Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مقام القرب في ليلة المعراج وأسرار العبوديّة

الكاتب

هيئة التحرير

مقام القرب في ليلة المعراج وأسرار العبوديّة

ليلة المعراج كانت تجلي مقام القُرب الأعظم الذي تحقق فيه النبي ﷺ بتمام العبودية، فاختير له لقب "العبد" في مقام التشريف الأعلى، وانعكس هذا القرب في شهر شعبان بصيامه وقيامه؛ ليُترجم شهود السماء إلى عبودية عملية في الأرض، فيكون شعبان صدىً لأنوار المعراج، وخدمةً دائمة للمحبوب.

المعراج وتحقق مقام "العبدية" العظمى

تتجلى في سيرة سيدنا المصطفىحكم ربانية بديعة تربط بين أوقات التجلي، وأوقات التعبد، ولعل من أدق هذه الروابط الروحية ما يجمع بين "مقام القُرب المطلق" الذي تحقق ليلة "الإسراء والمعراج"، وبين "مقام العبودية المحضة " الذي تجسد في صيام وقيام شهر شعبان، إنه انتقال من "جمع الجمع" في السماء إلى "فرق التمييز" في الأرض، ومن دهشة المشاهدة إلى أدب المجاهدة.

"ليلة المعراج" لم تكن مجرد رحلة مكانية، بل كانت رحلة تحقيقية لمقام العبودية يقول الحق سبحانه: ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ﴾ [الإسراء: ١]، فاختار لقب "العبد" في مقام التشريف الأعلى.

فكمال العبودية هو ثمرة مقام الشهود، فالنبي حينما وصل إلى مقام ﴿فَكَانَ قَابَ قَوۡسَیۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ﴾ [النجم: ٩]، لم يغِبْ عن عبوديته، بل تحققت فيه العبودية بأتم معانيها؛ لأن القُرب يكشف للعبد حقيقة فقره، واحتياجه للحق سبحانه.

فإن سيدنا النبي عاد من المعراج بـ "كسوة العبودية"؛ ليقوم بحق الربوبية في الأرض، فالقرب لا يُسقط التكليف، بل يزيده رسوخًا؛ إذ أن العارف من لا تطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه؛ لذا كان نزوله من سِدْرة المُنتهى إلى الأرض نزولَ رحمةٍ وتشريع، حاملًا معه أثر ذلك القرب؛ ليصبه في قوالب العبادات الزمنية.

شعبان.. ميقاتُ ترجمةِ الشهود إلى عمل

إذا كان رجب (شهر الله) هو شهر "الواردات" والنفحات التي قد تُنسب لذكرى "المعراج"، فإن شعبان (شهر رسول الله ) هو شهر "التصريف" لتلك الأنوار في صورة صيام وقيام.

الصيام سرٍّ "صمداني":

الصوم صفة "صمدانية"  فلما كان النبي ﷺ قد تحقق بالقرب الإلهي، انعكس ذلك على جسده الشريف في شعبان، فصار يواصل الصيام كأنه يغتذي بنور القُرب الذي شهده؛ فعن أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: "لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ" [رواه البخاري في "صحيحه" رقم ١٩٧٠].

هذا الإكثار من الصيام هو انعكاس لحالة "الامتلاء" الروحي.

سر "الغفلة"، ورفع الأعمال:

في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَال: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [النسائي: ٢٣٥٧].

الربط العرفاني هنا: إن النبي في ليلة المعراج رأى كيف تُرفع الأعمال، وكيف تُعرض على الله بلا واسطة، هذه "المشاهدة العينية" في السماء جعلت "المراقبة القلبية" في شعبان في أعلى درجاتها إنه يصوم؛ لأنه يعلم - حق اليقين- عظمة لحظة العرض على الله - عز وجل.

فالعبادةُ وقت الغفلة حين ينشغل الناس بين "رجب المُحرَّم" و"رمضان المُعظَّم" هي أدلُّ على صدق المحبة، وكمال القرب؛ فالنبي ﷺ يختلي بربه في شعبان بالصوم، كما اختلى به ليلة المعراج بالمناجاة.

