Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ما بين خوارج الماضي وخوارج العصر اختلفت الأدوات .. واتفق المضمون

ما بين خوارج الماضي وخوارج العصر  اختلفت الأدوات .. واتفق المضمون

يمتد الفكر المتطرف عبر التاريخ، متخذًا أشكالًا وأدوات مختلفة، لكن جوهره يبقى واحدًا، يتناول هذا المقال المقارنة بين "خوارج الماضي" الذين واجههم الصحابة الكرام، و"خوارج العصر الحديث" الذين يعاني منهم عالمنا اليوم. سنستعرض كيف تتشابه الأصول الفكرية لهاتين الظاهرتين، رغم التباين في وسائل التعبير والتأثير. 

خوارج الماضي وخوارج العصر فكر واحد

بين خوارج الماضي الذين ناظرهم حبر الأمة عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما-، وخوارج العصر الحديث الذين يعاني منهم العالم، تمتد خيوطٌ متشابكةٌ من الفكر، والمنهج، تجعلنا نرى في هؤلاء امتدادًا مؤلمًا لأولئك، وإن اختلفت الساحات، والأدوات، والأدوار، والأشخاص، والظروف.

فشخص عَبْد اللَّهِ بْن ذِي الخُوَيْصِرَة التَّمِيمِي المتعدي على الجناب المعظم – صلى الله عليه وسلم- بقوله: «اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ» [رواه ابن ماجه]، يتردد منهجه في كل زمان ومكان، فكان الظهور الأول لهذا المنهج في صدر الإسلام حيث كانت شوكة الخوارج الأولى تنبت في تربةٍ من الفهم السقيم للنصوص، وغلوٍ في الدين لم تعرفه الأمة من قبل، لقد انبروا في وجه الصحابة الكرام، متهمين الثلة المباركة من الصحب، بالزيغ عن الحق، ومستحلين دماءهم وأموالهم بناءً على تأويلٍ ظاهريٍ لآياتٍ نزلت في الكفار، أو أحاديث لم يفقهوا مراميها، فانبرى ابن عباس– رضي الله عنهما-؛ للدفاع عن الصحابة، ولم يكن دفاعًا عن أشخاص فحسب، بل كان دفاعًا عن المنهج القويم، وعن وسطية الإسلام، وعن حرمة دماء المسلمين، لقد بيّن لهم أن الله – تعالى- قد زكى الصحابة – رضي الله عنهم- في كتابه العزيز فقال تعالى: {​‌كُنتُمۡ ‌خَيۡرَ ‌أُمَّةٍ ‌أُخۡرِجَتۡ ‌لِلنَّاسِ ‌تَأۡمُرُونَ ‌بِٱلۡمَعۡرُوفِ ‌وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ} [سورة آل عمران: آية ١١٠]، وأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حذر من سبهم فقال: «لا تسُبُّوا أصحابي، فو الّذي نفْسِي بيَدِهِ، لوْ أنّ أحدَكُمْ أنْفَقَ مثلَ أُحُد ذهبًا، ما أدْرَكَ مُدّ أحدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» [متفق عليه]

لقد كان ابن عباس– رضي الله عنهما- بصيرته النفاذة، وعلمه الكثير يرى فيهم الوصف النبوي: « حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ » [رواه البخاري]، «يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ » [متفق عليه] أي: أنهم يتلون آياته دون أن يغوص معناها في قلوبهم، أو تتبصرها عقولهم، كانت حجتهم الأساسية  تقوم على رفض "التحكيم" في واقعة صفين، معتبرين أن الحكم لله وحده، وأن من حكم الرجال فقد كفر، غفلوا عن سياق الآيات، وعن مرونة الشريعة، وعن فقه الأولويات والمقاصد، فكان منهجهم بسيطًا، متطرفًا، لا يقبل بالاجتهاد، ولا يعترف بالاختلاف المشروع.

