Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحضارة المصرية والإسلام ... ملحمة بناء الإنسان والعمران

الكاتب

هيئة التحرير

الحضارة المصرية والإسلام ... ملحمة بناء الإنسان والعمران

الالتقاء بين الحضارة الفرعونية والإسلام لم يكن صدفة، فقد اجتمعت قيم الضمير الفرعوني (الماعت) والشريعة الإسلامية الخاتمة، للتأكيد على أن الإتقان والعمارة فريضة إلهية.

الحضارة المصرية والإسلام ... الحكمة القديمة تتوج بالرسالة الخاتمة

إنّ الوعي بالتاريخ ليس مجرّد استحضار للماضي، بل هو إعادة قراءة للمَعنى وتجديد للرسالة، وإننا إذ نتأمل في الملحمة الحضارية المصرية التي شهدت التقاء نورين عظيمين -نور حضارتها القديمة الضاربة في أعماق التاريخ، ونور رسالة الإسلام الخاتمة- فإننا نقف أمام ظاهرة فريدة من نوعها، هذا الالتقاء لم يكن صدفة جغرافية، بل هو تتويج إلهي لأرض مختارة.

والهدف اليوم من طرحنا هذا ليس السرد، بل التحليل الموسوعي العميق: كيف نُترجم هذه المناسبة الحضارية إلى سلوك يُعمّر ويبنى؟ هذا ما سنغوص فيه من زوايا متعددة تجمع بين الفقه، والتاريخ، والواقع.

الحضارة المصرية والإسلام ... ماعت والشريعة الإسلامية مزيج قِدم التوحيد وأنوار الوحي

لقد عاشت مصر فكرة الإيمان والتوحيد قبل أن يصلها نور الإسلام الخاتم؛ فهي مهد الأنبياء الذين ذكرهم القرآن الكريم، وعندما دخل الإسلام لم يجد أرضًا معادية، بل وجد وجدانًا مُستعدًا.

أ. الحقيقة الفلسفية للماعت:

لم تكن الحضارة المصرية القديمة قائمة على الحجر فقط، بل على الضمير والفلسفة الكونية، ويُمثله مفهوم الماعت (Ma'at)، وليست مَاعَت مجرد كلمة نُقشت على جدران المعابد أو المقابر، كما جاء في نقوش مقبرة (شسم نفر) في الجيزة، أنهم فعلوا العدالة وتحدثوا إلى الماعت عندما جاءوا الى مدينتهم، بل هي الروح التي سَرت في شرايين مصر القديمة، النبض الأبدي الذي وحَّد السماء بالأرض.

إنها الحقيقة العارية التي لا تعرف زيفًا، والعدالة المطلقة التي لا تضلُّ طريقها، والنظام المقدَّس الذي يُمسكُ خيوط الكون من أن تتفلت. [ميريام ليشتهايم: ماعت في السير الذاتية المصرية والدراسات ذات الصلة، لندن، ص٤٩. (بتصرف)].

كانت مَاَعَت هي الناموس الأسمى، ذلك التصور الثلاثي العميق الذي جعل الإله ضامنًا لانتظام النجوم، وجعل الملك ظلًّا سماويًّا يحكم على الأرض، ووفقًا لما ذكره بلوتارخ كان الملك يطلب من القضاة بألا يطيعوه إذا كانت أوامره لهم ظالمة [عبد الرحيم صدقي: القانون الجنائي عند الفراعنة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٦، ص ١٩-٢١]؛ أي تُعتبَرُ إرادة الملك رمزًا للعدالة، وأن مَاعَت تتمثل في عدم تضمن أي تدخل يؤدي إلى خرق التشريعات؛ ولهذا تُعتبَرُ إرادة الملك جزءًا لا يتجزأ من تطبيق مَاعَت، وحدًّا بين مساري الحياة في الكون الفسيح والمجتمع البشري .[انظر: یان اسمان ماعت مصر الفرعونية وفكرة العدالة الاجتماعية، ترجمة زكية طبوزاده، دار الفكر للدراسات والنشر، القاهرة، ١٩٩٦، ص ١٦].

