كانت غزوة بدر (١٧ رمضان - ٢ هـ) نقطة التحول الأعظم في التاريخ الإسلامي، إذ غيّرت موازين القوى بين المسلمين وقريش، وأثرت في القبائل والدعوة كلها، وسمّاها القرآن "يوم الفرقان".
كانت غزوة بدر (١٧ رمضان - ٢ هـ) نقطة التحول الأعظم في التاريخ الإسلامي، إذ غيّرت موازين القوى بين المسلمين وقريش، وأثرت في القبائل والدعوة كلها، وسمّاها القرآن "يوم الفرقان".
وقعت غزوةُ بدرٍ الكبرى في السابعَ عشرَ من شهرِ رمضانَ، في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ النبويةِ (١٧ رمضان - ٢ هـ) [سيرة ابن اسحاق (ص: ١٣٠)].
ما السبب المباشر لخروج المسلمين إلى بدر؟
خرج المسلمون لاعتراض قافلة تجارية كبرى لقريش بقيادة أبي سفيان، وكانت مُحمّلة بأموال طائلة، بعضها يعود للمهاجرين الذين صادرتها قريش في مكة، ولم يكن الهدف في البداية لقاء جيش قريش، قال النبي ﷺ لأصحابه: «هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ فَاخْرُجُوا إِلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ يُنَفِّلُكُمُوهَا». [سيرة ابن هشام (١/٦٠٧)].
ما هو السبب الحقيقي والعميق لاندلاع الغزوة؟
لم يكن خروج المسلمين لمجرد اعتراض قافلة، بل كان ردًا على سلسلة من الاعتداءات الوجودية بعد الهجرة، لم تكتفِ قريش بمصادرة أموال المهاجرين، بل أرسلت رسائل تهديد للمنافقين في المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أُبيّ تأمرهم بقتل النبي ﷺ أو إخراجه، وإلا استباحوا المدينة، فكانت بدر ضربة استباقية لكسر هذا التغطرس.
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الْأَوْثَانَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ: إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ، وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ،..
فقد أخرج أبو داود في سننه: "أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي، ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه، أو لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم...» [سنن أبي داود (٣٠٠٤)].
كيف تحولت الحملة من مطاردة قافلة إلى مواجهة جيش؟
عندما علم أبو سفيان بمسير النبي ﷺ، غيّر طريق القافلة نحو الساحل ونجا بها، وأرسل إلى قريش يستنفرهم، فخرج جيش مكة بقيادة أبي جهل لحماية القافلة وللتفاخر، وأصرَّ أبو جهل على القتال حتى بعد علمه بنجاتها. [تفسير الطبري (١١/ ٢١٦)].
كم كان عدد جيش قريش وعتادهم؟
كان عددهم نحو (٩٥٠-١٠٠٠) مقاتل، معهم (٢٠٠) فرس، وعدد كبير من الإبل، وكانوا مزودين بالسلاح والعتاد الكامل، ومعهم القيان (المغنيات) يهيجن الحماسة. [مغازي الواقدي (١/ ٦٦) سيرة ابن هشام، (٢ /٢٥٤)].
من هم أبرز قادة جيش قريش في بدر؟
عتبة بن ربيعة، وأبو جهل عمرو بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو البختري بن هشام، وكانت رايتهم مع بني عبد الدار. [سيرة ابن هشام (٢/٢٥٤)].
ماذا كان يفعل إبليس يوم بدر؟
تمثل إبليس في صورة سراقة بن مالك (سيد بني كنانة) وقال لقريش: "إني جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم"، فلما اصطف الجيش ورأى الملائكة تنزل، نكص على عقبيه وقال: ﴿إِنِّیۤ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِیدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فولى هاربًا. [تفسير الطبري (١١/ ٢٢٢) سيرة ابن هشام (٢/٢٧٥)].
أعاد النبي ﷺ الاستشارة بعد أن علم بخروج جيش قريش، فقام سعد بن معاذ، وقال: يا رسول الله، لكأنك تريدنا؟" قال: «أَجَلْ»، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. [تفسير الطبري (١١/ ٤٣)].
ما قصة الحباب بن المنذر وتغيير موقع الجيش؟
عندما نزل النبي ﷺ في أدنى ماء من بدر، سأله الحباب: "أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتجاوزه أم هو الرأي والحرب؟" قال: «بَلْ هُوَ الرَّأيُ»، فأشار عليه بالتقدم إلى أقرب ماء من العدو وجعل الآبار خلفهم، ففعل النبي ﷺ. [دلائل النبوة - البيهقي (٣/٣٥)].
النعاس والمطر: أمطر الله السماء ليلة بدر، فكانت طهرًا للمسلمين من وساوس الشيطان، ووطدت الأرض تحت أقدامهم، بينما زادت الأرض وحلًا على المشركين فثقلت حركتهم، ونام المسلمون نومة عباد الله الصادقين، قال تعالى: ﴿إِذۡ یُغَشِّیكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةࣰ مِّنۡهُ وَیُنَزِّلُ عَلَیۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ لِّیُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَیُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّیۡطَٰنِ وَلِیَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَیُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]. [تفسير الطبري (١١/ ٥٩)].
