Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دولة التلاوة وانعدام تذوق جمال القرآن عند المتشددين

الكاتب

هيئة التحرير

دولة التلاوة وانعدام تذوق جمال القرآن عند المتشددين

ينبع التشدد الديني من جفاف روحي يُجرِّد العبادة من الذوق والمحبة، مما يدفع الغُلاة لمهاجمة الجمال في القرآن الكريم والحضارة، فيصبح تدينهم مجرد "قوانين آلية" عوضًا عن "أنوار ربانية"، ويغيب عنهم أنَّ الدين كله نور يُذاق قبل أن يكون علمًا يُحفظ. 

تحليل نفسية الغُلاة والمنطلق الشرعي للجمال

حين تتأمل هذا التيار الذي يَظهر في الناس بحدةٍ في الأحكام، وقسوةٍ في الخطاب، وجفافٍ في الذوق، ستدرك أن المشكلة أعمق من مجرد "اختلاف فقهي"، نحن أمام نفسيةٍ تتعامل مع الدين كمنظومة أوامر ونواهٍ جامدة، بلا روحٍ ولا ذوقٍ ولا إحساسٍ بالجمال، هذه العقلية تميل بطبيعتها إلى التشدد؛ لأنَّ الحسَّ حين يجفُّ يتحول التدين عند صاحبه إلى "قوانين آلية" لا إلى "أنوار ربانية".

هذه المقاربة لا تنطلقُ من الهوى، بل من التأصيل الشرعي الذي يُعلي من شأن الجمال كصفةٍ إلهيةٍ ووجهٍ من وجوه العبادة.

الأصل الشرعي للجمال: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»

إنَّ إيمانَنا بضرورة تذوق الجمال ينبعُ من أصلٍ عقديٍّ ثابتٍ، وهو وصفُ اللهِ نفسَهُ بالجمالِ المطلقِ، وحبُّهُ لهذا الجمالِ في الكونِ وفي المكلَّفين. هذا هو المبدأ الذي يضعُ الخطابَ الجافَّ في موضعِ المراجعة الشرعية:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -  أنه قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ«إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» [رواه مسلم:٩١].

إنَّ هذا الحديثَ الشريفَ يرفعُ الجمالَ منزلةً عليا، ويجعلهُ ضدًا للكبر. فلو أنَّ المتدينَ ذاقَ الجمالَ لـلانَ قلبُهُ ولـاتسعَ صدرُهُ لقبولِ المُحْسَنِ من الأمورِ والمُتقَنِ من الأفعال، ولأدركَ أنَّ الفقهَ نفسَهُ يوجبُ الجمالَ الظاهريَّ والباطنيَّ ،كما هو ظاهرٌ في فقه الأئمة الأربعة في سُنَنِ العيدينِ والجمعةِ وأحكامِ الزينةِ المُستحبةِ، جاء في حاشية الرملي: "فأما القراءة بالألحان فأباحها قوم وحظرها آخرون، واختار الشافعي التفصيل، وأنها إن كانت بألحان لا تغير الحروف عن نظمها جاز، وإن غيرت الحروف إلى الزيادة فيها لم تجز، وقال الدارمي: القراءة بالألحان مستحبة ما لم يزل حرفًا عن حركته أو يسقط فإن ذلك محرم" [حاشية الرملي الكبير على أسنى المطالب شرح روض الطالب ٤/ ٣٤٤].

بين التغني المشروع والرفض المطلق: أزمة الغلاة مع دولة التلاوة

إنَّ هذا التيار يضيقُ بـالجمالِ في أقدسِ صورةٍ، وهي التلاوةُ القرآنيةُ. ولذلك تجدهم يهاجمون برنامج دولة التلاوة ويميلون إلى تلاواتٍ سريعةٍ جافةٍ؛ لا لأنَّ فيها خطئًا شرعيًا، بل لأنَّ قلوبَهم لا تتذوقُ الفنَّ القرآنيَّ الراقيَ، ولا ترى في القرآنِ فنًّا وجمالًا وروحًا، بل فقط "تلاوةً لأداءِ الفريضةِ".

إنَّ رفضَهم هذا يمثِّلُ تناقضًا صارخًا مع السُنَّةِ النبويةِ وسُنَّةِ الأمةِ التي أرست علم التجويد والتحسين الصوتي كأدواتٍ لـلخشوعِ والتدبُّر:

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -«زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» [رواه أبو داود: (١٤٦٨)].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بالقرآن يجهر به» [رواه مسلم: (٧٩٢)].

لقد أثبتَ شُرَّاحُ الحديثِ، كـابنِ حجرٍ العسقلاني، أنَّ التغنيَ المشروعَ هو التنغيمُ والتجويدُ الموزونُ الذي يلامسُ القلوبَ ويُعينُ على التدبُّر، وهو يختلفُ جذريًا عن الغناءِ المُجَرَّدِ المذمومِ، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "الذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا فليحسنه ما استطاع -كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث-، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح، ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم؛ فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يفِ تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معًا فلا شكّ في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء" [فتح الباري شرح صحيح البخاري ٩/ ٧٢].

