Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (١١)

الكاتب

الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (11)

العبوديةَ الحقةَ هي سكونُ القلبِ إلى سعةِ الرحمةِ مع تمامِ الانكسارِ على عتباتِ الافتقار، فلا الذنبُ يقطعُ حبلَ الرجاء، ولا الطاعةُ تُورثُ عُجْبَ الاستغناء، فاجعلوا من رمضانَ مِعراجاً تترقَّى فيه أرواحُكم من ضيقِ التدبيرِ إلى سعةِ التفويض، ومن جفوةِ الخصومةِ إلى أنوارِ العفوِ والصفح، عسى أن يشملنا الحقُّ بنظرةِ لُطفٍ تُصلحُ ما فسَد، وتجبرُ ما انكسر، وتجعلُنا في عِدادِ المقبولين.

درس العصر: التعلق برحمة الله.

" دروسٌ من قصة الصحابي الذي أَفطَرَ في رمضان"

مقدمةٌ تأصيلية

فيما بين الزلل والهفوات، يعيش كثير من الناس بين طرفين متناقضين: إما أن يستسلم لليأس والقنوط بعد الخطأ، فيقطع جسور الأمل مع رحمة الله، أو أن يستهين بالمعصية فلا يبالي بها، فيستخف بحرمة الطاعة.     

وبين هذين الموقفين، يضع الإسلامُ منهجًا وسطًا قويمًا، يُبنى على التوبة الصادقة، والاستمرار في العمل، والتعلّقِ الدَّائمِ بسعة رحمة الله تعالى، وليس أدلّ على هذا المنهج من قصة ذلك الصحابي الذي أتى ذنبًا عظيمًا - وهو الجماع في نهار رمضان عمدًا - فلم يُلقِ به اليأسُ في هاوية القنوط، بل جاء إلى النبي ﷺ مقرًّا بذنبه، باحثًا عن رحمة ربه. ومن خلال هذه الحادثة النبوية العظيمة، تنكشف لنا دروسٌ بليغةٌ في العلاقة بين الذنب والتوبة، والزلل والاستمرار، والخوف والرجاء.

أولًا: ذكر القصة:

روى البخاري ومسلم في: (صحيحيهما، واللفظ للبخاري) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَ: لاَ، فَقَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قَالَ: لاَ، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالعَرَقُ المِكْتَلُ - قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ» فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا - يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» .

ثانيًا: دروس الحادثة في التعلق برحمة الله:

١ - الإقرار بالذنب أول طريق التوبة:

لم يُنكِر الصحابي فعلته، ولم يُبررها، بل أقر بها بكل وضوحٍ وقال: «هَلَكْتُ!». وهذا الإقرار دليلٌ على صدق الإيمان، وصحة الفهم؛ إذ المسلم الحق لا يرى لنفسه عصمةً، بل يعترف بضعفه، ويطلب رحمة ربه. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. فالإقرار بالزلل ليس عارًا، بل هو دليل على الصدق ومراجعة النفس ، وبدايةُ التوبة النصوح.

٢ - الرحمة تسبق العقوبة في الشريعة:

لم يبدأ النبي ﷺ بالتوبيخ أو التهديد، بل بدأ بالحل والتسهيل. وهذا يعكس روح التشريع الإسلامي، الذي يبني على التيسير لا التعسير، وعلى الرأفة لا القسوة. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

٣ - عدم اليأس من رحمة الله مهما عظم الذنب:

إن الجماع في نهار رمضان من كبائر الذنوب، ومع ذلك لم يطرد النبي ﷺ ذلك الرجل، بل عامله بلطفٍ ورحمة. وهذا يثبت أن رحمة الله أوسع من كل ذنب، وأن باب التوبة مفتوحٌ للمذنبين. قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ (رواه مسلم). وهذا المعنى يجعل الإنسان دائم التعلق بربه الغفور الكريم.

