يرى الباحث الفرنسي (إريك يونس جوفرا)،
الذي اعتنق الإسلام واتخذ من التصوف دربًا روحانيًا، أن المستقبل الحقيقي للإسلام
لا يكمن في التيارات الأيديولوجية الحركية التي تقوم على الإقصاء والتعصب ورفض
المخالف، بل في الإسلام الروحي الذي يتجلى في التصوف[صـ: ١١٢، كتاب المستقبل للإسلام الروحاني].
ففي رؤيته، يُقدِّم التصوف نموذجًا منفتحًا يتقبل التعددية الفكرية،
ويُمكِن أن يشكّل بديلًا حقيقيًا لكل تيارات الإسلام السياسي التي أدت إلى التشظي والانقسام
في العالم الإسلامي، بسبب ما قامت عليه من عنف رمزي ومادي تحت دعاوى دينية.
هذه الرؤية ليست بعيدة عن مواقف تراثية راسخة، فقد عبّر عنها الإمام
أبو حامد الغزالي بوضوح حين قال عن أهل الملل الأخرى من نصارى الروم والترك في
أقاصي البلاد: "أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء
الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والفرس، ولم تبلغهم الدعوة..." [الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، صـ: ١٧١].
إن هذه العبارة تدل على عمق في الفهم الصوفي للإيمان، حيث يتسع صدر
المؤمن ليشمل الرحمة حتى لأولئك الذين لم يتبعوا الإسلام، ما داموا لم تقم عليهم
الحجة، ويتجلى في كلام الغزالي حسن ظن عام بالبشر، وسعة صدر تتجاوز حدود الطائفة
إلى رحابة الإنسانية؛ هذا هو جوهر التصوف: التماس العذر، وتمني الخير، بل والدعاء
بالرحمة للمخالف، لا الطرد ولا الإدانة.
ولم يقف التصوف عند حدود "قبول الآخر"، بل تجاوزه إلى أسمى
مراتب العفو والصفح حتى عن الظالمين. ومن أروع الشواهد على ذلك ما يُروى عن الحسين
بن منصور الحلاج حين قُبض عليه وسُجن، ثم سيق للقتل، فرفع يديه داعيًا لمن سعوا في
إعدامه بقوله: "هؤلاء عبادك، قد اجتمعوا على قتلي تعصبًا لدينك وتقربًا إليك،
فاغفر لهم، فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي، لما فعلوا ما فعلوا، ولو سترت عني ما
سترت عنهم، لما ابتُليت بما ابتُليت"
[عبد الرحمن بدوي، شهيد التصوف الحلاج، صـ: ٢٣٠].
وموقف الحلاج هو مثال على التوجه الصوفي في الأخلاق والآداب فهم قوم
قد تطهرت قوبهم من الغلّ والحقد، وبلغوا في التسليم والصفاء مبلغًا ساميًا، فكانوا
سلما وسلامًا، ليس فيهم معتد أو ساع لهلاك أو ضرر أو انتقام.
إن هذا النموذج الصوفي في التعامل مع الآخر، سواء أكان مختلفًا في
العقيدة، أو معتديًا في السلوك، يُقدِّم أنموذجًا إنسانيًا وروحيًا فريدًا في
تاريخ الفكر الإسلامي، وهو ما يجعل الدعوة إلى "منهج صوفي" لا تعني
الانسحاب من العالم، بل تعني الدخول فيه بقلب مسالم وروح متصالحة.