Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (١)

الكاتب

الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (١)

رمضان شهر القرآن، فيه نزل، وفيه تُفتح القلوب له، وتُرفع الحُجب بين العبد وكلام ربه. ومن أعظم الخسارة أن يمرّ رمضان دون صُحبة صادقة مع القرآن، تُحيي القلب وتُنير الطريق.

درس العصر صحبة كلام الله في شهر رمضان

أولًا: القرآن أصل الصحبة:

القرآن ليس كتاب تلاوة فحسب، بل كتاب حياة وهداية

قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾[ص:٢٩]، وقال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[صحيح البخاري].

ثانيًا: لا يشغلنك عن القرآن شاغل:

في رمضان تتزاحم الأشغال، لكن أشرف ما يُقدَّم هو القرآن؛ فهو الذي يبارك الوقت ويصلح القلب.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ »[صحيح مسلم].

ثالثًا: من هدي السلف:

كان الإمام مالك بن أنس رحمه الله إذا دخل رمضان ترك مجالس الحديث والعلم، وأقبل على المصحف، وقال: «هذا شهر القرآن»، فمع جلالة علمه، قدّم كلام الله على كل شيء.

رابعًا: ثمرات صحبة القرآن:

  • حياة القلب بعد مواته
  • سكينة وطمأنينة
  • رفعة في الدنيا والآخرة

خامسًا: رسائل دعوية:

  • لا تجعل هاتفك أقرب إليك من مصحفك
  • من صاحب القرآن، صاحبه القرآن يوم القيامة
  • اجعل للقرآن وقتًا ثابتًا لا يُزاحَم

فمن وفّقه الله لصُحبة القرآن في رمضان، فقد وُفّق لخيرٍ عظيم، فاجعل هذا الشهر شاهدًا لك لا عليك، ولا يشغلنك عن القرآن شاغل.

حفظ الله مصر وأهلها من كل مكروه وسوء

درس القيام .. ترويحة إيمانية.. هدى للمتقين

قال تعالى {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: ٢].

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

فنعيش مع الجزء الأول من كتاب الله تعالى في آية الهدى والتقوى قال تعالى {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: ٢] فالتقوى رأس كل خير وشرط قبول العمل مع الإخلاص {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: ٢٧] فهي أحد المفاهيم الكبرى، والأصول العظمى في القرآن الكريم وإذا تأملنا في تجليات الآية فلدينا (قرآن ، وهداية ، وتقوى) وهي أنوار ساطعة، فنور القرآن يزين القلوب،  الذي أنزل في شهر رمضان {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: ١٨٥]، وفي الآية هداية لهذا القرآن الذي هو النور يهدي به الله صنفا من الناس وهم المشار إليهم بالمتقين.

التقوى زينة الصالحين وغذاء الروح المتشوقة للقرب من الله ، والمدهش أن هذه الآية في أول السورة ، وجاء في آية الصيام قوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ٢١] فالبدأ كان بالتقوى ثم ذكرت مقرونة بالفرائض والعبادات فشهر رمضان بموجب هذه الآية يريد من الصائم أن يكون قارئا للقرآن مهتديا بأنواره مزينا قلبه بتقوى الله.

وهذا ماينشده الصالحون ويشتاق إليه العارفون إخلاصا وانقيادا واستسلاما لطاعة الله.

فالآية فيها أسرار وبركة ومدد فتأخذ بأيدينا إلى الله سبحانه وتعالى فنقترب من كلامه بقراءته في شهر رمضان ونتشرف  بمصاحبته ونتنور بمعية الله فقد قال سبحانه {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: ١٩٤] الذين اهتدوا بالقرآن الكريم .

وإذاسألت عن معنى التقوى المشار إليها في الآية بذكر المتقين في كما قال سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه : التقوى الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

والآية يستنبط منها الهدايات الآتية

١ـ جلاء البصيرة: فالقرآن الكريم لاريب فيه وقارئه يسلم من الارتياب والشكوك والظنون ، ويكون محصنا من الوساوس والأضرار ، فمن أراد اعتدال نفسيته فدونه القرآن شفاء ورحمة  قال تعالى {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: ٨٢].

٢ـ الفوز بالتقوى وتجلياتها: فمشكاة الوحي ومقاصدها تفردت بهداية العالمين وعلى رأسهم المتقين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة والخاشعين والمؤمنين بالغيب قال تعالى {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: ٤٤].