لأجلها أصبح الكلامُ فعلًا منسجمًا مع الواقع، وأضحى الفعلُ تجسيدًا للقوى الكونية المنظِّمة، وقد كانت مَاعَت فجرًا أخلاقيًّا انبثق من الدولة القديمة، وأول إعلان بأن العدالة ليست قانونًا يُفرض، بل هي حالة وجود لا تكتمل الحياة إلا بها.

وعندما كان المصري القديم يقف أمام بوابة الأبدية لم يكن سوى ناصحًا بكلمة واحدة: هل قمت بوزن قلبك على ريشة مَاعَت؟ فهي المعيار الذي لا يسقط، والبوصلة التي تشير -دائمًا- إلى النظام الأخلاقي الأعظم الذي يُنير دروب البشرية.

فالمصري القديم أقرَّ باثنين وأربعين اعترافًا بالنفي أمام محكمة الآخرة -كما في نصوص (كتاب الموتى)- تؤكد على قيم جوهرية تتفق مع الإسلام، مثل: "لم أسرق، لم أقتل، لم أتحدث بالكذب، لم أدنّس ماء النيل". [انظر: فرانسوا دونان كريستيان كوش، الآلهة والناس في مصر القديمة مصر من ۳۰۰۰ ق.م الى ٣٩٥ م، ترجمة: فريد جوري، القاهرة، ١٩٨٤، ص ١٦٢].

هذه القيم الأخلاقية العميقة هي خير شاهد على أن الحضارة المصرية هي في جوهرها "حضارة إيمان وضمير" كما يقرر ذلك الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري في خطاب التجديد.

ب. التوحيد الكامن وشهادة المفكرين:

لقد أثبت مفكرو الإسلام وجود بذور التوحيد في مصر القديمة، رافضين الفهم السطحي للديانات القديمة.

  • يؤكد المفكر محمد فريد وجدي في موسوعته الشهيرة على أن المعتقدات المصرية القديمة كانت تحمل فكرة الخالق الواحد الأحد، وأن الأصنام كانت رموزًا لقوى الطبيعة وليست آلهة بذاتها في الفترات المتأخرة، وهذا يؤكد على الأصالة التوحيدية في الوجدان المصري. [دائرة معارف القرن العشرين: محمد فريد وجدي، تصوير دار المعرفة، بيروت، ١٩٧١م، ج٤ ص٤٥٤]
  • إن الالتقاء لم يكن صراعًا بين وثنية وتوحيد، بل كان تتويجًا للنور الكامن بالنور المُشرق؛ حيث انتقلت هذه القيم الأخلاقية لـتُصقل وتُؤصّل في إطار الشريعة الكاملة.

ج. الموقف الإيجابي لعلماء الإسلام:

هذا الالتقاء أكدته نظرة العلماء المسلمين للتراث المصري.

  • الإمام موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (ت ٦٢٩هـ) لم ينظر إلى الأهرامات كأحجار صامتة، بل أثنى على عبقريتها قائلًا: "وقد سُلك في بناية الأهرام طريق عجيب من الشكل والإتقان؛ ولذلك صبرت على مر الزمان بل على مرِّها صبر الزمان، فإنك إذا تبحّرتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها والعقول الصافية قد أفرَغت عليها مجهودها، والأنفس النيِّرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها والملَكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثلا هي غاية إمكانها، حتى أنها تكاد تحدث عن قومها وتُخبر بحالهم وتنطق عن علومِهم وأذهانهم، وتترجم عن سيرهم وأخبارهم". [الإفادة والاعتبار: البغدادي، مطبعة وادي النيل، الطبعة الأولى، ١٢٨٦هـ، ص٢٤].

وهذا دليل لا يقبل الجدل على أن الإسلام يحترم العقل والعلم والإتقان أينما وُجد.

الحضارة المصرية والإسلام ... من النص المقدس إلى قوة العمران

إن رسالة الإسلام في مصر تتلخص في تحويل قوة البناء الفردي والمادي إلى قوة بناء حضاري شامل، وهذا ما يُعرف بفقه العمران المقاصدي.

أ. العمارة فريضة إلهية:

إن المفهوم المحوري هو الاستخلاف والعمارة، كما جاء في قوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود: ٦١]، هذا النص القرآني هو الأساس التشريعي للمشاريع التنموية الكبرى، فقد استوعب المصريون هذا النص بعمق، فكانت مصر عبر تاريخها من الفراعنة إلى العصر الإسلامي ورشة عمل لا تتوقف.