٤ - الاستمرار في العمل وعدم الانقطاع بعد الزلل:

الصحابي لم ينقطع عن الطاعات بعد ذنبه، بل جاء إلى النبي ﷺ طالبًا التوبة والكفّارة. وهذا يعلّمنا أن الذنب لا يجب أن يكون حاجزًا بين العبد وبين ربه، بل يجب أن يكون دافعًا للتوبة والعودة. فالمعصيةُ قد تكون سببًا للوصول إلى الله، إذا أورثت ذلّاً وانكسارًا وتوبةً. فالزلل لا يمنع من الاستمرار، بل قد يكون بدايةَ باب فتح للخير؛ قال سيدي ابن عطاء الله السكندري: "رب معصية أورثت ذلًّا وافتقارًا خيرٌ من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا"، يقول الشارح العلامة الرندي رحمه الله في "شرحه على الحكم" (١/ ٤٧): [ولا شك أن الذلَّ والافتقار من أوصاف العبودية، فالتحقّق بهما مقتضٍ للوصول إلى حضرة الرب، والعز والاستكبار من أوصاف الربوبية، فالتحقق بهما مُقتضٍ للخذلان وعدم القبول، قال أبو مدين قُدّس سرّه: انكسار العاصي خير من صولة المطيع] اهـ

ثالثًا: التطبيق المعاصر: كيف نتعلّق برحمة الله اليوم؟

في زمنٍ كثرت فيه الفتن، وضعفت فيه الإرادة، أصبح كثير الناس  يقعون في الذنوب، ثم يُغلقون على أنفسهم أبوابَ الأمل، فيظنون أن الله لن يغفر لهم، أو أنهم غير مستحقين للطاعة بعد المعصية. وهذه النظرة المغلوطة تفتح الباب أمام اليأس، ثم الاستمرار في المعصية.

أما المنهج النبوي الصحيح، كما في قصة الصحابي، فهو:

الاعتراف بالخطأ دون تبرير.

المسارعة إلى التوبة دون تأخير.

طلب الوسائل الشرعية للمغفرة.

الاستمرار في العمل الصالح دون انقطاع.

فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. فهذه الآية الكريمة ختامٌ لكل حديثٍ عن الذنب والتوبة، وهي وعدٌ إلهيٌّ لا يخلف.

فقصة الصحابي الذي جامع زوجته في نهار رمضان ليست فقط درسًا في الفقه، بل هي درسٌ في الأخلاق، والتربية، وتعليم لتجليات  رحمة الله. فهي تعلّمنا :

١- أن الزلل لا يُسقط العبد من رحمة الله، بل يرفعه إليها إذا تاب.

٢- وأن التعلق برحمة الله لا يعني الاستهانة بالمعاصي، بل يعني اليقين بأن الله يقبل التوبة من عباده مهما عظمت ذنوبهم. فليكن زللُنا دافعًا للتوبة، ولا يكن حاجزًا بيننا وبين الطاعات. ولنتعلّق دائمًا بقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فما أكرمَ ربّنا، وما أعظمَ رحمتَه!

ترويحة إيمانية : سفينة النجاة عند سيدنا هود عليه الصلاة والسلام

نحيا ونعيش في هذه الليلة المباركة مع أنوار وأسرار آية كريمة من الجزء الحادي عشر وهي قول الله تعالى: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِنَ} [هود: ٥٢]

في هذه الآية الكريمة توجيهين كريمين ، وجزاءين عظيمين من سيدنا هود عليه السلام لقومه ؛ أما التوجيهين (الاستغفار ، والتوبة) وأما الجزاءين (إدرار الرزق ، زيادة القوة)

فنحن نحيا بقلوبنا قبل أبداننا في ليلة ميمونة مباركة من ليالي شهر رمضان المعظم لنركب السفينة التي تنجينا ؛ عند الحديث عن قوم عاد الذين أُرسل فيهم نبي الله سيدنا هود عليه السلام.

