Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

لا تحزن: فأنت في معية ربك

لا تحزن: فأنت في معية ربك

مع بداية العام الهجري يتجدد اليقين بأن الله هو السند الحق والملاذ الآمن وسط تقلبات الحياة، قصة الغار الخالدة تبيّن أن الثقة بالله تُثمر الطمأنينة والنجاة وتبدّد الخوف والقلق، فالمؤمن في كنف رب رحيم قريب يُبدّل الألم بالعطاء والضيق بالفرج، والمعية الإلهية تغرس في القلب الصبر الجميل وتضيء دروب الأمل وتعلّم الرضا والقناعة.

اليقين بمعية الله

مع بداية عام هجري جديد، إليك جرعة دواء لحال تتسارع فيه الآلام، وتتوالى فصول الأحزان على قلوبنا، فتُثقِل كاهلها وتُضيق فضاءها، ونستشعر بالغربة القاسية وسط ضجيج البشر الصاخب، وبالوحدة الموحشة رغم كثرة الوجوه التي تعبر أمامنا، ولكن في خِضم هذه المشاعر المتدافعة التي تزلزل الكيان والبنيان، يظل هناك نبراسٌ وضَّاءٌ يضيء دروبنا المعتمة، وملاذ آمن تهوي إليه الأرواح المتعبة لتجد فيه السكينة والاطمئنان، إنه اليقين بمعية الله -سبحانه وتعالى-.

فكم من مرة داهمك الخوف من المجهول الذي يلف المستقبل، أو ألم الفراق الذي يُمزق القلوب، أو قسوة الظروف التي تلوح في الأفق؟ في تلك اللحظات الحرجة، قد تتسلل إلينا وساوس اليأس، وتتراءى لنا الدنيا وكأنها سجنٌ مظلمٌ لا نهاية له، ولكن هل توقفنا لحظة لنتأمل قول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل، تلك الكلمات الخالدة التي تحمل في طياتها كل العزاء والسكينة: {لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ} [التوبة: ٤٠] ، فهذه الآية الكريمة، التي نُطقت في أحلك الظروف وأشدها قسوة، عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في الغار، هي البلسم الشافي لكل قلب موجوع، والرسالة المطمئنة لكل روح قلقة، تزرع فيها الأمل وتبدِّد عنها اليأس، وكما قال الله -عز وجل- في الحديث القدسي: «أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي» ( متفق عليه ).

لا تحزن: رسالة من الله إليك في كل وقت

فلا تحزن إن الله معنا.. كلمات خرجت من الفم المعظم لتخاطب وجدانك، فمعية الله ليست مجرد كلمة عابرة تُقال على الألسن، بل هي حقيقة راسخة لا تتزعزع، ووعدٌ إلهيٌّ لا يتخلف مهما تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال،  إنها رسالة محمدية مُلهِمَة تعني: أنك لست وحدك في هذه الدنيا الفانية، وأن هناك قوة عظمى لا تضاهيها قوة ترعاك في كل حين، وحكمة بالغة تدبر أمرك في كل شأن، وتوجّه مسارك حيث يكمن الخير لك، فعندما تشعر بوطأة الحزن تثقل صدرك، أو بالهموم تنهش روحك، تذكّر على الفور أن الله معك، فهو معك بعلمه المحيط الذي لا يغيب عنه شيء، يحيط بكل خافية وجلية، ويعلم ما توسوس به الصدور، كما قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ} [الحديد: ٤]، معك بقدرته المطلقة التي لا يعجزها شيء في السماوات والأرض، فإذا أراد شيئًا قال له: كن، فيكون،  معك بلطفه الخفي الذي يغمر كل محتاج، وبإحسانه الذي يطوق القلوب المنكسرة ، ومعك برحمته الواسعة التي وسعت كل شيء، فهي تسبق غضبه وتعم بره وفضله، كما جاء في الحديث الشريف: «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابٍ، فَهُوَ عِندَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» (صحيح البخاري ومسلم).