تقليل العدو في الأعين: ﴿وَیُقَلِّلُكُمۡ فِیۤ أَعۡیُنِهِمۡ﴾ [الأنفال: ٤٤]، ليحدث الإقدام من الطرفين ويقضي الله أمرًا كان مفعولًا. [تفسير الطبري (١١/ ٢١١)].
بماذا بشّر الله المسلمين قبل القتال؟
بشّرهم الله سبحانه وتعالى بنزول الملائكة تثبيتًا لهم، قال تعالى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِیثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّی مُمِدُّكُم بِأَلۡفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ مُرۡدِفِینَ﴾ [الأنفال: ٩]، وفي آية أخرى: ﴿بَلَىٰۤۚ إِن تَصۡبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَیَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا یُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ مُسَوِّمِینَ﴾ [آل عمران: ١٢٥].
هل حدثت معجزات حسية في الغزوة؟
كف الحصباء: عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنَ الْحَصْبَاءِ فَاسْتَقْبَلَنَا بِهِ، فَرَمَانَا بِهَا، وَقَالَ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ» فَانْهَزَمْنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا رَمَیۡتَ إِذۡ رَمَیۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ [الأنفال: ١٧] [الطبراني في الكبير (٣١٢٧)].
سيف عكاشة: قال ابن إسحاق: وقاتل عكاشة بن محصن يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلًا من حطب، فقال: قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه من رسول الله ﷺ هزه، فعاد سيفًا في يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله تعالى على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى: العون. [سيرة ابن هشام ١/٦٣٧].
يخبر سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن بداية القتال فيقول: تقدم - يعني عتبة بن ربيعة - وتبعه ابنه وأخوه، فنادى: من يبارز؟ فانتدب له شباب من الأنصار فقال: من أنتم؟ فأخبروه، فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنما أردنا بني عمنا، فقال النبي ﷺ: «قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ» فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان، فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة [سنن أبي داود (٢٦٦٥)].
ما قصة الأسود بن عبد الأسد؟
لما تزاحف الناس، قال الأسود بن عبد الأسد المخزومي حين دنا من الحوض: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فشد الأسود بن عبد الأسد حتى دنا من الحوض، فاستقبله حمزة بن عبد المطلب، فضربه فأطن قدمه، فزحف الأسود حتى وقع في الحوض فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه، وأتبعه حمزة فضربه في الحوض فقتله. [مغازي الواقدي ١/٦٨].
من قتل أبو جهل؟
قتل أبو جهل (عمرو بن هشام) غلامان، هما: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، فتركاه وبه رمق، ثم أجهز عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ويروي سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما حدث فيقول: «بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بِغُلَامَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ، حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، قُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟» قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟»، قَالَا: لَا، فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ، فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ» وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَالرَّجُلَانِ: مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ [متفق عليه: البخاري (٣١٤١)، ومسلم (١٧٥٢)].
وقال أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ يَنْظُرُ مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ» فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَدَ، فَقَالَ: آنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: قَالَ: سُلَيْمَانُ: هَكَذَا قَالَهَا أَنَسٌ، قَال: أَنْتَ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ. قَالَ سُلَيْمَانُ: أَوْ قَالَ: قَتَلَهُ قَوْمُهُ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: قَالَ: أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي. [متفق عليه: البخاري (٤٠٢٠) ومسلم (١٨٠٠)]، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ وَهُوَ فِي الْقَتْلَى صَرِيعٌ وَمَعِي سَيْفٌ رَثٌّ، فَجَعَلْتُ أَضْرِبُهُ بِسَيْفِي فَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا، قَالَ: وَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَرُوَيْعِينَا بِمَكَّةَ؟ فَوَقَعَ سَيْفُهُ، فَأَخَذْتُهُ فَضَرَبْتُهُ بِهِ حَتَّى قَتَلْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ أَشْتَدُّ حَتَّى أَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَنْتَ قَتَلْتَهُ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، حَتَّى اسْتَحْلَفَنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَحَلَفْتُ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْطَلِقْ فَأَرِنِيهِ» فَانْطَلَقَ فَأَرَيْتُهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ: «كَانَ هَذَا فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ». [البيهقي في الكبرى (١٨٠٨٨)]، وهذا يضعف القول بأن سيدنا ابن مسعود حزّ رأسه واحتمله للنبي ﷺ، فلو كان قد حمل إليه رأسه لعرفه، ولما احتاج إلى أن يقول له: انطلق فأرنيه.
كيف قُتل أمية بن خلف؟
يجيب لنا عن هذا السؤال سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فيقول: «كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا، بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ، وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ، قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَاتَبْتُهُ: عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ، خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لِأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ، فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا، خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ لِأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا، وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا، فَلَمَّا أَدْرَكُونَا، قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لِأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الْأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ» [رواه البخاري (٢٣٠١)].