العبودية بين "استشعار القرب"، و"أدب الخدمة"

إن الرابط الخفي بين المعراج وشعبان هو "الشكر" عندما سُئل النبي عن قيامه حتى تتفطر قدماه قال: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» [متفق عليه]، وهنا مكمن السر؛ فالنبي الذي رُفع فوق سبع سماوات (مقام الامتنان الإلهي)، قابل هذا العطاء في شهر شعبان بمقام (الافتقار العبودي).

فمن لم يشكر النعم وجدانًا، فقد تعرض لزوالها عيانًا، وصيام شعبان هو شكرٌ عملي لنعمة القُرب والوحي. إنه استعداد لاستقبال "النفحة الكبرى" في رمضان (القرآن الكريم)، كما كان المعراج استعدادًا لفرض "الصلة الكبرى" (الصلاة).

إن شعبان هو شهر "تمرين القلوب" على ميادين الأسرار، فكما طُهر صدر النبي قبل المعراج؛ ليتلقى الأنوار، تُطهر الأمة قلوبها في شعبان بالصيام؛ لتتلقى أنوار ليلة القدر، فالصيام في شعبان هو "معراجُ الأرواح" الأرضي، تخلصًا من كثافة الطين، وتشحذًا للقاء رب العالمين في رمضان.

المعنى الروحي

إن سر الارتباط يكمن في أن ليلة المعراج كانت رحلة من (المسجد الحرام) إلى (السِّدْرة)، بينما شهر شعبان هو رحلة من (رؤية النفس) إلى (شهود المِنَّة) النبي يعلمنا في شعبان أن:

١.  القرب لا يوجب الدلال بل يوجب العمل :فكلما اقتربتَ، زاد أدبُك، وكثرت عبادتك (صيامه لأكثر الشهر).

٢.  الأعمال تُرفع، والأرواح تسمو: فكما عرج جسده الشريف مرة واحدة، تعرج أعمال أمته كل عام في شعبان، فأحب أن يكون حال الرفع موافقًا لحال الصفاء (الصيام).

٣.  التحضير للفيض الإلهي :الاستعداد في شعبان هو برهانُ الشوقِ لما يتنزل في رمضان.

 فلما كان شعبان كالمقدمة لرمضان، فإنه يشرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام، وقراءة القرآن الكريم؛ ليحصل التأهب لتلقي رمضان، وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن.


مراجع للاستزادة:

  • صحيح الإمام البخاري.
  • صحيح الإمام مسلم.
  • سنن الإمام النسائي.
  • الفتوحات المكية – للشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي الحاتمي.
  • لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف – للحافظ ابن رجب الحنبلي.
  • استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس – للحافظ ابن رجب الحنبلي.
  • مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي – للحافظ ابن رجب الحنبلي.
  • إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين – للإمام المرتضى الزبيدي.
  • إيقاظ الهمم في شرح الحكم العطائية – للشيخ أحمد بن عجيبة الحسني.
  • البحر المديد في تفسير القرآن المجيد – للشيخ أحمد بن عجيبة الحسني.

الخلاصة

إن العبودية في شعبان هي صدىً لأنوار القُرب في المعراج، فمن تحقق بمعنى ﴿قَابَ قَوۡسَیۡنِ﴾ [النجم: ٩] في قلبه، لم يجد راحة إلا في محراب ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ یَأۡتِیَكَ ٱلۡیَقِینُ﴾ [الحجر: ٩٩] لقد كان صيام المصطفى وقيامه في هذا الشهر إعلانًا أن المحب لا يكلُّ من خدمة محبوبه، وأن القرب الحقيقي هو الذي يُثمر عبوديةً تامة، ظاهرًا بالصيام، وباطنًا بالشهود والاستسلام.

موضوعات ذات صلة

الإسراء والمعراج معجزة عظيمة للنبي ﷺ وقعت قبل الهجرة، وقد أُسري به ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

ليلة المعراج كانت تجلي مقام القُرب الأعظم الذي تحقق فيه النبي ﷺ بتمام العبودية، فاختير له لقب "العبد" في مقام التشريف الأعلى​.

في ليلة الإسراء والمعراج، خرق الله تعالى لسيدنا محمد ﷺ حجب العوائد، فكانت رحلة من "أين" إلى "حيث لا أين"،