في حادث الهجرة
النبوية، لعبت المرأة دورًا هاما لإنجاح هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهن: أسماء
بنت أبي بكر رضي الله عنهما، التي تحدت مطاردة قريش، فقامت بحمل أمانة يُشفق منها الرجال،
فكانت تقطع المسافات البعيدة في جوف الليل
وظلمته، ووحشة الطريق، تمشي بين أسنة الصخور والرمال، حذرة مترقبة حتى تصعد إلى
قمة الجبل، ثم تنحدر في جوفه فتوافي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباها كل ليلة
بالزاد والماء، وبما سمعته، أو رأته، من حديث قريش. وهي الشابة الصغيرة المرفهة،
لكنها فازت بدور الفدائي، ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم الرحيل من الغار
متجهاً إلى يثرب جهزت الزاد والماء، ولم تجد ما تربطهما به، فشقت نطاقها وربطتهما
به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة». فقيل لها: "ذات النطاقين". فضربت المثل المشرف للمرأة المسلمة الشجاعة التي
تشارك في الأحداث الكبرى بقوة ووعي وإخلاص، خدمة لدينها، ووطنها، وأمتها.
فلتكوني مثلها أيتها الدرة المصونة، في مثل
حالها خدمة لدينك ووطنك وأمتك، فأنت الأساس.
بل دعنا ننظر إلى دور المرأة المشرف في
الثبات على الدين، وقوة الإيمان، من خلال الهجرات المنفصلة التي سبقت هجرته صلى
الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، فمثلا أمنا أم سلمة رضي الله عنها، التي ضربت مثلاً في
الثبات على العقيدة، والصبر على فراق الأهل، والولد، والوطن، حيث هاجرت وحدها إلى
المدينة، رغم ما تعرضت له من الأذى، مما يظهر لنا روح المرأة المسلمة المجاهدة في
سبيل الله.
فلقد تعرضت في هجرتها لأذى لا تتحمله أية امرأة أخرى: إنها لما أرادت الهجرة
مع زوجها أبي سلمة وابنها سلمة، اعترض طريقهم أهلها بنو المغيرة، فنزعوا خطام
البعير من يد زوجها، وأخذوها منه، وغضب بنو عبد الأسد، أهل زوجها، وقالوا: "والله
لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها صاحبنا"، فتجاذبوا الطفل سلمة حتى خلعوا
يده، ثم انطلقوا إلى موطنهم، وحبس بنو المغيرة أم سلمة عندهم، وانطلق أبو سلمة. فلم
تمل ولم تيأس حتى أذن الله لها.
روى ابن هشام في: (سيرته) عنها رضي الله
عنها تقول: "فكنت أخرج كلّ غداةٍ فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي،
سنة أو قريبًا منها، حتى مر بي رجل من بني عمي، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني
المغيرة: "ألا تَحَرَّجُون من هذه المسكينة؟ فرّقتم بينها وبين زوجها وبين
ولدها". فقالوا: "الحقي بزوجك
إن شئتِ". فردّ بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني، فارتحلتُ بعيري ثم أخذت ابني
فوضعته في حِجْري، ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله".
وهاجرت مثلهن سيدتنا رقية بنت رسول الله صلى
الله عليه وسلم برفقة زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو أول من هاجر إلى
الحبشة، وأسلمت وهي ذات سبع سنين، مع أمها خديجة رضي الله عنها.
وهنا درس غال -نتأمله- يدرس للمسلمين عامة،
وللمرأة المسلمة خاصة، فهذا المشهد يعكس لنا مدى ارتباط البنت بأمها، واتخاذها
القدوة والمثل الأعلى لها، و مدى عظمة أثر الأم في تربية أبنائها، وحب الأبناء لوالديهم،
والثقة في كل تصرفاتهم، فما أسلمت خديجة إلا وسرعان ما أسلمت رقية رضي الله عنهما
بلا تردد ولا شك، مما يؤكد لنا معاني الجمال وعظمة التربية التي كان عليها البيت
النبوي المحمدي.
فما أحوجنا إلى غرس تلك الأخلاق اليوم في
تربية الأجيال.
وكانت قد تزوجت عثمان بن عفان، وهاجرت
برفقته إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وقد توفيت وهي تبلغ من العمر اثنتان وعشرون
سنة، ودفنت بالبقيع.
وكانت تعرف: "بذات الهجرتين". أي
هجرة الحبشة، وهجرة المدينة.
ولما أراد عثمان بن عفان الخروج إلى أرض
الحبشة، قال له رسول الله: «اخرُجْ برُقَيَّةَ معكَ، قالَ: إِخالُ واحدًا
منكُما يَصْبِرُ على صاحبِهِ».
ثم أرسل النبي أسماء بنت أبي بكر فقال: «ائتِني بخَبَرِهما». فرجعت أسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
وعنده أبو بكر، فقالت: يا رسول الله، أخرج حمارا موكفًا فحملها عليه، وأخذ بها نحو
البحر. فقال: «يا أبا بَكْرٍ، إنَّهُما لَأوَّلُ مَن هاجَرَ بعْدَ لُوطٍ
وإبراهيمَ».