الذي نشاهده اليوم من الجماعات المتطرفة

واليوم، حين نتأمل مشهد الجماعات المتطرفة التي تُلقي بظلالها على واقعنا، نكاد نسمع صدى ذلك الصوت القديم، وإن كان أكثر خشونةً وعنفًا من  خوارج العصر، وإن اختلفت راياتهم، ومسمياتهم، يحملون ذات البذور الفاسدة التي أنتجت أسلافهم، فيكفِّرون الأمة جمعاء، حكامًا ومحكومين، لا لشيء إلا لاختلافهم مع رؤاهم الضيقة، أو لارتكابهم ذنبًا في نظرهم يستوجب الخروج من الملة، هوياتهم الخروج على السلطان القائم، لا بالكلمة والنصح، بل بالسيف والتفجير، متذرعين بأن هؤلاء الحكام قد حكموا بغير ما أنزل الله، دون فهم؛ لتعقيدات الدولة الحديثة، أو لمفهوم الحكم بما أنزل الله في كليته وشموله ، ولآراء جمهور علماء الأمة في تلك المسألة.

أدوات خوارج اليوم

ولئن كان خوارج الأمس قد اعتمدوا على سيوفهم في ساحات القتال، فإن خوارج اليوم قد أضافوا إليها أدوات العصر الحديث على شبكات التواصل الاجتماعي؛ لنشر سمومهم، وتجنيد الأتباع من كل فج، وتقنيات التفجير والاغتيال التي تضرب الآمنين بغير وجه حق، فجوهر الفكر العقيم لم يتغير من عصر إلى عصر، ما بين الجهل بالدين، والتأويل الفاسد للنصوص، والغلو في فهم الشريعة، والتركيز على آيات الوعيد، والتغافل عن آيات الرحمة واليسر، وتضخيم  الخلافات الفقهية حتى تصير قضايا عقائدية، يُستحل بها الدم، ثم الاستعلاء بالإيمان، فيعتقدون أنهم وحدهم "المؤمنون"، وأن من يخالفهم "كافر" أو "مرتد"، مستندين إلى فهمٍ مبتسرٍ لمقولات السلف، أو لفتاوى شاذة لا يقرها كبار العلماء الراسخين، في تطبيق حرفي؛ لفكرة الاستعلاء بالإيمان، وكأنهم شعب الله المختار.

نتيجة المناظرة قديمًا وحديثًا

بين مناظرة ابن عباس– رضي الله عنهما- بالأمس، وخوارج العصر، تتأكد نتيجة واضحة هي أن الجهل المركب حين يقترن بالعاطفة الدينية الجياشة، يصبح وقودًا؛ لأسوأ أنواع الفتن التي تدمر الأمم والشعوب، وأن غياب المرجعية العلمية الصحيحة، التي تنير الدرب بفقه النصوص، ومقاصد الشريعة، يُسهم في انتشار هذه الأفكار الهدامة.

الخلاصة

وأخيرًا ... فمواجهة خوارج العصر لا تتم إلا بالعلم، وبالحجة، وبفضح زيف أفكارهم، وبتأصيل المنهج الشرعي الوسطي الذي يحمي الأمة من الغلو والتطرف،  إنها معركة فكرية قبل أن تكون عسكرية، تستوجب استلهام روح مناظرة ابن عباس– رضي الله عنهما-، ودعوته للحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، لعل نفوسًا ضلت السبيل تعود إلى رشدها، وتفقه أن الإسلام دين يسرٍ لا عسر، ورحمةٍ لا غلظة، وعمارةٍ لا دمار، وأنه لا بد لهذا المنهج الفاسد أن يصل إلى محطته الأخيرة، إن التحدي الأكبر يكمن في كيفية إيصال هذا الفهم الصحيح للإسلام إلى الشباب، وتحصينهم ضد الأفكار المتطرفة التي تُنشر باسم الدين، مع تفعيل دور المؤسسات الدينية والتعليمية؛ لتقديم خطابٍ إسلاميٍ معتدلٍ، ينبذ العنف، ويُعلي من قيم التسامح والتعايش، فالخوارج ليسوا مجرد جماعات عابرة، بل هم فكر يتجدد، ولن يُجابَه الفكر إلا بفكرٍ أعمق، وأكثر أصالةً.