Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التوكل على الله والأخذ بالأسباب معا من نجاح الهجرة النبوية

التوكل على الله والأخذ بالأسباب معا من نجاح الهجرة النبوية

الهجرة النبوية جسدت التوكل الحق على الله مقترنًا بالأخذ الكامل بالأسباب والتخطيط الدقيق، فلم يعتمد النبي ﷺ على المعجزات وحدها بل وظف الحكمة في اختيار الرفيق والطريق والوقت، ليؤكد أن النجاح لا يتحقق بالتواكل وإنما بالعمل والجد والاجتهاد مع يقين القلب بربه، فبناء الحضارة يحتاج إيمانًا قويًا وعقلًا مفكرًا وخطوات عملية واقعية على نهج الهجرة.

الأخذ بالأسباب مع تحقيق التوكل على الله

إنَّ الهجرة النبوية المشرفة إلى المدينة، لم تكن مجرد انتقال مكاني، أو هروب من الأذى، بل كانت حدثًا فارقا في تاريخ الإسلام، اشتمل على المعاني والدروس العظيمة.

ومن أبرزها: تحقيق التوكل على الله عز وجل، مع الأخذ بالأسباب المادية المشروعة.

ولما كان التوكل على الله من أفعال القلوب أمرا خفيا، وعقيدة قلبية، والعباد متفاوتون في تحقيقه، صار من أخص صفات المصطفين الأخيار من العباد، وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره ربه بتحقيقه، فقال: {فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ} [هود: ١٢٣]،  وقال: {وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: ٥٨]، وقال: {وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} [الشعراء: ٢١٧]، وقال مخاطبا عباده الذين تتنور قلوبهم بأنوار الحق واليقين: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [المائدة: ٢٣].

فرسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أكمل الخلق توكلًا على الله، ومع ذلك لم يترك التخطيط والأخذ بالأسباب المادية في الهجرة إلى المدينة، بل أخذ بالتدبير، والتنظيم، مما علَّم به الأمة درسا عظيما، وهو: أن النجاح في الحياة لا يتحقق بالتواكل، بل بالتوكل المقرون بالعمل والاجتهاد، مع الأخذ بالأسباب.

حقيقة التوكل

وعلَّمَنا أن التوكل في جوهره هو: "اعتماد القلب على الله، واليقين بأن الأمور كلها بيد الله، مع السعي والاجتهاد في تحصيل المطلوب"، فمثلا في قول تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} [المائدة: ٢٣] قد جاء بعد قوله: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ} [المائدة: ٢٣]، فقد أمرهم نبيهما صلى الله عليه وسلم أولا بالأخذ بالأسباب لتحقيق النصر، مع تحقيق التوكل على الله، والاعتماد عليه.

وهذا ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، فقال: «لَو أَنَّكُم تَتوكَلُونَ عَلى اللهِ حقَّ توكلِهِ لَرَزقكم كَما يَرزقُ الطيرَ تغدو خِمَاصًا وتروحُ بِطَانًا» ، فالله تكفل برزق الطير، لكنها تأخذ بالأسباب، فتغدو وتروح، باحثة عن رزقها، ولا تمكث منتظرة بحجة التوكل.

التخطيط النبوي للهجرة المشرفة

في كل مشهد من مشاهد الهجرة، نجد دليلا واضحًا على الأخذ بالأسباب، مع تحقيق التوكل على الله تعالى، فمنها:

١ - السرية التامة في التخطيط للهجرة:  وتمثل ذلك في عدم إفصاح النبي صلى الله عليه وسلم عن نيته في الهجرة، إلا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل حتى في حواره معه لم يصرح بذلك، بعدما أذن الله له بالهجرة، قال ابن عباس:" أُذن له صلى الله عليه وسلم بالهجرة بقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡق وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡق}  [الإسراء: ٨٠] فاختار النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة ووقتها بعناية، متخفيًا في ساعة لا تُراقب فيها الطرق، ويندر بها المارة، قال ابن إسحاق: "ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج أحد إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر، وآل أبي بكر".

