ومن أعظم
ما أظهرته هذه المرحلة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم براعة قيادته صلى الله عليه وسلم للأمة، وسمو هذه القدوة العملية، وهو درس خالد للمصلحين،
والدعاة، والمربين، وصنّاع القرار في كل زمان ومكان.
ولقد أظهر النبي صلى الله عليه وسلم في كل أحداث الهجرة المشرفة صفات القائد العظيم،
الذي لا يكتفي بالتوجيه النظري فقط، بل إنه يتقدم الصفوف، ويتحمل العبء، ويُجسد ما
يطلبه من أتباعه أداء سلوكًا حيًّا على أرض الواقع، مما جعل الهجرة أنجح عملية
انتقال استراتيجية في التاريخ الإسلامي، كانت لها أثرها في بناء المجتمع.
كان من صفات القائد القدوة التي أظهرتها
حادثة الهجرة في النبي صلى الله عليه وسلم أنه القائد الذي يُخطط ولا يستسلم
للواقع وصعوباته، وبالرغم من أن مكة كانت مهد الإسلام، وقد لاقى فيها النبي صلى
الله عليه وسلم ما لاقاه من أذى واضطهاد، إلا أنه في أثناء كل هذا الابتلاء لم
يتوقف عن التفكير والتخطيط لبناء دولة الإسلام في أرض جديدة.
فاختار الله له المدينة المنورة بحكمة منه،
لأنها كانت مؤهلة اجتماعيًا، وسياسيًا، لاحتضان رسالة الإسلام، ونشره في ربوع
المعمورة.
وفي أحداث الهجرة، لم يكن التخطيط لمجرد الهروب،
بل كانت عملية منظمة شارك فيها عدد من الصحابة، كلٌّ أدى دوره فيها، من توفير
المعلومات، إلى تعمية الأثر على العدو، إلى تأمين الزاد، إلى اختيار الدليل
المناسب... إلخ.
وكل ذلك يدل على أن قيادة النبي صلى الله
عليه وسلم ليست عفوية، بل كانت تعتمد على التخطيط العميق، والحذر المدروس، والحكمة
في اتخاذ القرارات.
وكان من أروع ما نراه في الهجرة، أن النبي صلى
الله عليه وسلم لم يُكلف غيره بالهجرة ويبقى هو، بل كان هو أول المهاجرين مسؤولية،
وأعلاهم في التضحية. فقد اختبأ
في الغار، ومشى في الليل، وخاض الصحاري والجبال، وتحمل التعب والجوع والعطش، ومعه
أبو بكر رضي الله عنه.
فقد كان صلى
الله عليه وسلم القدوة العملية. وهكذا تكون القيادة المُلهمة السابقة لأتباعها
بالفعل، لا بالقول فقط.