Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

علاج أزمة الضمير.. الله ناظري .. الله شاهدي ... الله مطلع علي

علاج أزمة الضمير.. الله ناظري .. الله شاهدي ... الله مطلع علي

ففي داخل كل فرد منا ميزان حساس، تقوم به الأشياء، وأداة فلترة ما بين الحلال والحرام، والحق والباطل، فهذا الميزان، وتلك الأداة تسمى بـ "الضمير"، فهذا الكنز الرباني الذي أودعه الله في فطرة الإنسان؛ لكي يهتدي به إلى الحق، ويستبصر به الخير من الشر، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، هو النور الذي يستضاء به، ولكن حين يغفو الضمير أو يموت، يتحول الإنسان إلى مجرد آلةٍ صماء، أو ذئبٍ كاسرٍ في ثوب بشري، لا يبالي بخطئه، ولا يكترث بأثر فعله.

أعراض ومظاهر أزمة الضمير في المجتمع المعاصر

ففي مجتمعنا المعاصر، تتجلى هذه الأزمة في صورٍ شتى، تلامس كل مناحي الحياة، فنراها في فسادٍ ينخر جسد المجتمعات، وفي تعدٍ يعتصر قلوب الضعفاء، وفي غشٍ وتدليسٍ يطفف الموازين، وفي جشعٍ لا يعرف الشبع، يبتلع حقوق الآخرين، وفي أجيال ضاعت وفسدت تحت يدي معلم غير مؤتمن، فتغيب الرقابة الإلهية عن الضمير، فنصل إلى تلك الحالة المأساوية التي يُصبح فيها المال سيدًا، والقوة طغيانًا، والمصلحة الشخصية قبلةً يتجه إليها كل عمل، فتُرفع الحواجز الأخلاقية، وتُسحق القيم الإنسانية تحت وطأة الأنانية المقيتة، ويتحول الصدق إلى حيلة، والأمانة إلى مغنم، والعدل إلى خيال بعيد.

القرآن الكريم وتحذيراته من غفلة الضمير

لقد حذّر القرآن الكريم من هذه الغفلة، وذكَّر الإنسان بمسؤوليته تجاه ربه – عز وجل-، ونفسه، ومجتمعه. فالضمير هو ذلك الصوت الخفي الذي يقظه الله فينا، يشهد علينا في خلواتنا، ويؤنبنا على زلاتنا، يقول تعالى في وصف هذا الشاهد الداخلي: {وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا * قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا *وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} [الشمس: ٧-١٠]. فهذه الآيات الكريمة تؤكد أن الله قد زود النفس البشرية بالقدرة على التمييز بين الخير والشر، وأن تزكية هذه النفس، وحماية ضميرها من التلوث، هو طريق الفلاح، بينما تدنيسها، وإخماد صوت ضميرها، يؤدي إلى الخيبة والهلاك.

الآثار السلبية لغياب الضمير

وبالنظر إلى الواقع المعاصر، تتجلى شواهد غياب الضمير في تفكك الروابط الاجتماعية، وفي شيوع اللامبالاة بأوجاع الآخرين، وغياب الرحمة والعاطفة مع الأكوان، فيصبح الجار لا يأمن جاره بوائقه، والصديق لا يثق بصديقه، ويفقد المجتمع مناعته الأخلاقية، ويصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا ‌بُعِثْتُ ‌لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» [أخرجه البزار، مسند أحاديث الشهاب، والبيهقي]، فإذا غابت الأخلاق، مات الضمير، وتلاشت الغاية السامية؛ لوجود الإنسان،  فالضمير الحي هو الذي يدفع الإنسان؛ للرحمة بالضعيف، ومساعدة المحتاج، والوفاء بالعهد، والصدق في القول والعمل، وعندما يغيب يُصبح القلب قاسيًا كالحجر، بل أشد قسوة

كيفية استعادة الضمير الحي

إن استعادة الضمير اليقظ ليست مهمة سهلة، فهي تتطلب رحلةً من السير إلى الله، تبدأ من المراجعة الذاتية، والتربية الروحية، والعودة إلى الله، والإكثار من ذكر الموت وما بعده، وتذكر الحساب والعقاب، وتقوى الله التي هي صمام الأمان الذي يحفظ الضمير من الانحراف، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ ‌اللهَ ‌حَيْثُمَا ‌كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» واه الترمذي في سننه، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]، فتقوى الله هي الجذر الذي يغذي شجرة الضمير، ويجعلها تثمر خيرًا.

دور الأسرة والمؤسسات في غرس الضمير

لا بد من تفعيل دور التربية الأسرية، والمؤسسات التعليمية، والدينية في غرس قيم الضمير الحي منذ الصغر، ولا بدّ أن نعلِّم أبناءنا أنّ الأمانة ليست مجرد صفة، بل هي جوهر الإنسان، وأنّ العدل ليس قانونًا يُطبّق فحسب، بل هو شعورٌ يتأصل في الروح، وأنّ الرحمة ليست عاطفةً عابرة، بل هي مبدأ حياة، ولنتذكر دائمًا قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الْبِرُّ ‌حُسْنُ ‌الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» [رواه مسلم]. فما حاك في الصدر، وشعر به الضمير الحي من ندمٍ أو قلقٍ، فهو الإثم الذي يجب تركه.

إن أزمة غياب الضمير ليست مجرد قضية فردية، بل هي قضية مجتمعية، تتطلب تضافر الجهود؛ لإعادة الروح إلى أجسادٍ، أرهقتها المادية، ولإيقاظ الضمائر التي غفلت أو ماتت، فالمجتمع لا ينهض إلا بضمائر يقظة، ونفوسٍ نقية، وقلوبٍ عامرةٍ بالخير، والعدل، والرحمة، فهل ندرك حجم هذه الأزمة، ونسعى جاهدين لإحياء الضمير في أنفسنا، ومن حولنا؛ لنستعيد بذلك غُربة الروح التي فقدناها في عالمٍ مضطرب.

وصية عملية لإحياء الضمير

يكفي بعد كل ما تكلمنا فيه أن نعالج تلك الأزمة؛ بتطبيق عملي؛ ألا وهو وصية أحد الصالحين لأحد مريديه، وقد شكا إليه أزمة ضميره، وعدم استقامته فقال له: "أوصيك أن تردد (الله شاهدي ... الله ناظري ... الله حسبي .. الله مطلع علي")، حينها سيتم شحن بطارية الضمير في داخلك بقوله تعالى: {أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ} [العلق: ١٤] .

الخلاصة

الضمير هو النور الإلهي المزروع في فطرة الإنسان، يرشده إلى الخير ويصرفه عن الشر، لكن حين يغيب هذا الضمير، يتحول الإنسان إلى كائن بلا قيم، وتتفكك المجتمعات تحت وطأة المادية والأنانية، وعلاج أزمة الضمير يبدأ من استحضار مراقبة الله، وتزكية النفس بالتقوى، والعودة الصادقة إلى الإيمان والعمل الصالح، وأن غرس الضمير الحي يبدأ من الطفولة، عبر التربية الأسرية والتعليم الديني والأخلاقي. وإحياء الضمير يكون بترديد ذكر الله واستشعار رقابته دائمًا، لتظل الروح يقِظة، والقلب حيًا، والإنسان على صراط مستقيم.