أ- من مشكاة الحكم
العطائية في رمضان.
قال
سيدي ابن عطاء الله السكندري: "مَا
تَوَقَّفَ مَطْلَبٌ أَنْتَ طَالِبُهُ بِرَبِّكَ، وَلَا تَيَسَّرَ مَطْلَبٌ أَنْتَ
طَالِبُهُ بِنَفْسِكَ"
يضع
سيدي ابن عطاء الله في هذه الحكمة يده على آفة خفية من آفات القلوب، وهي الاعتماد
على الحول والقوة الذاتية والغفلة عن الافتقار إلى الله، فالعامل قد يظن أن بلوغ
غاياته مرهون بذكائه أو سعيه أو كثرة تدبيره، فينشغل بجمع الأسباب عن مسببها،
والحقيقة أن المطالب تفتح بمفاتيح التوفيق الإلهي، والقدرة الإلهية تجعل العسير
يسيراً حين يلوذ العبد بباب مولاه، بينما ينقطع السعي ويصطدم بالخيبة حين يظن
العبد أنه يستطيع الوصول بجهده المنفرد.
فالأدب
مع الله يقتضي التبرؤ من الحول والقوة، فمن طلب الرزق أو العلم أو الصلاح مستعيناً
بالله مفتقراً إليه، وجد الأبواب تشرع له من حيث لا يحتسب، ومن طلبها معتداً بنفسه
مستنداً إلى خبرته وقدرته، وكل إلى نفسه، وطلب الوصول بالنفس هو نوع من حجب القلب
عن نور الصمدانية، مصداقاً لقوله تعالى {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ
حَسْبُهُ} [ سورة الطلاق: الآية ٣]
وفي
ظلال شهر رمضان المبارك، تتجلى هذه الحكمة بوضوح؛ فالبعض قد يدخل الشهر معتمداً
على همته العالية وقوة عزيمته في الصيام والقيام، ظناً منه أن هذا الاجتهاد نابع
من ذاته، فيفاجأ بالفتور أو ضيق الوقت، وهنا يذكره ابن عطاء الله( اجعل طلبك بربك)
، فتوفيقك لصلاة التراويح، وقدرتك على تلاوة القرآن، وصبرك على الجوع، هي منح
إلهية تطلب بالانكسار على عتبة الربوبية، ولو تركك الله لنفسك لعجزت عن سجدة
واحدة، ولكن سر النجاح في تيسير الطاعة هو الاستعانة بالله على الطاعة.
فالصائم
الحق هو الذي يرى فضل الله في كل خطوة يخطوها، ويوقن أن تيسير أموره في هذا الشهر
الفضيل ثمرة من ثمار التوكل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: {احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ} [ رواه مسلم
في صحيحه ]، وهذا أصل في أن النجاح مقرون بالاستعانة بالله
في قلب العمل.
إن
رمضان يربينا على أن المقاصد تنال بالافتقار، فإذا طلبت مغفرة الذنوب فاطلبها برحمة
الله ، وإذا طلبت الإعانة على القيام، فاطلبها بحوله، وإذا طلبت الرضا فاطلبه
بكرمه، فقلب المؤمن يطرق باب الكريم في كل حركة وسكنة، موقناً أن الاعتماد على
النفس خذلان، والاعتماد على الله فوز وأمان، ممتثلاً قول الحق سبحانه {إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [ سورة الفاتحة: الآية ٥]، فليكن رمضانك هو
الخروج من سجن "أنا" إلى سعة "يا الله".
ب- المعجم المستلهم
من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.
التشبيه البلاغي في
قوله: "كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ "
التشبيه
في قوله تعالى: "كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ" هو تشبيه
صيام الأمة الإسلامية بصيام الأمم السابقة في أصل الفرض والوجوب وهو جنس
الصيام لتخفيف العبادة والتهوين على
المؤمنين ، حيث يُعد التشبيه بالعمل الشاق الشامل للأمم السابقة مصدر طمأنينة
وتسهيل للنفس.
والتشبيه بالسابقِين تهوينًا على المكلَّفين بهذه
العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم؛ فإنّ في الاقتداء بالغَير أسوة في المصاعب، وقد أشار الطاهر بن عاشور إلى أغراض التشبيه
في قوله "كما كُتب على الذين من قبلكم " وبيّن مقاصده وحِكمه .
وذكر
أغراضاً ثلاثة تضمنها التشبيه:
أحدها: الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها، فقد
شرعها الله قبل الإسلام لمن كانوا قبل الإسلام، وشرعها للمسلمين؛ وذلك يقتضي اطراد
صلاحها، ووفرة ثوابها، وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة؛ كي لا يتميز بها من
كان قبلهم.
الغرض الثاني: أن في التشبيه بالسابقين تهوينًا على
المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم.
الغرض الثالث: إثارة العزائم؛ للقيام بهذه الفريضة؛
حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض؛ بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم
السابقة .
يقول الإمام الرازي : والشيء الشاقّ إذا عمَّ سَهُل
تحمُّله ، وأيده في ذلك أبو السعود .
والتشبيه
في الآية تشبيه مُرسل مجمل ، والكاف أداة التشبيه ، ووجه الشبه محذوف يُفهم من
السياق .
المُشبَّه: صيام رمضان المفروض على الأمة المحمدية ،
والمُشبَّه به: صيام الأمم السابقة (من آدم إلى عيسى عليهم السلام ) .
وأداة
التشبيه: الكاف في "كما "
.
ووجه
الشبه: أصل الصيام وفرضيته .
والغرض
من التشبيه: التخفيف والتهوين: عندما يعلم المؤمن أن العبادة الشاقة كتبها الله
على غيره، يسهل عليه أداؤها.
وإظهار اشتراك الأمم في العبودية: بيان أن الصيام
شعيرة إلهية عامة، والتشبيه في "أصل الصيام" (جنسه) لا في المقدار أو
الكيفية.
وقد
دلَّ التشبيه على أهمية الصيام، ففيه الإشارة إلى عِظم الصيام، وما تضمنه من
الحِكَم والمصالح، تشهد بذلك العقول السليمة ، والفطر المستقيمة، ولذا شرعه الله
جل جلاله ، وفرضه عليهم؛ رحمة بهم وإحساناً ، وفي ذلك دلالة على أن الصوم ركن ركين
في كل دين، فهو من أقوى العبادات، كما أنه وسيلة مهمة في تهذيب النفس وإصلاحها،
ولذا فرضه الله علينا، وعلى الأمم السابقة، كما أن فيه إشارة إلى وحدة الدين في
مصدره، وفي أصوله ومقاصده، وفي هذا تأكيد لفرضية الصيام، وترغيب فيه.