الله مالك الملك

فلا تحزن أبدًا على رزقٍ فاتك، فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو قادر على أن يرزقك من حيث لا تحتسب، قال تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا} [هود: ٦]،  ولا تحزن على أمنيةٍ لم تتحقق بعد، فالله يعلم ما هو خير لك في عاجل أمرك وآجله، وقد يكون تأخير تحقيقها هو عين العطاء، فهو يدّخر لك ما هو أفضل وأبقى، قال تعالى: {وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ}، ولا تحزن على جرحٍ غائر في روحك، فلكل داء دواء، والله هو الشافي المعافي الذي بيده الشفاء من كل سقم.

جمال الحياة مع المعية الربانية

إن معية الله تمنحك القوة العظيمة لتواجه أعتى الصعاب بشجاعة وثبات، وتُكسبك الصبر الجميل لتتجاوز أشد المحن بثقة واطمئنان، وتزرع في قلبك الأمل المشرق لتُحيي فيك كل جميل وتُجدد روحك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (صحيح مسلم).

اليقين بالله سعادة وفرج

اجعل لحظة بداية عامك الجديد، لحظة لطف، فعندما تتسلل إليك خيوط اليأس القاتمة، وتُحاول أن تُغرقك في بحر الظلمات، تذكّر جيدًا أن الله أقرب إليك من حبل الوريد، يسمع دعاءك الخافت، ويرى دمعك الساخن، ويجيب سؤالك قبل أن تنطق به شفتاك، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ} [البقرة: ١٨٦]،  وهو معك حين تضج المساجد بتسبيح المسبحين وتكبير المكبرين، ومعك حين تخلو بنفسك في جوف الليل لتناجي ربك وتفضفض له ما في صدرك، ومعك في كل سجود تسجده لله، تتساقط فيه ذنوبك وتُرفع درجاتك، ومعك في كل خطوة تخطوها نحو رضاه، لتنال قربه وتستشعر معيته.

تذكر وأنت مع بداية هذا العام الجديد، أنك في معية الله التي هي الوقود الذي يشعل قناديل الأمل المنطفئة في دروب اليأس المظلمة، وهي الطمأنينة التي تُسكّن قلوب المضطربين وتُريح أرواح المتعبين، فثق بربك ثقة تامة لا يخالطها شك، واستعن به في كل أمورك صغيرها وكبيرها، وأحسِن الظن فيه دائمًا، فهو عند ظن عبده به، كما أسلفنا في الحديث القدسي.

واعلم أن كل ما يصيبك في هذه الحياة هو بقدَرٍ إلهيٍّ مُحكَم، وأن خلف كل ابتلاء يخبئ الله لك حكمة بالغة لا يعلمها إلا هو، وأن بعد كل عسر وضيق يأتي يسر وفرج ورحمة، قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا} (الشرح: ٥-٦).

دع الحزن يرحل عن قلبك إلى غير رجعة، واستبدله بـاليقين المطلق بأن الله معك ولن يتخلى عنك، فقط انظر إلى الدنيا بعين الرضا والقناعة، وتذكر دائمًا أنك في كنف الرحيم الودود، الذي لا يترك عبده أبدًا، فإذا كانت معية الله تحفك من كل جانب وتُحيطك برعايته وعنايته، فماذا يبقى للحزن أن يفعل بك؟ قم واعمل بجد ونشاط، واسعَ واجتهد في طلب الرزق والخير، وتوكل على الحي الذي لا يموت، الذي بيده ملكوت كل شيء، فوالله لن يُخذَل ولن يضيع مَن كان الله معه في كل خطوة يخطوها، فقط ردِّد معي: يا صاحب اللطف الخفي، بك أستعين وأكتفي.

الخلاصة

نُدرك أن اليقين بمعية الله هو السراج الذي يبدد ظلمات الحزن، ويغمر القلوب المنكسرة بنور الطمأنينة. فمهما اشتدت الظروف وضاقت الدنيا، تذكّر أنك في رعاية وعناية وحفظ من لا يغفل ولا ينام، ولنترك كل الأحزان والأوهام، فلطف الله وستره يغمرنا على الدوام، فلنفتح مع العام الهجري الجديد صفحة بيضاء عنوانها: الثقة بالله، والرضا بقضائه، وحسن الظن بوعده، فهو القائل: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء" لا تحزن، فالله معك.. واليأس لا يعرف طريقه إلى قلب امتلأ باليقين.

موضوعات مختارة