  • الرسالة التربوية: إن الوعي بهذا النص يجعل الإتقان فريضة، عملًا بالحديث النبوي الشريف: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [مسند أبي يعلى، ٤٣٨٦]، فالعمل المتقن هو ترجمة إيمانية للاستخلاف.
  • تجديد المعنى: لا نحتفل فقط بمن بنوا الأهرامات، بل نُجدّد العهد على أن نكون جيل الإتقان الجديد في البناء، والصناعة، والتعليم.

ب. معادلة النهضة في التجربة المصرية:

  • لقد وضع المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي (ت: ١٩٧٣م) معادلة الحضارة الشهيرة) الحضارة = إنسان + تراب + وقت (وأشار إلى أن القرآن دعانا إلى التأمل في أثر اتحاد هذه العناصر في صناعة الحضارات فقال: "ومن هنا ندرك سر دعوة القرآن الكريم المؤمنين الى التأمل فيما مضى من سير الأمم؛ وذلك حتى يدركوا كيف تتركب الكتلة المخصبة من الإنسان والتراب والوقت" [شروط النهضة: مالك بن نبي، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، ١٩٨٦، ص٥٢].

 وقد تجلت هذه المعادلة بأبهى صورها في مصر الفرعونية والإسلامية:

  • الإنسان (العقل المبدع): تجسده عبقرية المصريين التي لم تتوقف عند الآثار الفرعونية القديمة وإبداعاتها الفية والهندسية، بل أبدعت في العمارة الإسلامية وعلوم الأزهر.
  • التراب (الأرض المُعَمَّرة): تجسده أرض النيل التي عُمّرت بزراعة واقتصاد مستدام شكل مركزًا تجاريًّا واقتصاديًّا ورابطًا بين القارات والثقافات، وممرًا هامًّا بين الحضارات، بفضل موقعها الاستراتيجي الفريد.
  • الوقت (التاريخ الفعّال): تجسده الاستمرارية الحضارية التي جعلت مصر مركزاً للإشعاع الحضاري في مختلف عصورها، وأهمها الفرعوني والإسلامي لقرون طويلة؛ مما يرشدنا الى أن الفهم الواقعي لالتقاء النورين الحضاريين اليوم، هو أن نتخلى عن القابلية للاستعمار بكل صوره، وبخاصة الثقافي والفكري الذي يتأتى من بث الشعور بالدونية، وتغييب الهوية الثقافية، ولا سلاح لنا إلا بأن ننتصر على النفس الخامدة، وبتحويل الطاقات المعطلة إلى طاقات منتجة.

الحضارة المصرية والإسلام ... تكامل بين وسطية الإسلام وحب الأوطان

لقد أثمر هذا الالتقاء الحضاري هويّة مصرية متفردة، جعلتها بامتياز رمانة الميزان الذي يحفظ التوازن بين هوية الأوطان وقيم الأديان.

فلم يقتصر دور مصر بعد الإسلام على البناء المادي، بل امتد إلى البناء الروحي والفكري، فكان الأزهر الشريف بمثابة المصنع الذي قام بواجب الإكرام والاستفادة والتعليم والصبر والاستيعاب لعشرات ومئات الشخصيات على مدى القرون.

فمصر التي تربعت على كرسي الأستاذية عبر ١٤٠٠ سنة من تاريخ المسلمين دون منازع [تصريحات صحفية: معالي أ.د أسامة الأزهري وزير الأوقاف]، وهذا يُشكل حصانة للوسطية المنهجية في الخطاب الديني اليوم.

وذلك لكون مكافحة التطرف ليست فقط واجباً وقتياً، بل هي تطبيق لمقاصد الشريعة التي جاءت لحفظ العقل والمال والنفس، وهو ما يتجسد في الدور الأزهري لمكافحة الأفكار الظلامية التي تريد هدم العمران وتكفير الناس.

