلالات دينية وسياسية في الحضارة المصرية القديمة.

شهادة العلماء لحسن إتقان الأهرام

لقد أثار الإتقان المعماري للأهرامات دهشة العلماء العرب والأجانب، حتى فاضت شهاداتهم إعجابًا بما يفوق الوصف، وتُعدّ هذه الشهادات دليلًا حيًّا على عبقرية المصريين القدماء التي أبهرت العالم عبر العصور، ومن أقوال العرب ما نقله السيوطي عن الجاحظ في حسن المحاضرة (١/٦٥): "عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة، عشرة منها بسائر البلاد، والعشرون الباقية بمصر، وهي الهرمان، وهما أطول بناء وأعجبه ليس على الأرض بناء أطول منهما".

وقال المسعودي: "والأهرام، وطولها عظيم، وبنيانها عجيب، عليها أنواع من الكتابات بأقلام الأمم السالفة، والممالك الدائرة، لا يُدرى ما تلك الكتابة، ولا ما المراد بها ... وإن ذلك علوم وخواص وسحر وأسرار للطبيعة، وإن من تلك الكتابة مكتوب: إنا بنيناها فمن يدعي موازنتنا في الملك وبلوغنا في القدرة وانتهاءنا من السلطان فليهدمها وليزل" [مروج الذهب ومعادن الجوهر ١/ ٣٦١].

وقال عبد اللطيف البغدادي: "وقد سُلك في بناية الأهرام طريق عجيب من الشكل والإتقان؛ ولذلك صبرت على مر الزمان بل على مرِّها صبر الزمان، فإنك إذا تبحّرتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها، والعقول الصافية قد أفرَغت عليها مجهودها، والأنفس النيِّرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها، والملَكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثلًا هي غاية إمكانها، حتى إنها تكاد تحدث عن قومها وتُخبر بحالهم، وتنطق عن علومِهم وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم، وذلك أنَّ وضعها على شكل مخروط يبتدئ من قاعدة مربعة وينتهي إلى نقطة، ومن خواص الشكل المخروط أن مركز ثقله في وسطه، وهو يتساند على نفسه ويتواقع على ذاته ويتحامل بعضه على بعض، فليس له جهة أخرى خارجة عنه يتساقط عليها، ومن عجيب وضعه أنه شكل مربع قد قوبل بزواياه مهاب الرياح الأربع، فإنَّ الريح تنكسر سَورتها عند مصادمتها الزاوية، وليست كذلك عندما تلقى السطح" [الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر (ص٢٤)].

وفي هذا إشارة إلى كثرة علومهم التي استخدموها وساعدتهم على تجنب ما يؤثر على هذا البناء، ثم حسن الإتقان في تنفيذ هذا البناء.

أما شهادات غير العرب، فمنها هيرودوت في عام ٤٥٠ قبل الميلاد، وقد وصف بناء الهرم الأكبر بأنه استغرق ٢٠ عامًا، وشارك فيه آلاف العمال بتنظيم دقيق.

وكذلك سترابون من علماء الجغرافيا في القرن الأول قبل الميلاد، فقد وصف الأهرامات بأنها تفوق الوصف وأنها معجزة هندسية.

بالإضافة إلى الأبحاث والنظريات التي تفوق الحصر عن كيفية البناء، ومن ذلك ما ذكره Mario Collepardi والذي درس هندسة بناء الأهرامات: أن الفراعنة جاءوا بالتراب الكلسي المتوفر بكثرة في منطقتهم ومزجوه بالتراب العادي وأضافوا إليه الماء من نهر النيل وقاموا بإيقاد النار عليه لدرجة حرارة بحدود ٩٠٠ درجة مئوية،؛ مما أكسبه صلابة وشكلًا يشبه الصخور الطبيعية.

الإتقان الفريد للأهرام والدلالات الإيمانية

إن الإتقان الفريد لهذه الأهرامات فيه دلائل كثيرة، ومنها أمران في غاية الأهمية:

الأمر الأول: أن درجة الإتقان العالية هذه تدل على أنها تعاليم متوارثة إيمانية عن نبي الله إدريس عليه السلام الذي علم الناس الخط والكتابة وكثيرًا من العلوم، ولا شك أنه علمهم حسن إتقان العمل، فظهر ذلك جليًّا في هذا العمل الفريد.

ويؤيد عمق الأثر الإيماني عند القدماء المصريين وجود بعض أنبياء الله الذين أقاموا فيهم، فيذكر الشريف أبو جعفر الإدريسي أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم مثل: إدريس، وإبراهيم الخليل، ويعقوب، ويوسف الصديق، وأيوب، وموسى الكليم، وأخوه هارون، وفتاه يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا، وإرميا ابن حلقيا صلوات الله على نبينا وعليهم أجمعين، سعت أقدامهم الحميدة المساعي في بطحائها، وجالت نواظرهم البعيدة المرائي في أرجائها، وكانت مدينة الملك حينئذ بمصر مدينة منف، ولا يتوصل كل من يصل من نواحي الشام إليها، إلا بعد الاجتياز بالأهرام وعبوره عليها [أنوار علوي الأجرام: ص٢٠].