٢ – اختيار الرفيق الصالح:  وهذا من أصول منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة والتعامل، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تُصاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا». فاختار أبا بكر، صاحب العقل الرزين، والوفاء والإخلاص الكبير، وذلك حينما تجهز أبو بكر مهاجرا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَلى رِسْلِكَ فَإني أرجُو أن يُؤذَن لِي»فقال: "هل ترجو ذلك يا رسول الله بأبي أنت؟". قال: «نَعم». فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه.

٣ – استطلاع أخبار العدو:  وهذا أشبه ما يكون بتكوين جهاز مخابرات نبوية، تَكوَّن من عبد الله بن أبي بكر، ليأتي ليلًا بأخبار قريش، وأسماء بنت أبي بكر، لتحمل الزاد، وعامر بن فهيرة، ليرعى الغنم بالقرب من الغار ليمحو آثار الأقدام، مع أنه صلى الله عليه وسلم في إخبار جبريل له بأخبارهم كفاية، لكنه أراد أن يعلم الأمة التخطيط والحيطة، والتدابير في مواجهة العدو.

٤ - الاختباء في غار ثور: بدلاً من الاتجاه مباشرة إلى المدينة، فقد اختبأ مع صاحبه في الغار ثلاثة أيام كاملة، حتى تهدأ المطاردة، وبالرغم من أن  الله قادر على أن يخفيه دون غار، لم يترك التوكل على الله، مع اتخاذ الأسباب المادية، ووصل المشركون إلى الغار بسيوفهم، فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم:"لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا!".  فقال: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟».

وقد سجل القرآن ذلك، فقال تعالى:  {ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ} [التوبة: ٤٠] فهذا المشهد يجمع بين الاجتهاد البشري المتمثل في الاختباء والاحتياط، وبين التوكل الكامل على الله، فقد كان صلى الله عليه وسلم في منتهى السكينة، لأنه يعلم أن النصر من عند الله وحده.

الاستعانة بالخبراء لإنجاح الأعمال

لم يسلك النبي صلى الله عليه وسلم الطريق المعتادة إلى المدينة، بل سلك طريقًا غير مألوف، واختار دليلًا محترفًا يعرف طرق السفر في الصحراء، مع أنه كان مشركا، لكن الكفاءة والوفاء كانت هي المعيار في الاختيار، وهكذا يعلمنا اختيار أهل الكفاءة وتقديمهم، للنفع العام للأمة.

ومما سبق نستفيد دروسا أخرى غالية، منها:

١ - أن بناء الحضارة  لا يكون بالدعاء فقط، بل مع العمل، والعلم، والتنظيم، والتخطيط.

٢ - التوكل على  الله، لا يعني تجاهل الواقع، وعدم الاستعداد له، بل يعني مواجهة الواقع بإيمان وفكر وعمل.

٣ - في مواجهة الشدائد، يجب أن يكون المسلم حسن الظن بربه، مع عدم الإهماِل في واجباته.

٤ - علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة أن المسلم لا يعيش في الخيال، بل يخطط، و يعمل، ويتحرك، ويتوكل على ربه  دون تواكل، أو كسل، فالهجرة لم تكن نصرًا بالتمني، وإنما هي نصر بتحقيق التوكل، والعمل المنظَّم، وأن التوكل عمل القلب، والأخذ بالأسباب عمل الجوارح، ولا يستغني أحدهما عن الآخر.

الخلاصة

الهجرة النبوية كانت نموذجًا عمليًا جسد حقيقة التوكل على الله مع الأخذ الكامل بالأسباب، والتخطيط الدقيق. ولم يعتمد النبي صلى الله عليه وسلم على المعجزات فقط، بل استخدم الحكمة والتنظيم في اختيار الوقت المناسب، والرفيق الصالح، والطريق غير المعتاد، فكل خطوة كانت مدروسة، ليعلم الأمة أن النجاح لا يكون بالتواكل، بل بالعمل والتخطيط والإيمان. وأن التوكل ليس كسلًا أو استسلامًا، بل هو اعتماد القلب على الله مع بذل الجهد، وأن بناء الحضارة يحتاج إلى إيمان قوي، وعقل مفكر، وخطوات عملية واقعية.

موضوعات مختارة