كان تحويل القبلة بمثابةِ تمحيصٍ واختبارٍ لكافَّةِ الأطيافِ في المجتمع، وكان للمؤمنين إيمانًا صادقًا وهدًى ونورًا؛ فحينما تلقَّوْا أمرَ الله تعالى بالتحوُّلِ إلى البيت الحرام سارعوا إلى امتثال الأمر ولسان حالهم يقول: ﴿سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَیۡكَ ٱلۡمَصِیرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
ومما قاله المشركون في ذلك: إن محمدا ﷺ قد تحيّر في دينه، ويوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
ومما قاله المنافقون: ما بال المسلمين كانوا على قِبلة ثم تركوها؟
ومما قاله اليهود- الذين تولوا كبر التشكيك في صحة التوجه إلى البيت الحرام-: إن القبلة الأولى- وهي بيت المقدس- إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق، وإن كانت على باطل فعبادتكم السابقة باطلة، ولو كان محمد ﷺ نبيا حقا ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما فعل اليوم شيئا وخالفه غدا.
ومقصدهم الأول من وراء هذه المقالات المرذولة: الطعن في شريعة الإسلام، وفي نبوة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. [أ.د/ محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط، ١/ ٢٩٣].
وكثُرَت الأقاويل، وفُتِن أُناسٌ -لم يرسخ الإيمان في قلوبهم- عن الحق، وتكلَّم كلُّ سفيهٍ ضعيفِ العقلِ بما وافق هواه. وقد صوَّر المولى سبحانه وتعالى هذه الأحوال، وهذه الأجواء في صورةٍ بديعةٍ، وسطرها في كتابه الكريم، فقال: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [سورة البقرة: ١٤٢]، فكلُّ نجاحٍ وفلاحٍ في التسليم لأمر الله تعالى والانقياد، والهلاكُ والخسرانُ في الاستكبار عن أمره والعناد.