السلام في الإسلام قيمة عامة وشاملة، ينتظم فيها سلام
الإنسان مع نفسه، وأهل بيته، ومجتمعه، وإخوانه في الدين، ومع المخالفين له في المعتقد،
بل وجميع الكون من حوله، ومن هذه التطبيقات:
- إفشاء السلام: جاءت
توجيهات سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تؤكد قيمة السلام، وتأمر
بنشره وبذله، فقال صلى الله عليه وسلم «يا أيها الناس، أفشوا السلام،
وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة
بسلام» [رواه احمد والترمذي وابن ماجة] وهو أمر مباشر بنشر ثقافة
السلام والمحبة.
وربط النبي – صلى الله عليه وسلم - بين
الإيمان، والمحبة، والسلام، وجعل الأخير مدخلًا للسلام الروحي والاجتماعي،فقال: «لا تدخلون الجنة حتى
تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا
السلام بينكم» [رواه مسلم].
وتحية
المسلمين التي تؤلف القلوب وتقوي الصلات وتربط بينهم، هي السلام،
والمشهور من تحيّة سيدنا رسول الله –
صلى الله عليه وسلم – قول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، وفي الرّد (وعليكم
السلام ورحمة الله) وقد بيّن صلى الله عليه وسلم أن ردّ السلام أمر
واجب، وجعله حقّاً من حقوق الأخوّة الإسلاميّة فقال: «حقُّ المسلمِ على المسلمِ
خمسٌ: ردُّ السلامِ، وعيادةُ المريضِ، واتباعُ الجنائزِ، وإجابةُ الدعوةِ، وتشميتُ
العاطسِ» [متفق عليه]، وقد جعل الله تحية المسلمين بهذا اللفظ، للاشعار
بأن دينهم دين السلام والأمان، وهم أهل السلم ومحبوا السلام.
والمسلم مكلف وهو
يناجي ربه بأن يسلم على نبيه صلى الله عليه وسلم، وعلى نفسه، وعلى عباد
الله الصالحين، فإذا فرغ من مناجاته لله وأقبل على الدنيا، أقبل عليها من جانب
السلام، والرحمة، والبركة.
وبالعودة إلى سيرة النبي – صلى الله
عليه وسلم - نجد أنه كان من أكثر الناس إفشاءً للسلام، دون أن يفرّق بين صغيرٍ
وكبير، وصديقٍ وغريب، ورجلٍ وامرأة، فها هو عليه الصلاة والسلام يمرّ على
قومٍ لا يعرفهم ولا تربطه بهم علاقة، في مكانٍ يُقال له " الروحاء "
فيبتدرهم بالسلام، [رواه أبو داود]، وأشار إلى فضل ذلك
عندما سئل سيدنا: «أَيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ:تُطْعِمُ الطَّعَامَ،
وَتَقْرَأُ السَّلَامَ، عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» [متفق عليه].
- السلام الشخصي
والروحي: يبدأ السلام من داخل النفس، حينما
يطمئن الإنسان إلى إيمانه وقدره، ويكون راضيًا بما قسم الله له، مما ينعكس على
علاقته بالآخرين، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ - صلى الله عليه وسلم-: «اَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ
أَغْنَى النَّاسِ» [
الترمذي والحاكم].
- السلام الأسري: حثّ الإسلام على المعاملة الحسنة داخل الأسرة، بين الزوجين،
وبين الوالدين والأبناء، ودعا إلى الرحمة والمودة كأساس لبناء أسر مستقرة يسودها
الحب والطمأنينة، قال
تعالى: {وَمِنۡ
ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ
إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ
لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: ٢١]
- السلام
المجتمعي: يُعنى الإسلام بإرساء السلم داخل المجتمعات، وذلك من خلال تعزيز قيم
التسامح، ونبذ الكراهية والعنف، وإشاعة ثقافة الحوار، وتُترجم هذه المبادئ اليوم
في مبادرات المصالحة الوطنية، ومراكز الإصلاح الأسري، وجهود الوساطة المجتمعية، {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ
مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ
ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ
عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا} [النساء: ١].
- السلام بين الأديان والثقافات: الإسلام لا
يفرض عقيدته بالقوة، بل يدعو إلى الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، وأجاز للمسلمين
التعايش السلمي مع أتباع الديانات الأخرى، بل وأوصى بحسن معاملتهم ما لم يكن منهم
اعتداء، قال
تعالى: {لا إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ} [البقرة: ٢٥٦]، وقال:
{ٱدۡعُ إِلَىٰ
سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم
بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ
وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ} [النحل: ١٢٥]، وقال:
{لَّا يَنۡهَىٰكُمُ
ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم
مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ
يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ *
إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ
وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن
تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ} [الممتحنة: ٨-٩].
- السلام العالمي: الإسلام يؤمن
بوحدة الأسرة الإنسانية، ويدعو إلى إقامة علاقات دولية قائمة على السلم والعدل
والاحترام المتبادل، حيث قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا
وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ} [الحجرات: ١٣]،
وتظهر هذه
المبادئ اليوم في حل النزاعات عبر الحوار والتفاهم، ورفض الظلم والعدوان،
والدفاع عن المظلومين ضمن إطار سلمي وقانوني، والدعوة إلى الاحتكام
للقانون الدولي.
- السلام البيئي: في العصر
الحديث تزايدت أهمية السلام البيئي، لحماية الكون ومن فيه من الفساد والضرر،
والإسلام ينهى عن الإفساد في الأرض، كما قال تعالى: {ولَا
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}
[الأعراف: ٥٦].
وقد تُرجم ذلك اليوم إلى دعم الاستدامة
البيئية، وتشجيع المبادرات الخضراء، ومقاومة التلوث والاحتباس الحراري، وهي
تطبيقات حديثة لمفهوم (الخلافة في الأرض) {ثُمَّ
جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ
تَعۡمَلُونَ} [يونس: ١٤].
- السلام الرقمي: مع تطور التكنولوجيا، أصبح الفضاء الرقمي ميدانًا جديدًا
يتطلب السلام، نظرا لخطر سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني
على الأفراد والمجتمعات والدول.
ولهذا أمرالإسلام بضبط اللسان وحفظه عن
الخوض فيما لا علم للمرء به، وأحصى كل كلمة عليه ليسأل عنها يوم القيامة، قال
تعالى: {مَّا
يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ} [ق: ١٨]، وقال:
{وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا} [النبأ:
٢٩]، وقال: {وَوَجَدُواْ
مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا} [الكهف: ٤٩]، وهو ما يتجسد في حملات مكافحة خطاب الكراهية والأخبار الزائفة
والتنمر الإلكتروني.