إذا كان رجب (شهر الله) هو شهر "الواردات" والنفحات التي قد تُنسب لذكرى "المعراج"، فإن شعبان (شهر رسول الله ﷺ) هو شهر "التصريف" لتلك الأنوار في صورة صيام وقيام.
الصيام سرٍّ "صمداني":
الصوم صفة "صمدانية" فلما كان النبي ﷺ قد تحقق بالقرب الإلهي، انعكس ذلك على جسده الشريف في شعبان، فصار يواصل الصيام كأنه يغتذي بنور القُرب الذي شهده؛ فعن أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ" [رواه البخاري في "صحيحه" رقم ١٩٧٠].
هذا الإكثار من الصيام هو انعكاس لحالة "الامتلاء" الروحي.
سر "الغفلة"، ورفع الأعمال:
في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [النسائي: ٢٣٥٧].
الربط العرفاني هنا: إن النبي ﷺ في ليلة المعراج رأى كيف تُرفع الأعمال، وكيف تُعرض على الله بلا واسطة، هذه "المشاهدة العينية" في السماء جعلت "المراقبة القلبية" في شعبان في أعلى درجاتها إنه يصوم؛ لأنه يعلم - حق اليقين- عظمة لحظة العرض على الله - عز وجل.
فالعبادةُ وقت الغفلة حين ينشغل الناس بين "رجب المُحرَّم" و"رمضان المُعظَّم" هي أدلُّ على صدق المحبة، وكمال القرب؛ فالنبي ﷺ يختلي بربه في شعبان بالصوم، كما اختلى به ليلة المعراج بالمناجاة.