في كل مشهد من
مشاهد الهجرة، نجد دليلا واضحًا على الأخذ بالأسباب، مع تحقيق التوكل على الله
تعالى، فمنها:
١ - السرية التامة في التخطيط للهجرة: وتمثل ذلك في عدم إفصاح النبي صلى الله عليه
وسلم عن نيته في الهجرة، إلا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل حتى في حواره معه
لم يصرح بذلك، بعدما أذن الله له بالهجرة، قال ابن عباس:" أُذن له صلى الله
عليه وسلم بالهجرة بقوله تعالى: {وَقُل
رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡق وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡق}
[الإسراء: ٨٠] فاختار النبي صلى الله عليه وسلم ليلة
الهجرة ووقتها بعناية، متخفيًا في ساعة لا تُراقب فيها الطرق، ويندر بها المارة،
قال ابن إسحاق: "ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين
خرج أحد إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر، وآل أبي بكر".
٢ – اختيار الرفيق الصالح: وهذا من أصول منهج النبي صلى الله عليه وسلم في
الحياة والتعامل، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تُصاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا».
فاختار أبا بكر، صاحب العقل الرزين، والوفاء والإخلاص الكبير، وذلك حينما تجهز أبو
بكر مهاجرا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَلى رِسْلِكَ فَإني أرجُو
أن يُؤذَن لِي». فقال: "هل ترجو
ذلك يا رسول الله بأبي أنت؟". قال: «نَعم». فحبس أبو بكر نفسه على
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه.
٣ – استطلاع أخبار العدو: وهذا أشبه ما يكون بتكوين جهاز مخابرات نبوية، تَكوَّن
من عبد الله بن أبي بكر، ليأتي ليلًا بأخبار قريش، وأسماء بنت أبي بكر، لتحمل
الزاد، وعامر بن فهيرة، ليرعى الغنم بالقرب من الغار ليمحو آثار الأقدام، مع أنه صلى
الله عليه وسلم في إخبار جبريل له بأخبارهم كفاية، لكنه أراد أن يعلم الأمة
التخطيط والحيطة، والتدابير في مواجهة العدو.
٤ - الاختباء في غار ثور: بدلاً من الاتجاه مباشرة إلى
المدينة، فقد اختبأ مع صاحبه في الغار ثلاثة أيام كاملة، حتى تهدأ المطاردة، وبالرغم
من أن الله قادر على أن يخفيه دون غار، لم
يترك التوكل على الله، مع اتخاذ الأسباب المادية، ووصل المشركون إلى الغار بسيوفهم،
فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم:"لو
نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا!".
فقال:
«يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟».
وقد سجل القرآن ذلك، فقال
تعالى: {ثَانِيَ
ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ
ٱللَّهَ مَعَنَاۖ} [التوبة: ٤٠] فهذا المشهد يجمع بين الاجتهاد البشري المتمثل في الاختباء
والاحتياط، وبين التوكل الكامل على الله، فقد كان صلى الله عليه وسلم في منتهى
السكينة، لأنه يعلم أن النصر من عند الله وحده.