من هم النفر الذين قتلوا صبرًا في بدر؟
كان منهم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، وهما من أشد الناس أذى للنبي ﷺ في مكة، أمر النبي ﷺ بقتلهما صبرًا بعد انتهاء المعركة، لشدة عداوتهم. [سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (٤/ ٦٤)].
بلغ عدد الأسرى سبعين رجلًا، وأمر النبي ﷺ بإكرامهم، فكان الصحابة يقدمونهم على أنفسهم بالطعام، قال أبو عزيز بن عمير: "كان رسول الله ﷺ يأمر بإكرامنا، وكان أصحابه يقدموننا بالخبز والتمر وهم يقتاتون بالتمر". [مغازي الواقدي (١/١١٤)، وتفسير القرطبي (٨/٣٨)].
ماذا تشاور النبي ﷺ في شأن الأسرى؟
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الْأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» قُلْتُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ (نَسِيبًا لِعُمَرَ) فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» (شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللهِ ﷺ)، وَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِیٍّ أَن یَكُونَ لَهُۥۤ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ یُثۡخِنَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الأنفال: ٦٧] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلࣰا طَیِّبࣰاۚ﴾ [الأنفال: ٦٩] فَأَحَلَّ اللهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ [صحيح مسلم (١٧٦٣)].
ماذا قال النبي ﷺ لقتلى المشركين بعد المعركة؟
يروي سيدنا أنس بن مالك ما حدث فيقول: «أَمَرَ النبي ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، «أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ» قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ، تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنَقِيمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا». [البخاري (٣٩٧٦) ومسلم (٢٨٧٣)].
كم عدد شهداء المسلمين في بدر، ومن أبرزهم؟
استشهد من المسلمين أربعة عشر شهيدًا: ستة من المهاجرين أبرزهم: عبيدة بن الحارث، عمير بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وثمانية من الأنصار أبرزهم: سعد بن خيثمة، مبشر بن عبد المنذر، حارثة بن سراقة، عمير بن الحمام. [سيرة ابن هشام (١/ ٧٠٦- ٧٠٨)].
ما قصة عمير بن أبي وقاص أصغر شهداء بدر؟
كان سيدنا عُمير أخو سعد - رضي الله عنهما - غلامًا حدثًا، استصغره النبي ﷺ يوم بدر فردَّه، فبكى بكاءً شديدًا فرقَّ له النبي ﷺ وأجازه، فشدَّ سعد عليه حمائل سيفه لصغر قامته، وقاتل حتى استشهد وعمره ست عشرة سنة. [مغازي الواقدي (١/٢١)].
تركت غزوة بدر أعظم الأثر على قريش: فقدت نخبة قادتها فانهارت هيبتها المعنوية، وعلى القبائل أيضًا: فقد بدأت القبائل العربية ترى في الإسلام قوة صاعدة، فمال بعضها للتحالف مع المسلمين، كما أثرن على اليهود: فقد أظهرت يهود المدينة بنو قينقاع حسدهم وبغيهم، ونقضوا العهد بعدها مباشرة.
ما هو "يوم الفرقان"؟
يوم الفرقان: هو اسم آخر لغزوة بدر، سماه الله بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، ﴿وَمَاۤ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا یَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ یَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ﴾ [الأنفال: ٤١]. [تفسير الطبري (١١/ ٢٠٢)].
بعد غزوة بدر مباشرة قال النبي ﷺ لليهود: «يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا يوم بدر» فقالوا: "لا يغرنك أنك قتلت نفرًا من قريش أغمارًا لا يعرفون القتال، لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس". ثم نقض بنو قينقاع العهد بعدها بشهرين. [تفسير الطبري (٥/ ٢٣٩) سيرة ابن هشام (١/ ٥٥٢)].
ما هي السورة التي نزلت بكاملها في شأن بدر؟
سورة الأنفال نزلت بكاملها تقريبًا في شأن غزوة بدر، تبين أحكام الغنائم، وتصف الموقف، وتذكر نعم الله على المسلمين.
غزوة بدر لم تكن مجرد معركة، بل كانت ميلاد الدولة الإسلامية كقوة سياسية وعسكرية، وأثبتت أن الدعوة مؤيدة من الله، وغيّرت موازين القوى في الجزيرة العربية كلها، وصدق فيها قوله تعالى: ﴿لِّیَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَیِّنَةࣲ وَیَحۡیَىٰ مَنۡ حَیَّ عَنۢ بَیِّنَةࣲۗ﴾ [الأنفال: ٤٢].
في قلب الصحراء بين مكة والمدينة، نطق التاريخ باسم بدر، فكان شاهدًا على تحوّل مصيري في مسار الدعوة الإسلامية
غزوة بدر ليست مجرد موقعة انتهت بانتصار فريق؛ بل هي فلسفة نصر مستمرة.
لماذا اختار السادات يوم العاشر من رمضان لبدء حرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣؟