من منظور الشريعة الإسلامية، فإن التنمر الإلكتروني يتنافى جملة
وتفصيلاً مع القيم والمبادئ الأساسية التي جاء بها الإسلام، فالقرآن الكريم والسنة
النبوية الشريفة يدعوان إلى الأخوة، والمحبة، والاحترام المتبادل، وصون الأعراض، وينهيان
عن كل ما من شأنه أن يسبب الأذى أو الإهانة للآخرين، فتلك المبادئ لا تقتصر على
التفاعلات وجهًا لوجه، بل تمتد لتشمل كل شكل من أشكال التواصل، بما في ذلك ما يحدث
عبر الإنترنت.
يقول الله تعالى في كتابه العزيز { يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الحجرات - ١١]، فهذه
الآية الكريمة تحمل تحريمًا صريحًا للسخرية واللمز والتنابز بالألقاب، وهي جوهر
التنمر، بغض النظر عن الوسيلة التي يتم بها .
فالسخرية من شكل خلقة الله،
أو من اللون، أو الديانة، أو الثقافة، أو القدرة الجسدية، كلها أفعال منهي عنها شرعًا،
وبالتالي فكل مشاركة أو دعم لمحتوى يتضمن سخرية أو إهانة يضعك في موقع المتعدي على
حدود الله، مما يهدد سلامك الروحي والنفسي.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أكد على حرمة إيذاء المسلم بقوله أو
فعله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».
وهذا الحديث الشريف يشمل بوضوح الأذى اللفظي والمعنوي الذي يقع من
خلال التنمر الإلكتروني، فاللسان هنا لا يقتصر على الكلام المنطوق، بل يمتد ليشمل
الكلمات المكتوبة والمنشورة عبر المنصات الرقمية، فحماية نفسك من أن تكون مصدر أذى
للآخرين هي صميم السلامة النفسية
ويعد التهديد بنشر الصور أو المعلومات الخاصة انتهاكًا صارخًا
للخصوصية، التي كفلها الإسلام وحذر من التعدي عليها، فالأعراض مصونة، والتشهير
بالناس ونشر فضائحهم -حتى لو كانت حقيقية- محرم إلا بضوابط شرعية صارمة، فكيف إذا
كان ذلك بالباطل والإشاعات الكاذبة؟ المساهمة في هذه الأفعال أو حتى الصمت حيالها
يلوث روحك ويجلب لك القلق
فالإسلام دين الرحمة والعدل، ويحث على التعاون على البر والتقوى،
وينهى عن التعاون على الإثم والعدوان، والتنمر الإلكتروني بلا شك هو عدوان يضر
بالفرد والمجتمع، وينشر ثقافة الكراهية والخوف، ويقوض الثقة بين الناس، فيهدم
الأخلاق ويضعف الروابط الإنسانية التي يدعو إليها الإسلام.
لذا، فإن تجنبك للتنمر
الإلكتروني ليس فقط التزامًا دينيًا وأخلاقيًا، بل هو استثمار مباشر في صحتك
النفسية وسلامك الداخلي، والابتعاد عن هذه الممارسات يحميك من مشاعر الذنب،
والعداء، والقلق المرتبطة بالانخراط في سلوكيات مؤذية، ويساعدك على بناء بيئة
رقمية صحية لك وللآخرين.
لذلك، فإن حرمة التنمر الإلكتروني ليست مجرد اجتهاد فقهي، بل هي جزء
لا يتجزأ من المبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام، والتي تهدف
إلى بناء مجتمع متراحم ومتعاون، يحفظ كرامة الإنسان، ويصون حقوقه، ويضمن له الأمن
والسلامة النفسية في كل مكان، بما في ذلك الفضاء الرقمي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ
من حياتنا.