أما عن الاستغفار، فهو سفينة نجاة تجعل القلوب مفعمة بالمحبة ، مجلية لكل ما يصيبها من أدران الغفلة والأوزار  ؛ فقد روى الإمام أحمد في مسنده، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ: اللهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ قَالَ: مَنْ قَالَهَا بَعْدَ مَا يُصْبِحُ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا بَعْدَ مَا يُمْسِي مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

وكثرة الاستغفار تفرج الهم والضيق والحَزَن ؛ فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم: "مَنْ أَكْثَرَ مِنْ الاِسْتِغْفَارِ، جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ". (مسند الإمام أحمد).

وقد وصانا الجناب المعظم ﷺ بالاستغفار عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى, عَنْ أَبِيهِ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم: أَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتِي: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فَإِذَا مَضَيْتُ تَرَكْتُ فِيهِمُ الاِسْتِغْفَارَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ (سنن الترمذي).

وأما عن التوبة فلها أثر بالغ عند الله تعالى بها تُمحى الذنوب وتتبدل السيئات إلى حسنات ، ولهذا فقد جعل الله تعالى الباب مفتوح لكل مذنب حتى يتوب ؛ فعن أبي موسى - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ اللهَ عز وجل يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوْبَ مُسـِيْءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوْبَ مُـسِيْءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِهَا»(صحيح م(صحيح مسلم).

والتوبة واجبة على الفور من جميع الذنوب، كبيرها وصغيرها، ففي الصحيحين من حديث سيدنا أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَلهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) .

 وعن عبد الله بن عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِن اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَم يُغَرْغِرْ»(سنن الترمذي) .

 والمراد بالتوبة التوبة النصوح، وهي التي اكتملت شروطها وهو الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على أن لا يعود إليه.

 وأما عن سر إدرار الرزق ، وزيادة القوة،  فقال الإمام الآلوسى في تفسيره ٦/ ٢٧٩ : إن سيدنا  هود عليه السلام رغبهم  بكثرة المطر، وزيادة القوة، لأنهم كانوا أصحاب زروع وبساتين وعمارات، وقيل: حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين، فوعدهم سيدنا هود على الاستغفار والتوبة كثرة الأمطار، ومضاعفة القوة بالتناسل ؛ فبساتينهم ومزارعهم كانت في غاية الطيب والبهجة بدليل قوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: ٧، ٨] ، وقد كانوا في غاية القوة والبطش ؛ ولذلك قالوا {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت: ١٥] ، ولما كان القوم مفتخرين على سائر الخلق بهذين الأمرين ، ووعدهم هود - عليه السلام - أنهم حينما يتركون المعاصي وعبادة الأصنام ويشتغلوا بالاستغفار والتوبة ، فإن الله تعالى يقوي حالهم في هذين المطلوبين، ويزيدهم فيها درجات كثيرة ، حذرهم من مقابلة نعم الله بالكفر والجحود والإعراض عن الشيء بإصرار وعناد فقال تعالى: {وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ}.

يقول صاحب البحر المديد ٢/٥٣٥ : إن تكرير القصص والأخبار وَعظ وتذكير لأهل الاعتبار، وزيادة إيقان لأهل الاستبصار، وتهديد وتخويف لأهل الإصرار، وحث على المبادرة إلى التوبة والاستغفار.

ألا فلنسارع ونبادر بالاستغفار والتوبة ونحن في شهر النفحات والعطاءات وشهر الجود والكرم (شهر رمضان المعظم) نسأل الله تعالى أن يعطينا من فضله وأن يصب علينا الخير صبا .... اللهم آمين. 

درس الملتقى: العفو والتسامح مع الخلق

العناصر:

١-ترغيب الإسلام في العفو والتسامح .

٢-أقوال المفسرين في العفو والمسامحة .

٣- أثر العفو والتسامح على حياة الأفراد والمجتمعات .

١-  نموذج عظيم في العفو والتسامح (سيدنا يوسف نموذجًا )

 المحتوى :

العفو في ميزان الإسلام في جوهره  مقامٌ عالٍ من مقامات الإيمان، تتلاقى فيه حكمة العقل مع صفاء القلب، فينشأ عنه سلوكٌ يترفع عن مقابلة الإساءة بمثلها، ويُبدِّلُ نَوازع الغضب بأنوار البصيرة.