٣ـ القرآن يبلغنا السعادة الدنيوية والأخروية: ففي الدنيا لا يجد الخلق في لسانك عيباً، أو أفعالك شكاً، لأنك تلبست بتقوى الله في سرك وعلانيتك ، وفي الآخرة الفوز بالجنة التي تتزين من العام إلى العام لعباد الله الصائمين المتقين الذين أوشكوا أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى دار الله وكرامته كما جاء في حديث سيدنا محمد .

٤ـ القرآن موعظة تلين القلوب: فالقرآن الكريم للمتقين موعظة تزيدهم قرباً من الله تعالى فعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ البَأْسُ» [سنن الترمذي].

٥ـ القرآن يرسخ الإيمان: فآياته البينات تشبع المريد بأنوارها فيترسخ في قلبه الإيمان بالله ويلبي حاجات الروح من الصفاء والنقاء بريد الوصال والاتصال بالله سبحانه وتعالى.

فلاحظ معي أيها الصائم القائم أن هذه أنواع من الهدايات المكنونة في القرآن الكريم الذي نعيش معه في هذا الشهر العظيم ، فبادر بقراءته وتدبر معانيه ، وتشبع من أنواره اليوم قبل غد ، وفي هذا الشهر العظيم قبل فواته ، فهو زمان شريف ، استثمره لخلاصك ونجاتك ، وصفاء نفسك واعتدال أخلاقك ونقاء روحك فتلك هي الهداية .

زاد الملتقى الفكري .. شهر رمضان ومكانته

إن الله (عز وجل) يختص مِن خَلقه من يشاء برحمته؛كيفما يشاء ، أينما يشاء   قال تعالى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ، وقال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار} ، وهذا الاصطفاءُ والاختيار منه (جل في علاه) قد يقَعُ على الأمكنة، أو الأزمنة، أو الأشخاص، ومِن اختصاص الله جل جلاله للأزمنة: ما اختَصَّ به شهر رمضان من بين شهور السنة مِن الفضائل والخير ؛ فهو شهرٌ عظيمٌ مبارك ، شهرٌ امتلأت أيامه ولياليه بالرحمة والمغفرة والرضوان، والله سبحانه وتعالى  جعل الخير فيه كله؛ في أوله، وفي أوسطه، وفي آخِره؛ قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} .

وشهر رمضان ، شهر الخير والبركة ، شهر نزول القرآن الكريم، شهر الرحمة والغفران، شهر العتق من النار، ويحظى شهر رمضان بمكانة خاصة في قلوب المسلمين، وهو فرصةً ثمينةً للتقرب إلى الله تعالى، وطلب المغفرة والرحمة، والانطلاق نحو حياة جديدة ملؤها التقوى والإيمان ، وميزه الله تعالى حيث إنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن في ليلة القدر التي تعد خير من ألف شهر ويتمثل ذلك في قول الله تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ} .

وفي السنة النبوية الشريفة ما يؤكد فضائل شهر رمضان وأهميته ومكانته العظيمة في الإسلام؛ فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه" ، فمن صامه إيمانًا واحتسابًا؛ أي: إيمانًا بوجوب الصيام، واحتسابًا لأجر الله تعالى، غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنوبه.

 وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم"؛ ، وهذا يؤكد أن الصيام في رمضان ليس مجرد عبادة شكلية ، بل هو عبادة روحية تطهِّر القلب من الذنوب والخطايا. 

وهناك أعمال يكثر منها المسلمون في رمضان قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يغفر له" ، لذلك ينبغي علينا أن نستغل شهر رمضان وأن نكثر من أعمال الخير والعبادات الصالحة في رمضان ، والصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ،وإفطار الصائمين في رمضان والإكثار من الصدقات والتبرع للمحتاجين والفقراء والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان

ومن فوائد شهر رمضان المبارك أنه لا يقتصر فضل رمضان على الأجر الأخروي فقط، بل له فوائد عظيمة على الإنسان ومنها تزكية النفس الصيام يعلّم الصبر وضبط الشهوات، والتقوى وهو الهدف الأسمى من الصيام  تقوية الروابط الاجتماعية و بالإفطار الجماعي ، والصدقات، وصلة الرحم ، والإحساس بالمستضعفين ، حين يجوع الغني فيشعر بآلام الفقراء، فيبادر بالعطاء ، وهنا يتجلى البعد الإنساني لرمضان ، حيث تتحول العبادة إلى فعل رحمة وتكافل.

