Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تشريف الله تعالى لنبيه الكريم بتحويل القبلة

الكاتب

هيئة التحرير

تشريف الله تعالى لنبيه الكريم بتحويل القبلة

تجليات التكريم الإلهي لوجه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن خلال تتبع أوصاف جماله في السيرة النبوية وشهادات معاصريه، نخلص إلى أن تحويل القبلة كان تكريمًا ربانيًا لهذا الجمال النوراني وتشريفًا فريدًا لوجهه الشريف.

الوجه النبوي الشريف موطن التكريم الإلهي

لقد اختص الله تعالى نبيه الجناب النبوي المحمدي - صلى الله عليه وآله وسلم- بخصائص لم يجمعها نبي قبله، وكان من أظهر هذه الخصائص جماله الخلقي الفريد، الذي لم يكن مجرد حسن صورة، بل كان مرآةً تعكس أنوار النبوة وصفاء الروح [انظر: ابن كثير: البداية والنهاية، ٢/٢٧٣]، وهذا الجمال المادي والروحي لوجهه الكريم هو ما هيأه لأن يكون محطًا لتكريم إلهي مباشر، تجلى في أعظم مشاهد التشريف: تحويل القبلة، فلم يكن التحويل مجرد تغيير اتجاه في العبادة، بل كان خطابًا ربانيًا خاصًا موجهًا إلى ذلك الوجه المشرق، كما في قوله تعالى: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فالآية تجعل من الوجه النبوي محور الحدث، وتكشف أن التكريم كان استجابة لتقلبه شوقًا، لا لطلب صريح.

أنوار الولادة النبوية البشارة الأولى بجمال الوجه المقدر للتكريم

بدأت شهادات الجمال النبوي من أول لحظة في الوجود، حين وضعته السيدة آمنة بنت وهب أم نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد جاء في حديث العرباض بن سارية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال«... وَإِنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ  - صلى الله عليه وسلم -  رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْهُ نُورًا أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» [فتح الباري:١٢٢٧]، وهذا النور الذي أضاء الآفاق لم يكن نورًا عابرًا، بل كان بشارة سماوية بأن هذا المولود سيكون صاحب وجهٍ منيرٍ يضيء الدنيا برسالته. فالنور سمة لازمة لوجهه الكريم، وهو نفسه النور الذي تحدث عنه القرآن: ﴿قَدۡ جَاۤءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورࣱ وَكِتَٰبࣱ مُّبِینࣱ﴾ [المائدة: ١٥]، فجماله، إذن، كان جمالًا نورانيًا من أول أنفاسه، مقدَّرًا له أن يكون محط أنظار الربانية.

مرضعته الكريمة السيدة حليمة السعدية تشهد أنوار الوجه النبوية

وتأتي شهادة مرضعته حليمة السعدية لتؤكد هذه الصفة النورانية في سياق عملي فبركة اللبن التي فاضت بها ثدييها اقترنت برؤية النور يتلألأ على وجه الرضيع، مما يعني أن هذا الوجه كان مصدرًا للبركة ومظهرًا للنور الإلهي حتى في طفولته. وهي شهادة تؤكد أن الجمال الذي تمتع به لم يكن جمالًا عاديًّا، بل كان جمالًا ملائكيًّا تشع منه أنوار الوحي منذ الصغر، ورحم الله القائل في وصف مشهد رؤيتها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - :

حَلِيْمَةٌ لَمَّا رَأَتْ أَنْوَارَهُ قَدْ أَشْرَقَتْ        مَالَتْ إِلَيْهِ وَعَانَقَتْ وَقَبَّلَتْ تَحْتَ اللِّثاَم

وَأَنْشَدَتْ وَهي تَقُوْلُ لِبَعْلِهَا نِلْنَا الْقَبُوْل      لَاشَكَّ فِي هَذَا الرَّسُوْل هَذَا الْمُظَلَّلِ باِلْغَمَام

فراسة جده عبد المطلب ومشاهدة أنوار العظمة في الملامح المحمدية

وحين يكبر الطفل قليلًا، تنطلق فراسة جده عبد المطلب من تأمل ملامح ذلك الوجه، كما يروى في الحديث: «أنه كان لعبد المطلب مفرش في الحجر، فكان النبي  - صلى الله عليه وسلم -  يأتي وهو طفل، فيجلس عليه، فيقول عبد المطلب: إن لابني هذا شأنًا» [ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٣/٨٠]، لقد قرأ الجد في محيّا حفيده علامات العظمة والمستقبل المجيد، فلم تكن ملامحه كملامح الأطفال، بل كانت تحمل هيبةً وجلالًا يلفتان الأنظار، فهذه الهيبة المبكرة في الوجه كانت نذيرًا بالمهابة التي سيتمتع بها كرسول، وهي الصفة التي ستجعل من تكريم الله له أمرًا متوقعًا في قلوب ذوي البصائر، وقد كان من بركة وجهه الشريف أن جده وقومه كانوا يستسقون بوجهه الشريف  - صلى الله عليه وسلم – وكان جده عبدالمطلب يقول في ذلك:

وأبيضَ يستسقى الغمامُ بوجهه     ثِمال اليتامى عِصمةٌ للأراملِ

يلوذُ به الهُلَّاك من آل هاشمِ        فهم عنده في نعمة وفضائلِ

شهادة حسان بن ثابت في بهاء الوجه المحمدي الشريف

ولما اكتملت رجولته وظهرت آثار النبوة على محيّاه، جاءت شهادات الشعراء لتصف ذلك الجمال الفريد، يقول حسان بن ثابت، شاعر الرسول - صلى الله عليه وسلم - [ديوان حسان بن ثابت، ص٢٧]:

وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمْ تَرَ قَطُّ عَيْنِي.. وَأَجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ

خُلِقتَ مُبَرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ.. كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

فهو يصرح أن هذا الجمال يتجاوز كل ما رأته عيناه أو ولدته النساء عبر التاريخ، ولم يقف الأمر عند الوصف العام، بل دخل في التفاصيل الدقيقة فإليه تنسب أبيات في وصف وجهه الشريف - صلى الله عليه وسلم - يقول فيها:

      لَمّا رَأَيْتُ أَنَوارَهُ سَطَعَتْ              وَضَعْتُ مِنْ خِيفَتِي كَفِّي عَلَى بَصَرِي

خَوْفًا عَلَى بَصَرِي مِنْ حُسْنِ صُورَتِهِ      فَلَسْتُ أَنْظُرُهُ إِلَّا عَلَى قَدْرِي

    رُوحٌ مِنَ النُّورِ فِي جِسْمٍ مِنَ الْقَمَرِ          كَحُلْيَةٍ نُسِجَتْ مِنَ الأَنْجُمِ الزُّهْرِ

شهادة عبد الله بن سلام بأن الوجه يكشف عن صدق الرسالة

وتأتي شهادة الحبر اليهودي عبد الله بن سلام لتضيف بُعدًا جديدًا، وهو بُعد "الكشف" الذي يحمله الوجه النبوي. يقول ابن سلام: "....فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ، فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ،..." [الترمذي،٢٤٨٥].

 فهنا يتحول الوجه إلى دليل قاطع على صدق الدعوى؛ فطهارة الملامح وصراحتها ونورانيتها كانت أدلة ناطقة على نزاهة صاحبها وصدقه، فالجمال هنا لم يكن جمالًا جسديًا فحسب، بل كان جمالًا أخلاقيًا يعلن عن نفسه من خلال الصفاء الذي يظهر على المحيّا.

الحبيبة السيدة عائشة تروي ضياء الوجه الشريف

ولعل أقرب الشهادات إلى الحقيقة هي شهادة أقرب الناس إليه، زوجته السيدة عائشة - رضي الله عنها، التي قالت: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ  - صلى الله عليه وسلم -  دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِِ"[صحيح مسلم:١٤٥٩]، بل بلغ من نور وجهه ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: اسْتَعَرْتُ إِبْرَةً مِنْ حَفْصَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ، كُنْتُ أُخَيِّطُ بِهَا ثَوْبَ رَسُولِ اللَّهِ  - صلى الله عليه وسلم -، فَسَقَطَتْ عَنِّي الإِبْرَةُ، فَطَلَبْتُهَا، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ  - صلى الله عليه وسلم - ، فَتَبَيَّنْتُ الإِبْرَةَ بِشُعَاعِ نُورِ وَجْهِهِ" [جمع الجوامع: ٢/ ٥٠٤]، وهذا الوصف يؤكد الطبيعة النورانية الخارقة لذلك الوجه، فهو ليس كالوجوه العادية، بل هو وجه تشع منه الأنوار الربانية بشكل ملموس.

وهذا الوصف يؤكد الطبيعة النورانية الخارقة لذلك الوجه، فهو ليس كالوجوه العادية، بل هو وجه تشع منه الأنوار الربانية بشكل ملموس.

مدح الصحابة لوجه النبي صلى الله عليه وسلم:

لقد حاز الوجه النبوي الكريم من أصحابه رضوان الله عليهم أوصافًا تنقل إلينا صورة ناطقة بجماله الخلقي الفريد، الذي هو مرآة لجماله الخلقي وصفاء سريرته، فلم يكن جماله كجمال أهل الدنيا، بل كان جمالًا نورانيًّا آتاه الله إياه، فأذهل الأبصار وملأ القلوب هيبةً ومحبة.

فحين سُئل البراء بن عازب رضي الله عنه: "أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟" – في إشارة إلى الحدة والطول – أجاب بالنفي المؤكد: "لا، بل مثل القمر" [سنن الترمذي: ٣٦٣٦].

وأكد هذا المعنى جابر بن سمرة رضي الله عنه حين سُئل السؤال نفسه، فقال: "لا، بل مثل الشمس والقمر، مُستديرًا" [رواه مسلم: ٢٣٤٤]، فهذان الوصفان يحملان دلالتين عظيمتين:

الأولى: تشبيهه بالقمر في إشراقه ونوره وهدوئه الذي يسرّ الناظرين.

والثانية تشبيهه بالشمس في بهائه وقوته، مع التأكيد على الاستدارة التي ترمز إلى الكمال والتمام، ولم يقتصر وصف البراء على الشكل، بل تجاوزه إلى الحقيقة الجامعة فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلقًا" [رواه البخاري :٣٥٤٩]، مقرنًا بين جمال الظاهر وجمال الباطن.

وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد دقّق في الوصف الخلقي، فقال: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمُطَهَّمِ ولا بالمُكَلْثَمِ، وكان في وجهه تَدْوِيرٌ" [سنن الترمذي: ٣٦٣٨]، فالمطهم: الضخم الممتلئ غير المحبذ، والمكلثم: الغليظ الشفتين، فنفى عنه ما يعاب، وأثبت له "التدوير" وهو كمال الاستدارة والاعتدال، الذي أوضحه أبو عبيد بأنه "ما كان في غاية التدوير"، بل كان معتدلًا سهلًا، "وهي أحلى عند العرب".

وزاد هند بن أبي هالة رضي الله عنه الوصف إشراقًا فقال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  - صلى الله عليه وسلم -  فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلَأْلَأُ وَجْهُهُ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» [الشمائل للترمذي:٣٣٧]، جامعًا بين الهيبة ("فخمًا مفخمًا") والنورانية ("يتلألأ وجهه").

وهذا النور كان سمة بارزة في وجهه الكريم تروي بها العيون، فقد قالت أم معبد رضي الله عنها في وصفها له: "رأيت رجلًا ظاهر الوَضَاءة، مُتَبَلِّجَ الوجه" [صفة النبي: الضياء المقدسي، ١ / ١٦٢]، ووصفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقوله: "كان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كَدَارَةِ القمر" [جمع الجوامع:١/٥٧٣]، أي كقرص القمر الكامل.

وشهد أبو هريرة رضي الله عنه بعظمة هذا النور فقال: "ما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن الشمس تخرج من وجهه" [إمتاع الأسماع:٢/١٦٩]، وبلغت شدة ضيائه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظل، ولم يقم مع شمس إلا غلب ضوؤه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج إلا غلب ضوؤه ضوء السراج" [السيرة الحلبية، ٣ / ٤٦٦].

وكانت حالة السرور تزيد هذا الوجه نورًا على نور، فكان مؤشرًا صادقًا لفرح قلبه الشريف. قال كعب بن مالك رضي الله عنه: قَالَ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ  - صلى الله عليه وسلم -  وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ" [رواه البخاري : ٣٥٥٦]، ووصف أنس بن مالك رضي الله عنه تلك الحالة بقوله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سرَّ، كأن وجهه المرآة" [أورده ابن الأثير في النهاية].

فهذه الشهادات المتواترة من أفواه أصحابه الكرام، تضع أمامنا لوحة زاهية متناسقة الألوان لوجه سيد الخلق، تجمع بين الاستدارة الحسنة، والنور الإلهي الآسر، والهيبة الوقورة، والحياء الباسم. إنه الجمال الذي لا يصفه وصف، ولكنه ألهم قلوب المحبين فأرسلت من التشبيهات ما يعبر عن عجزهم عن الإحاطة بكنهه، فكانوا كالمستسقى من البحر بغَرفة يد، كل يصف ما أدركته بصيرته من أنوار ذلك الوجه المبارك، الذي شهدت له السماء فحوّلت القبلة تكريمًا له.

تحويل القبلة التكريم الرباني المباشر لوجه النبي الكريم

بعد هذا الثناء العظيم من الخلق، جاء الثناء والتكريم من الخالق. فبعد أن صلى النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس فترة امتحان وانتظار ، جاء التكريم الإلهي على شكل خطاب مباشر للوجه الكريم: ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: ١٤٤]، لقد لاحظ الله تعالى حركة الوجه النبوي وهو يتقلب في السماء شوقًا لهدى ربه، فاستجاب لهذا الشوق الخفي غير المعلن بتشريف عظيم: جعل له قبلة خاصة به، بل جعلها قبلة لأمته من بعده. يقول المفسرون: إن هذا كان منة من الله على رسوله، ومن أكبر الأدلة على كرامته عند الله" [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ١/٣٣٢].

فالتكريم هنا له خصوصية مزدوجة:

أولًا، أنه موجه إلى "وجه" النبي تحديدًا.

ثانيًا، أنه جاء استجابة لتقلب الوجه؛ مما يعني أن الله يكرم حتى المشاعر الخفية والهمسات القلبية لرسوله. وتحويل القبلة يصبح بهذا المنظار هدية إلهية إلى ذلك الوجه المشرق، وتتويجًا لجمال خلقه الله له وأودعه فيه.

فول وجهك الحسن المفدى ... إليها حيث وجهت اتجاها

فإن أباك إبراهيم قدما ... لأجل رضاك عنا قد بناها

وإسماعيل طاف بها ولبى ... وطهرها لمشتاق أتاها

هي البلد الأمين وأنت حل ... فطأها يا أمين فأنت طه

اللهم صلِّ وسلم وبارك بلسانِ التعظيم، وفي مقامِ التكريم، على الجنابِ النبويِّ والمحيَّا المحمدي، من جعلتَ وجهَهُ الشريفَ مَجلى أنوارِك، ومَحطَّ إكرامِك، فقلبتَ له القبلةَ حيثُ دار، إجابةً لتقلبِ وجهِهِ في السماءِ بلا استدعاءٍ ولا استفسار، اللهم صلِّ على من أشرقَ الوجودُ بطلعتِه، وتلألأَ الكونُ ببهجتِه، صاحبِ الوجهِ الذي فاضَ منه النورُ فبصُرت به القصور، فهو النورُ الأتمّ، والجمالُ الأعمّ، اللهم صلِّ على من كان وجهُه أحسنَ من الشمسِ والقمر، مَن نطقَ بصدقِه مَلمحُه قبلَ مَنطقِه، وتجلَّت هيبتُه في طفولتِه وصِباه، فكان يُستسقى به الغمام، ويُنال بوجِهه المرام، مَن إذا سُرَّ استنارَ وجهُه حتى كأنه قطعةُ قمر، فصلِّ اللهم عليه صلاةً تليقُ بجمالِ محيَّاه، وبما أودعتَه من سرٍّ في سيمـاه، وعلى آلهِ الطاهرين، وصحابتهِ الذين تاهوا في أنوارِ طلعتِه أجمعين.

الخلاصة

وهكذا، يظل وجه النبي صلى الله عليه وسلم هو المحور الذي دار حوله أعظم تكريم تشريعي في الإسلام. فمن نور الولادة إلى بهاء الرجولة، شهد القريب والبعيد، العربي والعالمي، المرأة والرجل، على تفرد هذا الجمال النوراني. ثم جاء التكريم الإلهي ليثبت هذه الشهادات جميعًا، ويجعل من تحويل القبلة علامة خالدة على محبة الله لوجه نبيه. فكلما توجه المسلم نحو الكعبة، فإنه في الحقيقة يتبع اتجاه ذلك الوجه المكرم، ويتذكر أن هذه القبلة هي الهدية الربانية التي منّ الله بها على أجمل وجه خلقه، فصارت بذلك رمزًا لوحدة الأمة وتذكيرًا دائمًا بمنزلة النبي الكريم عند ربه. إن تحويل القبلة لم يكن مجرد تغيير جغرافي، بل كان إعلانًا ربانيًا: أن هذا الوجه الجليل هو وجه الرسول الكريم، الذي استحَقَّ من ربه أن يُولّى قبلةً ترضاه، فكان التشريف الإلهي تتويجًا للجمال الإلهي.

موضوعات ذات صلة

شهر شعبان موسمًا ربانيًّا ذا خصوصية قلبيّة فائقة.

تظل آية تحويل القبلة، في خلاصة القول، "ميثاقًا" ثلاثي الأبعاد.

المنهج النبوي في استثمار شهر شعبان كمنطلق أصيل لتحقيق ديمومة العبادة في رمضان وما بعده.