فإن كان القصاص صورةً من صور العدل الذي تستقيم به الموازين في المجتمع، فإن العفو هو الفضل الذي تسمو به النفوس، وتتجاوز به حدود المعاملة إلى آفاق الإحسان، ومن هنا جاء الخطاب القرآني ليرتقي بالإنسان  إلى الفضل، فقال تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيل﴾، فجعل للصفح جمالًا، لا يتحقق إلا إذا خلا من منّةٍ أو أذى، وكان صادرًا عن نفسٍ راضية، لا عن قلبٍ متحامل.

ثم أكد هذا المعنى في موضع آخر بقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾، فكأن الصفح لا يكتمل إلا إذا صحبه سلامٌ في القول، كما سبقه سلامٌ في الصدر؛ ليكون العفو ظاهرًا وباطنًا، لا أثر فيه لمرارةٍ خفية، ولا لبقيةٍ من خصومة.

ويبلغ البيان غايته حين يقرر القاعدة الجامعة: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، فيُثبت مبدأ العدل، ثم يفتحه على أفقٍ أوسع بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾، فليس العفو المطلوب هو مجرد ترك المؤاخذة، بل هو عفوٌ يُصلح ما أفسدته الإساءة، ويعيد بناء العلاقة على أساسٍ من الصفاء، لا على مجرد إهمال العقوبة.

وهنا تتجلى اللمسة الإيمانية العميقة، إذ يعلّق الجزاء على الله: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وهو تعليقٌ يخرج الفعل من دائرة الحساب المحدود إلى أفق العطاء المطلق؛ لأن ما كان على الله جزاؤه، فقد جاوز كل تقدير، وارتفع عن كل موازنة بشرية.

وعن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه)  قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ".

وعن  أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “ كُنْتُ أَمْشِي مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعليه بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عَاتِقِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أَثَّرَتْ به حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قالَ: مُرْ لي مِن مَالِ اللَّهِ الذي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ له بعَطَاءٍ.

 قال الإمام النووي رحمه الله معلقاً: ” فيه احتمال الجاهلين والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة، وإعطاء من يتألف قلبه .. وفيه كمال خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلمه وصفحه “. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “ ما ضَرَبَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ شيئًا قَطُّ بيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا؛ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ في سَبيلِ اللهِ، وَما نِيلَ منه شَيءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِن صَاحِبِهِ؛ إلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيءٌ مِن مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ “

وقد ضرب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المثلَ الأعلى في ذلك، انظروا إلى  سيدنا يوسف الصدِّيق عليه السلام، أخذه إخوته وألقوه في الجبِّ وهو البئر، ثم عندما لقيهم ماذا كان من حاله؟ قَالَ سبحانه وتَعَالَى على لسان يوسف عليه السلام: ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ﴾ - يقول لإخوانه - ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ﴾ - أي: فضلك - ﴿ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، فماذا كان جواب يوسف عليه السلام؟ ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.

إثراء دعوي ومعرفي.

أ‌-       من مشكاة الحكم العطائية في رمضان.

قال سيدي ابن عطاء الله السكندري: "مَا تَوَقَّفَ مَطْلَبٌ أَنْتَ طَالِبُهُ بِرَبِّكَ، وَلَا تَيَسَّرَ مَطْلَبٌ أَنْتَ طَالِبُهُ بِنَفْسِكَ"

يضع سيدي ابن عطاء الله في هذه الحكمة يده على آفة خفية من آفات القلوب، وهي الاعتماد على الحول والقوة الذاتية والغفلة عن الافتقار إلى الله، فالعامل قد يظن أن بلوغ غاياته مرهون بذكائه أو سعيه أو كثرة تدبيره، فينشغل بجمع الأسباب عن مسببها، والحقيقة أن المطالب تفتح بمفاتيح التوفيق الإلهي، والقدرة الإلهية تجعل العسير يسيراً حين يلوذ العبد بباب مولاه، بينما ينقطع السعي ويصطدم بالخيبة حين يظن العبد أنه يستطيع الوصول بجهده المنفرد.