ومعلوم أن أنبياء الله الكرام بعثهم الله لنشر كل خُلق قويم، فكان لهم أقوى الأثر في أخلاقهم، وفي هذا الإتقان العجيب الذي نراه شامخًا على مر العصور.

وقد سجلوا شيئًا من أخلاقهم في كتبهم [كتاب الموتى - النصوص الجنائزية الفرعونية، تحقيق وترجمة: د. سليم حسن، الهيئة المصرية العامة للكتاب ص٨٥] فقالوا: "لم أتسبب في موت أحد، ولم أشتهِ زوجة جاري، لم أدنس نفسي، ولم أكذب، لم أسرق، ولم أشهد زورًا، لم أملأ قلبي حقدًا، ولم أكن سببًا في دموع إنسان، لم أكن سببًا في شقاء حيوان، ولم أمارس الظلم، لم ألوث مياه النيل، ولم أتعال على الآخرين بسبب منصبي، لم أُهمل نباتًا حتى يموت عطشًا، قد أطعمت الجائع وسقيت العطشان".

الأمر الثاني: أن كل من اشترك في هذا العمل كان على إيمان بأهمية العمل، فعملوا فيه بحبٍّ وإخلاص قبل أن يكون خوفًا من عدم تنفيذ الأوامر، فمعلوم أن الخوف لا ينشئ إبداعًا ولا حسنًا في الصنعة تدوم على مر الدهور، كما نراه في بناء هذه الأهرام وغيرها.

الدروس المستفادة من بناة الأهرام لإقامة حضارتنا الحديثة

من الدروس التي ينبغي أن نتعلمها في بناء هذه الأهرامات: التدبر في حسن صنعتها وقوتها، وليس التحقير لها كما يروج البعض، فقد تنبه الغرب لذلك، فإننا نجد عندهم أنهم لم ينظروا فقط، بل أنشأوا علمًا مستقلًّا، وهو علم المصريات، وفي داخله فروع كثيرة من العلوم.

أما الذين نظروا لنصوص الشريعة دون التمكن من علوم الآلة والغاية لفهم نصوص الشريعة، من لغة وأصول ومقاصد وغيرها، فعادوا على النصوص التي تحث على التفكر والاعتبار والإحسان في كل شيء فجعلوها ظلمًا تحث على تحقير الحضارة، بل ودعوا لهدمها، وهذا الفهم المغلوط يشجعه أعداؤنا حتى نظل في تخلف عن التقدم الحضاري الذي حثنا عليه الإسلام؛ لأن من يسمع ذلك من المسلمين ويهم بالبحث والتنقيب، فيجد فتاوى التحريم فينصرف عن البحث خشية الوقوع في الحرام، فوجب علينا حسن التفهم للنصوص الشرعية للعودة إلى ما كان عليه رسول الله وصحابته الكرام في فهمهم للشريعة وحسن عملهم وإتقانهم، وهذا هو التجديد الحقيقي للدين.

وقد ذكر الحق سبحانه وتعالى أنه يجب على أصحاب العقول أن يعتبروا بذكر قصص السابقين، فقال سبحانه: {لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٌ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ} [يوسف: ١١١].

نتعلم -أيضًا- أن مجرد التزام المصريين القدماء ببعض آثار الأنبياء فيهم كان سببا في قيامهم بهذه الحضارة، فكيف بنا ونحن بين أيدينا القرآن الكريم كاملًا دون نقص أو تحريف أو تبديل، وزادنا الله من فضله بالتطبيق العملي متمثلًا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فشيد النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام حضارة لم يشهد التاريخ مثلها، فأولى بنا الالتزام بما جاء في هذه التعاليم العظيمة، والتي منها حسن إتقان العمل، الذي لعظمته وصف الله به نفسه، فقال سبحانه: {صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ} [النمل: ٨٨].

كما نتعلم أن هذه الأهرامات بلغت من قوة الصنعة ما جعلها تصمد أمام محاولات هدمها، فكيف ببناء مثلها؟ فقد ذكر ابن خلدون في مقدمته: "أنه اتفق للمأمون في هدم الأهرام التي بمصْرَ وجمعَ الفَعَلَةَ لهدمها؛ فلم يَحُلْ بطائل، وشرعوا في نقبِهِ فانتهوا إلى جوٍّ بين الحائط الظاهرِ وما بعده من الحيطانِ، وهنالك كان منتهي هَدَمِهِم" [المقدمة ط العلمية ص ٢٧٣].

الخلاصة

إن الجمع بين الأهرامات المصرية والإتقان الشرعي يفتح أفقًا لفهم العلاقة بين الحضارة والدين، ويؤكد أن الإتقان ليس مجرد مهارة تقنية، بل قيمة أخلاقية وروحية، فإتقان المصريين القدماء بناء الأهرامات من الدلائل الواضحة على أن من أتقن شيئا وأحسنه يبقى شاهدًا على مر العصور، وهو يُعدُّ من الأدلة المادية على أهمية دعوة الإسلام للإتقان في كل عمل، وأنه وسيلة لبناء حضارة راشدة.