لقد حاز الوجه النبوي الكريم من أصحابه رضوان الله عليهم أوصافًا تنقل إلينا صورة ناطقة بجماله الخلقي الفريد، الذي هو مرآة لجماله الخلقي وصفاء سريرته، فلم يكن جماله كجمال أهل الدنيا، بل كان جمالًا نورانيًّا آتاه الله إياه، فأذهل الأبصار وملأ القلوب هيبةً ومحبة.
فحين سُئل البراء بن عازب رضي الله عنه: "أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟" – في إشارة إلى الحدة والطول – أجاب بالنفي المؤكد: "لا، بل مثل القمر" [سنن الترمذي: ٣٦٣٦].
وأكد هذا المعنى جابر بن سمرة رضي الله عنه حين سُئل السؤال نفسه، فقال: "لا، بل مثل الشمس والقمر، مُستديرًا" [رواه مسلم: ٢٣٤٤]، فهذان الوصفان يحملان دلالتين عظيمتين:
الأولى: تشبيهه بالقمر في إشراقه ونوره وهدوئه الذي يسرّ الناظرين.
والثانية تشبيهه بالشمس في بهائه وقوته، مع التأكيد على الاستدارة التي ترمز إلى الكمال والتمام، ولم يقتصر وصف البراء على الشكل، بل تجاوزه إلى الحقيقة الجامعة فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلقًا" [رواه البخاري :٣٥٤٩]، مقرنًا بين جمال الظاهر وجمال الباطن.
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد دقّق في الوصف الخلقي، فقال: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمُطَهَّمِ ولا بالمُكَلْثَمِ، وكان في وجهه تَدْوِيرٌ" [سنن الترمذي: ٣٦٣٨]، فالمطهم: الضخم الممتلئ غير المحبذ، والمكلثم: الغليظ الشفتين، فنفى عنه ما يعاب، وأثبت له "التدوير" وهو كمال الاستدارة والاعتدال، الذي أوضحه أبو عبيد بأنه "ما كان في غاية التدوير"، بل كان معتدلًا سهلًا، "وهي أحلى عند العرب".
وزاد هند بن أبي هالة رضي الله عنه الوصف إشراقًا فقال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» [الشمائل للترمذي:٣٣٧]، جامعًا بين الهيبة ("فخمًا مفخمًا") والنورانية ("يتلألأ وجهه").
وهذا النور كان سمة بارزة في وجهه الكريم تروي بها العيون، فقد قالت أم معبد رضي الله عنها في وصفها له: "رأيت رجلًا ظاهر الوَضَاءة، مُتَبَلِّجَ الوجه" [صفة النبي: الضياء المقدسي، ١ / ١٦٢]، ووصفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقوله: "كان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كَدَارَةِ القمر" [جمع الجوامع:١/٥٧٣]، أي كقرص القمر الكامل.
وشهد أبو هريرة رضي الله عنه بعظمة هذا النور فقال: "ما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تخرج من وجهه" [إمتاع الأسماع:٢/١٦٩]، وبلغت شدة ضيائه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظل، ولم يقم مع شمس إلا غلب ضوؤه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج إلا غلب ضوؤه ضوء السراج" [السيرة الحلبية، ٣ / ٤٦٦].
وكانت حالة السرور تزيد هذا الوجه نورًا على نور، فكان مؤشرًا صادقًا لفرح قلبه الشريف. قال كعب بن مالك رضي الله عنه: قَالَ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ" [رواه البخاري : ٣٥٥٦]، ووصف أنس بن مالك رضي الله عنه تلك الحالة بقوله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سرَّ، كأن وجهه المرآة" [أورده ابن الأثير في النهاية].
فهذه الشهادات المتواترة من أفواه أصحابه الكرام، تضع أمامنا لوحة زاهية متناسقة الألوان لوجه سيد الخلق، تجمع بين الاستدارة الحسنة، والنور الإلهي الآسر، والهيبة الوقورة، والحياء الباسم. إنه الجمال الذي لا يصفه وصف، ولكنه ألهم قلوب المحبين فأرسلت من التشبيهات ما يعبر عن عجزهم عن الإحاطة بكنهه، فكانوا كالمستسقى من البحر بغَرفة يد، كل يصف ما أدركته بصيرته من أنوار ذلك الوجه المبارك، الذي شهدت له السماء فحوّلت القبلة تكريمًا له.