فالأدب مع الله يقتضي التبرؤ من الحول والقوة، فمن طلب الرزق أو العلم أو الصلاح مستعيناً بالله مفتقراً إليه، وجد الأبواب تشرع له من حيث لا يحتسب، ومن طلبها معتداً بنفسه مستنداً إلى خبرته وقدرته، وكل إلى نفسه، وطلب الوصول بالنفس هو نوع من حجب القلب عن نور الصمدانية، مصداقاً لقوله تعالى {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [ سورة الطلاق: الآية ٣]

وفي ظلال شهر رمضان المبارك، تتجلى هذه الحكمة بوضوح؛ فالبعض قد يدخل الشهر معتمداً على همته العالية وقوة عزيمته في الصيام والقيام، ظناً منه أن هذا الاجتهاد نابع من ذاته، فيفاجأ بالفتور أو ضيق الوقت، وهنا يذكره ابن عطاء الله( اجعل طلبك بربك) ، فتوفيقك لصلاة التراويح، وقدرتك على تلاوة القرآن، وصبرك على الجوع، هي منح إلهية تطلب بالانكسار على عتبة الربوبية، ولو تركك الله لنفسك لعجزت عن سجدة واحدة، ولكن سر النجاح في تيسير الطاعة هو الاستعانة بالله على الطاعة.

فالصائم الحق هو الذي يرى فضل الله في كل خطوة يخطوها، ويوقن أن تيسير أموره في هذا الشهر الفضيل ثمرة من ثمار التوكل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: {احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ} [ رواه مسلم في صحيحه ]،   وهذا أصل في أن النجاح مقرون بالاستعانة بالله في قلب العمل.

إن رمضان يربينا على أن المقاصد تنال بالافتقار، فإذا طلبت مغفرة الذنوب فاطلبها برحمة الله ، وإذا طلبت الإعانة على القيام، فاطلبها بحوله، وإذا طلبت الرضا فاطلبه بكرمه، فقلب المؤمن يطرق باب الكريم في كل حركة وسكنة، موقناً أن الاعتماد على النفس خذلان، والاعتماد على الله فوز وأمان، ممتثلاً قول الحق سبحانه {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [ سورة الفاتحة: الآية ٥]، فليكن رمضانك هو الخروج من سجن "أنا" إلى سعة "يا الله".

ب‌-     المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.

التشبيه البلاغي  في قوله: "كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ "

 التشبيه في قوله تعالى: "كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ" هو تشبيه صيام الأمة الإسلامية بصيام الأمم السابقة في أصل الفرض والوجوب وهو جنس الصيام  لتخفيف العبادة والتهوين على المؤمنين ، حيث يُعد التشبيه بالعمل الشاق الشامل للأمم السابقة مصدر طمأنينة وتسهيل للنفس.

والتشبيه بالسابقِين تهوينًا على المكلَّفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم؛ فإنّ في الاقتداء بالغَير أسوة في المصاعب، وقد أشار الطاهر بن عاشور إلى أغراض التشبيه في قوله "كما كُتب على الذين من قبلكم " وبيّن مقاصده وحِكمه .

وذكر أغراضاً ثلاثة تضمنها التشبيه:

أحدها: الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها، فقد شرعها الله قبل الإسلام لمن كانوا قبل الإسلام، وشرعها للمسلمين؛ وذلك يقتضي اطراد صلاحها، ووفرة ثوابها، وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة؛ كي لا يتميز بها من كان قبلهم.

الغرض الثاني: أن في التشبيه بالسابقين تهوينًا على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم.

الغرض الثالث: إثارة العزائم؛ للقيام بهذه الفريضة؛ حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض؛ بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة .

يقول الإمام الرازي : والشيء الشاقّ إذا عمَّ سَهُل تحمُّله ، وأيده في ذلك أبو السعود  .

 والتشبيه في الآية تشبيه مُرسل مجمل ، والكاف أداة التشبيه ، ووجه الشبه محذوف يُفهم من السياق .

المُشبَّه: صيام رمضان المفروض على الأمة المحمدية ، والمُشبَّه به: صيام الأمم السابقة (من آدم إلى عيسى عليهم السلام ) .

 وأداة التشبيه: الكاف في "كما "  .

 ووجه الشبه: أصل الصيام وفرضيته   .

 والغرض من التشبيه: التخفيف والتهوين: عندما يعلم المؤمن أن العبادة الشاقة كتبها الله على غيره، يسهل عليه أداؤها.

وإظهار اشتراك الأمم في العبودية: بيان أن الصيام شعيرة إلهية عامة، والتشبيه في "أصل الصيام" (جنسه) لا في المقدار أو الكيفية.  

وقد دلَّ التشبيه على أهمية الصيام، ففيه الإشارة إلى عِظم الصيام، وما تضمنه من الحِكَم والمصالح، تشهد بذلك العقول السليمة ، والفطر المستقيمة، ولذا شرعه الله جل جلاله ، وفرضه عليهم؛ رحمة بهم وإحساناً ، وفي ذلك دلالة على أن الصوم ركن ركين في كل دين، فهو من أقوى العبادات، كما أنه وسيلة مهمة في تهذيب النفس وإصلاحها، ولذا فرضه الله علينا، وعلى الأمم السابقة، كما أن فيه إشارة إلى وحدة الدين في مصدره، وفي أصوله ومقاصده، وفي هذا تأكيد لفرضية الصيام، وترغيب فيه.

رمضان سؤال وجواب.

حكم إفطار الصائم بسبب الغُصة وإساغتها بالماء أو الدواء

السؤال: والدي صائم، وأصابته غُصة شديدة (شرقة) أدت إلى ضيق نَفَسِه، فاضطر لشرب الماء لإساغتها، فما حكم صيامه؟ وهل يجب عليه الإمساك بقية اليوم؟

الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فإن ما فعله الوالد من شرب الماء لدفع الغُصة وإنقاذ نفسه من الهلاك أو ضيق النفس الشديد هو أمرٌ جائز شرعاً ولا حرج عليه فيه؛ وذلك لأن حفظ النفس من آكد المقاصد التي جاءت الشريعة برعايتها، والقاعدة الفقهية تقرر أن "الضرورات تبيح المحظورات"، وتطبيقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. وعليه؛ فإن فطره صحيح للضرورة، ويجب عليه قضاء هذا اليوم لاحقاً، ولا تجب عليه كفارة. وإليك تفصيل مذاهب الفقهاء في المسألة:

أولاً: حكم الفطر لإنقاذ النفس من الغصة والهلاك:

اتفق الفقهاء على وجوب حفظ النفس، وجواز الفطر لمن خاف على نفسه الهلاك أو شدة الأذى، ومن ذلك الغصة (الشرقة) التي تمنع التنفس.

عند الحنفية: قال شمس الأئمة السرخسي في "المبسوط" (٣/ ١٣٧، ط. دار المعرفة): [وَإِذَا خَافَ الرَّجُلُ وَهُوَ صَائِمٌ إنْ هُوَ لَمْ يُفْطِرْ تَزْدَادُ عَيْنُهُ وَجَعًا أَوْ تَزْدَادُ حُمَّاهُ شِدَّةً فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْطِرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَخَّصَ لِلْمَرِيضِ فِي الْفِطْرِ] انتهى.

عند المالكية: قال الشيخ الدردير في "الشرح الكبير" (١/ ٥٣٥، ط. دار الفكر): [(وَوَجَبَ) الْفِطْرُ لِمَرِيضٍ وَصَحِيحٍ (إنْ خَافَ) عَلَى نَفْسِهِ بِصَوْمِهِ (هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى) كَتَعْطِيلِ مَنْفَعَةٍ مِنْ سَمْعٍ أَوْ بَصَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لِوُجُوبِ حِفْظِ النَّفْسِ، وَأَمَّا الْجَهْدُ الشَّدِيدُ فَيُبِيحُ الْفِطْرَ لِلْمَرِيضِ قِيلَ وَالصَّحِيحُ أَيْضًا] انتهى.