إثراء دعوي ومعرفي

  • المعجم المستلهم من المفردات المتداولة في شهر رمضان .. الصيام والصوم

الصيام والصوم مصدران من الفعل صام ، وبينهما فرق دقيق ويحمل كل منهما دلالة بيانية وقيمًا أخلاقية ، ولكل منهما هدف جليل ، نتعرف على ذلك من خلال آيات الصيام في القرآن الكريم.

فالصيام على وزن فعال بكسر الفاء وفتح العين ، وهو عبادة بدنية ويرتبط في القرآن الكريم غالبًا بالجانب التشريعي، وعند الفقهاء هو الإمساك عن المفطرات من طعام وشراب وشهوة من الفجر إلى الغروب، ومنه : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} .

ودلالته الجليلة تشير  إلى أداء فريضة الصيام ذات الأحكام المحددة والقواعد الشرعية.

أما الصوم فهو على وزن فعل بسكون العين فهو أعم واشمل من الصيام لأنه يشير إلى الامتناع الشامل الذي لا يقتصر على الطعام والشراب بل يشمل الجوارح، وبشكل أخص اللسان وحفظه من الكذب وقول الزور واللغو .

ومنه قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}؛ حيث قُصد به هنا الصمت عن الكلام.

ودلالته الأخلاقية والروحية  يشير إلى كفّ النفس عن المعاصي، واللغو، والكذب ، وهو الجوهر الروحي للعبادة.

ولنعلم أن الهدف من الصيام تأدية الواجب وإسقاط الفريضة.

وأن الهدف من الصوم تهذيب الجوارح والارتقاء الروحي.

وأن الصيام هو عمل المعدة  ، والصوم هو عمل الأخلاق واللسان.

  • من مشكاة الحكم العطائية .. من علامة الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل

في اول أيام رمضان ، تأمل معي أيها السالك بقلبك إلى الله  مشكاة الأنوار العطائية، حيث يضع سيدي ابن عطاء الله السكندري يده على مكمن الداء والدواء في طريقك إلى الله، قائلًا لك بعبارته الرشيقة (مِنْ عَلامَةِ الاعْتِمادِ على العَمَلِ، نُقْصانُ الرَّجاءِ عِنْدَ وُجودِ الزَّلَلِ) ، والتي تتجاوز الوعظ العابر لتصل إلى عمق الراحة النفسية في رقي علاقتك بربك، لتتحرر من قيد الأنانية  وتدخل في سعة الفضل الإلهي ، لذلك حينما  تغرق في أنوار رمضان، وتجتهد في صيامك وقيامك، قد يتسلل إلى روعك وهمٌ خفيّ يجعلك تظن أنَّ نجاتك مرهونةٌ بمجهودك الشخصي، فتعجب بصلاتك وتعتد بأذكارك، وهذا هو الاعتماد على العمل ، وتلك هي العلامة التي تفضح هذا المرض في قلبك  ، وحينها إذا تعثرت قدمك في زلل  أو هفوة، انطفأ نور الرجاء في صدرك وأصابك القنوط، وكأنك كنت تعبد عملك لا ربك؛ فالمؤمن الحقيقي يرى الطاعة توفيقًا والزلل تقصيرًا، وفي الحالين يلوذ بباب الكريم.

وكما يهمس لك في لفتاته الإيمانية، فإنَّ وقوعك في الذنب لا يجب أن يقطع حبل رجائك، لأن الله يريد منك قلبًا منكسراً  لا نفساً معجبة، فالمعصية التي تورث ذلاً وافتقاراً أحبُّ إليه من طاعةٍ تورث عزاً واستكباراً ، إنَّ رمضان يا صديقي هو مدرسة الفقر المحض، حيث يذيقك الجوع والعطش لتعلم أنك لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً، فإذا وُفقت لختم القرآن فلا تقل أنا قرأت، بل قل  الله الذي أكرمني، وإذا غلبتك نفسك في هفوة فلا تهرب من الله بل اهرب إليه، متمثلاً قول الحق سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [سورة يونس: الآية ٥٨]، فالفرح الحقيقي يكون بالـمُعطي لا بالعطية.

فاجعل دستورك في هذه الأيام المباركة هو قول الجناب المعظم {لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ}  [رواه البخاري في صحيحه]، وهذا لا يعني أبداً أن تفتر في همتك، بل أن تفرغ قلبك من رؤية العمل لتمتلئ بـرؤية  المن الإلهي ، فسِر بجناحي العمل مع الافتقار التام واستشعار نعمة التوفيق ، واعلم أنَّ ربَّ الطاعة هو ربُّ التوبة، وأنَّ غاية المراد هي أن تغيب عن نفسك لتشهد فضل مولاك، فتكون عبداً ربانياً لا يحجبك إحسانك عن شهود تقصيرك، ولا يمنعك تقصيرك عن طرق باب رحمته، لتخرج من رمضان بقلبٍ فارغٍ من الادعاء،  وممتلئٍ بـ الرجاء.

  • رمضان سؤال وجواب

السؤال:

امرأة أفطرت أياماً من رمضان بسبب العذر الشهري (الحيض)، ثم حملت مباشرة بعد رمضان ولم تتمكن من القضاء بسبب وهن الحمل وإرهاقه، حتى فاجأها رمضان الذي يليه وهي لم تقضِ ما فاتها ،  فما هو الحكم في تلك الحالة ؟ وهل يلحقها إثم أو فدية مالية (إطعام) بسبب هذا التأخير؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فإن الشريعة الإسلامية مبناها على الرحمة والتيسير ، ومنهجها الرفق بالمكلفين، ويتجلى ذلك ظاهرًا فيما يخص جانب  المرأة في أحوالها التي جبلها الله عليها ،  والناظر في نصوص الفقهاء يجد أن التفريط  هو مناط التأثيم أو الإلزام بالفدية، أما من حصرته الأعذار، وضاق عليه الوقت بتقدير العزيز الغفار، فإنه في سعةٍ من أمره ، وإليكِ تفصيل أقوال أئمة المذاهب الأربعة في هذه المسألة، مؤكدين جميعاً على وجوب القضاء فقط ،  وسقوط الفدية في حال استمرار العذر:

أولاً: مذهب السادة الحنفية

  • يقول الإمام الكاساني في   "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" ( ٢/ ١٠٤ ، ط . دار الكتب العلمية ) :  [ إذَا أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ .. وَالْقَوْلُ بِالْفِدْيَةِ بَاطِلٌ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ خَلَفًا عَنْ الصَّوْمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَحْصِيلِهِ عَجْزًا لَا تُرْجَى مَعَهُ الْقُدْرَةُ عَادَةً كَمَا فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي، وَلَمْ يُوجَدْ الْعَجْزُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْقَضَاءِ فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ الْفِدْيَةِ ] انتهى .
  • وقال الإمام الإمام ابن نُجيم في "البحر الرائق شرح كنز الدقائق " ( ٢/٣٠٧ ، ط . دار الكتاب الإسلامي ) :  [ إذَا أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ آخَرُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهَا تَجِبُ خَلَفًا عَنْ الصَّوْمِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَلَمْ يُوجَدْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْقَضَاءِ ] انتهى .

 ثانياً: مذهب السادة المالكية:

  • قال الشيخ عليش المالكي في كتابه  " منح الجليل  شرح مختصر خليل " ( ٢/ ١٥٥ ، ط دار الفكر- بيروت ) : [ فَالْمُرْضِعُ إذَا أَفْطَرَتْ تُطْعِمُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ دُونَ الْحَامِلِ فَلَا إطْعَامَ عَلَيْهَا إذَا أَفْطَرَتْ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الرِّسَالَةِ. وَإِذَا لَمْ تَقْضِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ فَلَا إطْعَامَ عَلَيْهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا مَرِيضَةٌ مَا دَامَتْ حَامِلًا ] انتهى.
  • يقول الإمام النفراوي في "الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني " ( ١/ ٣١٠ ، ط . دار الفكر ) : [ فَلَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ حَتَّى بَقِيَ مِنْ شَعْبَانَ قَدْرَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَيَّامِ، فَمَرِضَ أَوْ سَافَرَ أَوْ حَاضَتْ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ لَمْ يَلْزَمْ كَفَّارَةٌ لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ ] انتهى.

ثالثاً: مذهب السادة الشافعية:

  • قال الإمام الرملي في كتابه " نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج " ( ٣/ ١٩٦ ، ط . دار الفكر-بيروت ) : [وَخَرَجَ بِإِمْكَانِهِ مَا لَوْ أَخَّرَهُ بِعُذْرٍ كَأَنْ اسْتَمَرَّ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا أَوْ مُرْضِعًا إلَى قَابِلٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِالتَّأْخِيرِ مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا وَإِنْ اسْتَمَرَّ سِنِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْأَدَاءِ بِالْعُذْرِ فَفِي الْقَضَاءِ بِهِ أَوْلَى ]
  • يقول الإمام الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج " ( ٢/ ١٧٦ ، ط . دار الكتب العلمية ) : [ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقَضَاءُ لِاسْتِمْرَارِ عُذْرِهِ ، كَأَنْ اسْتَمَرَّ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا، أَوْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا أَوْ مُرْضِعًا حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِهَذَا التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْأَدَاءِ بِهَذَا الْعُذْرِ جَائِزٌ فَتَأْخِيرُ الْقَضَاءِ أَوْلَى].

