قـال تعالـى في وصـف عبـاد
الرحمـن: {وَعِبَادُ
ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ
سَلَامٌا} [الفرقان:
٦٣] أي: إذا خاطبهـم الجاهلـون بسـفاهة وسـوء أدب، لـم يقابلوهـم بالمثـل، بـل يقابلوهم بالقـول الطيب، كما قـال تعالـى في آيـة أخـرى: {وَإِذَا سَمِعُواْ
ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ
أَعۡمَٰلُكُمۡ
سَلَامٌ
عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ} [القصص:
٥٥] [التفسـير الوسـيط للقرآن الكريـم١٠/٢١٨].
وقـد علَّـقَ صلـى الله عليـه وسـلم دخـول الجنـة علـى تحقيـق شـرط إفشـاء السّلام، فعَـنْ أَبـِي هُرَيْـرَةَ رضي الله عنـه، قَـالَ: قَـالَ رَسُـولُ الله صَلَّـى اللهُ عَلَيْهِ وَسَـلَّم: «لا تدخُلوا الجنّةَ حتّى تُؤمنوا ولا تؤمِنُوا حتّى تحابُّوا أوَ لَا أدُّلكم علَى شيْءٍ إذَا فعلتمُوه تحاببْتُمْ؟ أفْشُوا السّلام بيْنَكمْ» [رواه الترمذي].
وعـن سـيدنا عَبْـدَ الله بْـنَ عَمْـرِو بْـنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قال: «إنِّ رَجُلًا سَـأَلَ رَسُـولَ الله صَلَّـى اللهُ عَلَيْهِ وَسَـلَّمَ: أَيُّ الْمُسْـلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ سَـلِمَ الْمُسْـلِمُونَ مِنْ لِسَـانهِ وَيَدِهِ» [متفق عليه].
وقَـالَ سـيدنا عَمَّـارٌ بـنُ يَاسِـرٍ رضـي الله عنهمـا: "ثَـلاثٌ مَـنْ جَمَعَهُـنَّ فَقَـدْ جَمَـعَ الإِيمَـانَ: الإِنْصَـافُ مـِنْ نَفْسِـكَ، وَبَـذْلُ السّلام للْعَالَـمِ، وَالإِنْفَـاقُ مـِنَ الإِقْتَـارِ" [ذكـره البخـاري معلقـا].
فقـد جمـعَ سـيدنا عمـار رضـي الله عنـه في هـذه الألفـاظ الثـلاث الخيـرَ كلـه؛ لأنـك إذا أنصفته من نفسـك: فقـد بلغـت الغايـة بينـك وبيـن خالقـك، وبينك وبيـن الناس، ولم تضيع شـيئًا، وبذل السّلام حـضٌّ على مكارم الأخـلاق واسـتئناف النفوس.
والإنفـاق مـن الإقتـار هـي الغايـة في الكـرم، وقـد مـدح الله مَنْ هـذه صفته بقولـه: {وَيُؤۡثِرُونَ
عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ} [الحشر: ٩]، وهذا عـام في نفقة الرجل علـى أهله، وفي كل نفقة هـي طاعة لله تعالى، ودلّ ذلـك أنّ نفقـة المعسـر علـى أهلـه أعظـم أجـرًا مـن نفقة الموسـر، وهذا كله مـن كمال الإيمان. [شـرح ابن بطّـال على صحيـح البخاري].
إنَّ المسـلمَ كمـا يؤجـرُ علـى فعـلِ الطاعـاتِ، كذلـك يؤجـرُ علـى كـفِّ الأذىَ، قـال أبـو ذرٍّ رضـي الله عنـه: «قُلْـت: يَـا رَسُـولَ الله أَرَأَيْـتَ إنْ ضَعُفْـتُ عَـنْ بَعْـضِ الْعَمَـلِ؟ قَـالَ: تَكُفُّ شَـرَّك عَـنْ النـَّاسِ، فَإنِّهَا صَدَقَـةٌ مِنْك عَلَـى نَفْسِـك» [متفـق عليه].
وقـال سـيدنا رسـول الله صلـى الله عليـه وسـلم: «إن شـرَ النـاسِ مـن تركـه النـاسُ -أو ودعـه- النـاسُ اتقـاء فحشـه» [رواه البخـاري].
وقـال سـيدنا يحيـى بـن معـاذ الـرازي: "ليكـن حـظ المؤمـن منـك ثلاثـة: إن لـم تنفعـه فـلا تضـره، وإن لـم تفرحـه فلا تغمـه، وإن لـم تمدحـه فـلا تذمـه".
وفي إفشـاء السّلام بمعنـاه الواسـع تسـود الألفـة بيـن المسـلمين بعضهـم لبعض، وإظهـار شـعارهم المميز لهـم بيـن أهـل الملـل كلهـا، مـع مـا في ذلـك مـن رياضـة النفـس، ولـزوم التواضـع، وإعظـام حرمـات الخلـق، وضمـان رفـع التقاطـع والتهاجـر والشـحناء وفسـاد ذات البيـن التـي هـي الحالقـة.