عند الشافعية: قال الشيخ زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب في شرح روض الطالب" (١/ ٤٢٨، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(من عجز عن الصوم... أو اشتدت) عليه (مشقة: سقط) أي: الصوم (عنه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾] انتهى.

عند الحنابلة: قال الشيخ منصور البهوتي في "شرح منتهى الإرادات" (١/ ٤٧٦، ط. عالم الكتب): [(و) سن فطر، وكره صوم؛ (لخوف مرض، بعطش أو غيره)... ولأنه في معنى المريض، لتضرره بالصوم] انتهى.

ثانياً: حكم الإمساك بقية اليوم لمن أفطر لعذر

إذا زال العذر (الغصة) في أثناء النهار، فهل يجب على الوالد الإمساك بقية اليوم؟ اختلف الفقهاء في ذلك:

القول الأول (الوجوب): ذهب الحنفية والحنابلة في المذهب إلى وجوب الإمساك لحرمة الوقت وتشبهاً بالصائمين. قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (٢/ ١٠٢، ط. دار الكتب العلمية): [أَمَّا وُجُوبُ الْإِمْسَاكِ تَشَبُّهًا بِالصَّائِمِينَ فَكُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَانِعٌ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ وَصَارَ بِحَالٍ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَلَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ  ] انتهى.

القول الثاني (عدم الوجوب): ذهب المالكية والشافعية في المعتمد إلى أنه لا يجب عليه الإمساك؛ لأن اليوم لا يتجزأ، ولأنه أفطر بعذر شرعي.

قال القاضي عبد الوهاب المالكي في "المعونة على مذهب عالم المدينة " (ص: ٤٨٦، ط. المكتبة التجارية): [إن كان عذره يبيح  الفطر مع العلم بأن اليوم من رمضان، لم يلزمه إتمام الإمساك ،كالحائض والمريض والمسافر إذا زالت أعذارهم في بقية يومهم] انتهى.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع" (٦/ ٢٦٢، ط. دار الفكر): [برأ المريض وهما مفطران يستحب إمساك بقية يومه، ولا يجب عندنا] انتهى.

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (٣/ ١٤٥، ط. مكتبة القاهرة) في رواية: [وَالثَّانِيَةُ، لَا يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ.] انتهى.

هداية وإرشاد

أيها السائل الكريم: إن ما تعرض له الوالد من "غُصة" هو أمر خارج عن إرادته، وقد رخص الله تعالى للمضطر ما لم يرخص لغيره؛ رحمةً بعباده وتيسيراً عليهم ، فالدين يُسر، والمحافظة على الروح مقدمة على استكمال العبادة التي طرأ عليها ما يفسدها بغير اختيار المكلف.

فلا يشعرنَّ الوالد الكريم  بالحرج أو الذنب فيما فعل، بل إنَّ فطره في هذه الحالة كان واجباً شرعاً لإنقاذ نفسه ،  وعليه أن يقضي يوماً مكان هذا اليوم بعد انقضاء رمضان، ولا يلزمه الإمساك بقية اليوم، وإن أراد الإمساك من باب الاستحباب والاحتياط وخروجاً من خلاف من أوجبه فهو حسن، مع مراعاة حالته الصحية وقدرته.

والله سبحانه وتعالى أعلم

دعاء وختام.

اللهم يا أرحم الراحمين، تَعطَّف علينا، واغمرنا بعفوك ورحمتك، يا رب العالمين. يا رحمن يا رحيم، استجب دعاءنا ولا تردنا خائبين؛ فاشفِ مرضانا، وارحم موتانا، واحفظ بلادنا، وسدِّد الديون عن المديونين، وانصر جنودك في الأرض، يا أرحم الراحمين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

موضوعات مختارة