السلام قيمة عظيمة، فالسلام في الإسلام ليس
مجرد غيابٍ للسلاح، ولا توقفٍ مؤقتٍ لصوت الحرب، بل هو حالة شاملة من الأمن
والسكينة والوئام تشمل علاقة الإنسان بربّه، وبنفسه، وبالناس من حوله، فالسلام في الإسلام يبدأ من السلام مع الله – عز وجل -، وذلك بالاستسلام
لأمره، والعمل بطاعته، والرضا بحكمه، ثم السلام مع النفس بالتحرر من أهوائها،
وتنقيتها من أحقادها وغلها وحسدها، ثم السلام مع الناس بالتعامل بالعدل، والإحسان،
والبر، والتعاون على البر والتقوى، يقول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا
اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة
المائدة، جزء من الآية: ٢].
وفي التعامل مع غير المسلمين،
قرر الإسلام قاعدة ربانية عظيمة:
توضح عظمة الإسلام في تعامله مع غير المسلمين، وكيف
رسم الإسلام أرقى مبادئ التعامل، وغرس في قلوب أتباعه الرحمة، والعدل، والإحسان،
دون أن يتخلّى عن ثوابته أو يتجاوز حدوده، فالمسلم لا يتعامل مع غير المسلم بناءً
على العِرق أو الدين أو الانتماء، بل يتعامل وفق مبدأ رباني عادل، أرساه الله
تعالى في كتابه، وطبّقَه رسوله – صلى الله عليه وسلم - في سُنّته، وهو:البر، والقسط، والمعاملة
الحسنة.
قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [سورة الممتحنة، الآية: ٨]، وقال تعالى في آية أخرى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال:
٦١].
فأي عدلٍ أعظم من هذا؟ وأي رحمة أوسع من
هذه؟، فالإسلام لا ينهى عن الإحسان إلى غير المسلم، بل يأمر بإكرامه، وتقديم
المعروف له، ومعاملته بما يُحب الإنسان أن يُعامَل به، ما دام لا يعتدي ولا
يُحَارِب، وقد جَسَّد النبي
صلى الله عليه وسلم
هذا المنهج في حياته، فأكرم جاره اليهودي، وعاده في مرضه،
وقَبِل الهدايا من غير المسلمين، وتعامل معهم بيعًا وشراءً، ووصّى بالمعاملة
الحسنة لهم، فالمسلم يتعامل
مع غير المسلمين بإنصافٍ لا حقد فيه، وإحسانٍ لا ضعف فيه، وهذا يبطل الزعم بأن
الإسلام جاء بالسيف، وأن الفتوحات كانت وسيلة لإجبار الناس على اعتناق الإسلام،
وهذا من الادعاءات الباطلة؛ لأن الإسلام انتشر في بدايته عن طريق الدعوة بالحكمة
والموعظة الحسنة، وأن الفتوحات كانت ردود أفعال على اعتداءات أو لمجرد تأمين الدعوة
ونشرها.
فالله تعالى يقول في كتابه مخاطبًا رسوله – صلى الله عليه وسلم -: {ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة
النحل، جزء من الآية: ١٢٥].
وقال تعالى
في آية أخري: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [سورة البقرة،
جزء من الآية: ٢٥٦]، هكذا يرسي الإسلام مبدأ السلام، حتى
في الحرب، يدعو إلى التعامل بالعدل والرحمة، وينهى عن الظلم والاعتداء، ويحث على
العفو والصفح.