إنَّ هذا التيار يضيقُ بـالجمالِ في أقدسِ صورةٍ، وهي التلاوةُ القرآنيةُ. ولذلك تجدهم يهاجمون برنامج دولة التلاوة ويميلون إلى تلاواتٍ سريعةٍ جافةٍ؛ لا لأنَّ فيها خطئًا شرعيًا، بل لأنَّ قلوبَهم لا تتذوقُ الفنَّ القرآنيَّ الراقيَ، ولا ترى في القرآنِ فنًّا وجمالًا وروحًا، بل فقط "تلاوةً لأداءِ الفريضةِ".
إنَّ رفضَهم هذا يمثِّلُ تناقضًا صارخًا مع السُنَّةِ النبويةِ وسُنَّةِ الأمةِ التي أرست علم التجويد والتحسين الصوتي كأدواتٍ لـلخشوعِ والتدبُّر:
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» [رواه أبو داود: (١٤٦٨)].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بالقرآن يجهر به» [رواه مسلم: (٧٩٢)].
لقد أثبتَ شُرَّاحُ الحديثِ، كـابنِ حجرٍ العسقلاني، أنَّ التغنيَ المشروعَ هو التنغيمُ والتجويدُ الموزونُ الذي يلامسُ القلوبَ ويُعينُ على التدبُّر، وهو يختلفُ جذريًا عن الغناءِ المُجَرَّدِ المذمومِ، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "الذي يتحصل من الأدلة أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسنًا فليحسنه ما استطاع -كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة الحديث-، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بإسناد صحيح، ومن جملة تحسينه أن يراعي فيه قوانين النغم؛ فإن الحسن الصوت يزداد حسنا بذلك، وإن خرج عنها أثر ذلك في حسنه، وغير الحسن ربما انجبر بمراعاتها، ما لم يخرج عن شرط الأداء المعتبر عند أهل القراءات، فإن خرج عنها لم يفِ تحسين الصوت بقبح الأداء، ولعل هذا مستند من كره القراءة بالأنغام؛ لأن الغالب على من راعى الأنغام أن لا يراعي الأداء، فإن وجد من يراعيهما معًا فلا شكّ في أنه أرجح من غيره؛ لأنه يأتي بالمطلوب من تحسين الصوت، ويجتنب الممنوع من حرمة الأداء" [فتح الباري شرح صحيح البخاري ٩/ ٧٢].
إنَّ الجمودَ الروحيَّ هو الذي يجعلُ هذا التيارَ يخلطُ بينَ الفنِّ الإلهيِّ الراقي وبينَ اللحنِ البشريِّ العابِرِ، فيحرمُ نفسَهُ من الوصلِ الوجدانيِّ مع النصِّ المعجزِ.