رابعاً: مذهب السادة الحنابلة:

  • قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "الكافي في فقه الإمام أحمد " (١/ ٤٤٨، ط. دار الكتب العلمية)  عن حكم تأخير قضاء صيام رمضان لعذر : [فإن أخَّرَه لعذر فلا شيء عليه؛ لأنَّ فطر رمضان يباح للعذر، فغيره أولى، وسواءٌ مات أو لم يمت؛ لأنه لم يفرط في الصوم فلم يلزمه شيء] انتهى.
  • قال الإمام البهوتي في " كشاف القناع عن متن الإقناع   ( ص ٨٣٦ ، ط. دار الفكر – بيروت) :   [(وَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى أَدْرَكَهُ آخَرُ أَوْ أَكْثَرُ (لِعُذْرٍ) نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ (فَلَا كَفَّارَةَ) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهَا إذَنْ، (وَلَا قَضَاءَ إنْ مَاتَ) مَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ لِعُذْرٍ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ فَسَقَطَ بِمَوْتِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ، (وَمَنْ دَامَ عُذْرُهُ بَيْنَ الرَّمَضَانَيْنِ ثُمَّ زَالَ) عُذْرُهُ (صَامَ الرَّمَضَانَ الَّذِي أَدْرَكَهُ) ; لِأَنَّهُ لَا يَسَعُ غَيْرَهُ (ثُمَّ قَضَى مَا فَاتَهُ) قَبْلُ]  انتهى.

هداية وإرشاد:

أيتها السائلة الفاضلة:  اعلمي أن العبادة في رحاب الإسلام تتسع لتشمل كل أحوال المؤمن الصادق، فخروجكِ من صيام رمضان لعذر شرعي هو طاعة لأمر الله، وانشغالكِ بوهن الحمل وتعب الإنجاب هو جهادٌ مبرور ترفع به الدرجات .

 إن هذا القلق الذي يسكن فؤادكِ رغبةً في القضاء يعكس أنوار الإيمان في قلبك، فاستقبلي أيام القضاء براحة بال وطمأنينة نفس ، فقد جعل الله لكِ مخرجاً واسعاً في أحكام شرعه، فأوجب عليكِ الصيام حين تستعيدين قوتكِ وعافيتك، ووضع عنكِ غرامة التأخير رحمةً بكِ وتقديراً لعذرك. فاجعلي من كل يوم تقضينه عبادةً مضاعفة؛ شكراً لله على تمام النعمة وحفظ الجنين، وتلذذاً بامتثال أمره سبحانه، فهو الكريم الذي يقبل القليل ويعفو عن الكثير.

والله تعالى أعلم 

  • دعاء اليوم:

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِحَمْدِهِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ، لِنَكُونَ لاحْسَانِهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِيَجْزِيَنَا عَلَى ذلِكَ جَزَآءَ الْمُحْسِنِينَ. وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَبَانَا بِدِينِهِ، وَاخْتَصَّنَا بِمِلَّتِهِ، وَسَبَّلَنَا فِي سُبُلِ إحْسَانِهِ، لِنَسْلُكَهَا بِمَنِّهِ إلَى رِضْوَانِهِ، حَمْدَاً يَتَقَبَّلُهُ مِنَّا، وَيَرْضَى بِهِ عَنَّا. وَالْحَمْدُ لِلّه الَّذِي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ شَهْرَ رَمَضَانَ، شَهْرَ الصِّيَامِ، وَشَهْرَ الاِسْلاَم، وَشَهْرَ الطَّهُورِ

موضوعات ذات صلة

يتجلى هلال شهر رمضان كقبس من نور الله، يضيء دروب الأرواح الظمأى إلى رحابه

مع غروب شمس آخر شعبان، ينطلق نداء السماء المهيب "يا باغي الخير أقبل" لتُفتح أبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران وتُصفد الشياطين

يُعد الصيام ركيزة تعبدية كبرى تقوم على الإمساك والتقرب إلى الله عزّ وجلّ

موضوعات مختارة