وتأتي عناية الدولة المصرية الحديثة بالتراث والآثار الإنسانية (مثل: المتحف المصري الكبير) امتدادًا لرسالة الدين التي تُعلي من شأن الجمال وتحرّم الإفساد، كما في قوله تعالى: {وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ} [الأعراف: ٨٥].

إن حب الوطن لا يكتمل إلا بحفظ مقدراته ومؤسساته، وهذا يترجم إلى سلوك اجتماعي يدعو إلى مكافحة التخريب والإهمال، واعتبار نظافة الشارع وحماية الآثار جزءًا من الإيمان ومقصدًا من مقاصد الشريعة.

الحضارة المصرية والإسلام ملحمة العقل والوحي في صناعة الحضارة وبناء الإنسان

إنّ جوهر هذا الميراث العظيم ليس ترفًا معرفيًّا، بل هو دعوةٌ عاجلة للتحوّل الجذري؛ من ذاكرة الاحتفال العابر إلى واقع العمل الدائم.

وقد آن الأوان لإنهاء الفجوة بين الإيمان والعمران، فالإيمان الحقيقي لا يظهر في الشعائر وحدها، بل في الإتقان الذي هو جوهر الحضارة.

إذا كانت مصر القديمة قد أرست قيمة الإحسان والتنظيم (الماعت) في حجر الأهرام وريّ النيل، وإذا كان الإسلام قد جعل الإتقان فريضةً نبوية في قوله: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكُم عملًا أن يُتْقِنَهُ» [مسند أبي يعلى، ٤٣٨٦]، فإن وظيفة الخطاب الدعوي اليوم هي تربية الوجدان بالمسئولية.

يجب أن يُصبح الإتقان سلوكًا يوميًّا، وأن تكون النزاهة في المعاملات تطبيقًا حيًّا لأخلاق الماعت والعدل الشرعي، لن يُبنى مستقبل مصر إلا إذا تحول هذا الميراث العظيم من مجرد ذكرى إلى قوة مُحرِّكة تُصحّح المسار، وتُعيد للأمة ثقتها في ذاتها.

علينا أن نُعيد صياغة الوجود المصري بتحويل طاقة الماضي إلى مهارة بناء وعمران في المستقبل.

خلاصة التجديد: إن الحضارة المصرية الإسلامية ليست مجرد ماضٍ، بل هي منهج حياة يدعو إلى زيادة الإيمان، وحفظ الأوطان، واستزادة العمران [أسس صناعة الحضارة: أطروحة الدكتور أسامة الأزهري، لقاء تلفزيوني].

الحضارة المصرية والإسلام وعبقرية صياغة الوجود المصري

إن قصة التقاء النورين الحضاريين الفرعوني والإسلامي على أرض مصر ليست مجرد نهاية فصل تاريخي، بل هي نقطة انطلاق لمستقبلنا، إنها تدعونا إلى الخروج من دائرة التكرار السردي إلى المنهج التحليلي والمقاصدي، وتأسيس وعي حضاري تُفسّر المناسبات تفسيرًا وسطيًّا وواقعيًّا.

رسالة مصر الخالدة هي رسالة توحيد وجمال وإبداع، هي دعوة للأجيال الجديدة إلى أن يُعيدوا صياغة الوجود المصري في قالب حضاري جديد يجمع بين الأصالة والمعاصرة، فليكن كل واحد منا اليوم بمثابة مفكر يجد التفسير، وإمام يجد العبر والمواعظ، وعامل يجد الإتقان والإبداع.

إن مصرَ التي رفعت منذ فجر التاريخ راية العلم والفن والعمارة والفكر تعود اليوم لترفعها من جديد في ثوبٍ معاصرٍ يليق بمكانتها بين الأمم، وبذلك نكون قد حولنا الوعي بالمناسبة إلى سلوك بناء وعمران.

الخلاصة

لقد أثبتت الدراسات المتعمقة الموثقة بشهادة علماء الإسلام أن جوهر الحضارة المصرية كان دومًا حضارة إيمان وضمير (الماعت)، ما جعلها مهيأة لاستقبال نور الإسلام الذي أكمل هذه القيم وصقلها، ورسالتنا اليوم تكمن في تفعيل فقه العمران المقاصدي المستنبط من الآية {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود: ٦١]؛ ليصبح الإتقان في العمل فريضةً يومية.