 إنَّ الجمودَ الروحيَّ هو الذي يجعلُ هذا التيارَ يخلطُ بينَ الفنِّ الإلهيِّ الراقي وبينَ اللحنِ البشريِّ العابِرِ، فيحرمُ نفسَهُ من الوصلِ الوجدانيِّ مع النصِّ المعجزِ.

المادية العمياء: أزمة الغلاة مع الفن والعمران والتاريخ

هذا العمى الذوقي يُنتجُ عجزًا عن رؤية الجمالِ والرسالةِ وراءَ المادةِ؛ ولذلك:

● يكرهون الآثار الإسلامية والتاريخ والعمران: لأنها عندهم "حجر" لا معنى له، ونسوا أنَّ الجمالَ مرآةُ المعنى. فـالعمارةُ الإسلاميةُ، بـفلسفتها الهندسية القائمة على الوحدةِ في الكثرة، هي تجسيدٌ فنيٌّ لعقيدةِ التوحيد، وهي شاهدٌ على أنَّ الفنَّ المُتقنَ كانَ جزءًا أصيلًا من الحضارةِ الإسلاميةِ.

● هاجموا الحضارة المصرية القديمة: لأنَّ عقلهم الماديَّ لا يرى في الحضاراتِ رسائلَ وقِيمًا وإنسانًا، بل أصنامًا وحجارة. إنَّ هذا الموقفَ يجهلُ القيمةَ التي وضعها الشرعُ لـلتدبرِ في التاريخِ وسُنَنِ الأممِ.

إنَّ الأمرَ الإلهيَّ بالسيرِ والنظرِ هو دعوةٌ للتدبرِ الحضاريِّ وقراءةِ الآثارِ لاستخلاصِ العِظَةِ والعبرةِ وفهمِ سُنَنِ اللهِ في العمرانِ البشريِّ، كما أرسى ذلك ابن خلدون في مقدمته العظيمة. إنَّ تدميرَ هذه الشواهدِ هو قطعٌ للصلةِ المعرفيةِ مع التاريخِ؛ وهو أقصى درجاتِ الجهلِ الماديِّ الذي يقتلُ البصيرةَ الذوقية.

المفارقة المأساوية: المتشدد والمفرط وجهان لمادية واحدة

إنَّ المفارقة الكبرى أنَّ هذه المادية الجافة تُشبهُ في جوهرها مادية المفرط الذي لا يرى في الدين إلا طقوسًا بلا معنى. كلاهما يتطرفُ في اتجاهه، وكلاهما يفقدُ "الروح"، فهما وجهان لعملةٍ واحدةٍ: روحٌ ضائعةٌ؛ واحدةٌ في المسجدِ تحتَ ستارِ التشددِ، وأخرى في الحياة تحتَ شعارِ التحرر. كلاهما يتَّبعُ الظاهرَ ويُهملُ المعنى.

إنَّ الدين الذي لا يوقظُ الذوقَ، ولا يُربي على الحُبِّ، ولا يفتحُ العينَ على الجمالِ، يتحولُ إلى تدينٍ مشوَّهٍ يكثرُ فيهِ الغضبُ ويقلُّ فيهِ الجمالُ. وتلكَ علامةٌ على أنَّ الإيمانَ دخلَ العقلَ ولم يصلْ بعدُ إلى القلبِ.

والفرقُ بينَ المتدينِ الحقِّ وصاحبِ التدينِ الجافِّ: أنَّ الأولَ يعبدُ اللهَ محبَّةً وتعظيمًا، والآخرَ يعبدهُ خوفًا من العقوبةِ فقط. ومن عبدَ اللهَ محبَّةً، رأى في كلِّ ما خلقَهُ جمالًا يهتفُ: هذا من صنعِ الله.

فالدينُ ليسَ علمًا فقط يُحفظُ، بل نورًا يُذاقُ... ومن لم يذُق، لن يعرف.

الخلاصة

إن جوهر أزمة الغُلاة لا يكمن في خلاف فقهي، بل في تشوّه جوهري في تلقي الدين؛ إذ تتحول العبادة لديهم إلى منظومة أوامر ونواهٍ جامدة تُطبّق بآلية خوف، لا بـذوق محبةٍ وجمال. هذا الجفاف الروحي يدفعهم إلى مكابرة الأصل الشرعي بـ «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، ويدفعهم لرفض الجمال في التلاوة القرآنية كفنٍ رفيعٍ مُعينٍ على الخشوع، وينتهي بهم إلى العداء للحضارة والعمران كاشفين عن مادية في النظرة توازي في جوهرها مادية العلماني؛ فكلاهما يفتقد الروح والقداسة.

لمزيد من التفاصيل اضغط هنا 

موضوعات ذات صلة

شاهد اللحظة الفارقة في تصفيات دولة التلاوة الحلقة الرابعة

شاهد الحلقة الأولى من برنامج دولة التلاوة (أصوات من الجنة)

شاهد الحلقة الثانية من برنامج دولة التلاوة