Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المدينة الفاضلة... جسد واحد

المدينة الفاضلة... جسد واحد

المدينة المنورة ليست مجرد مكان، بل ميدان رحمة، ومهد لأعظم منهج سماويّ على يد صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم- فيها تحوّل الغرباء إلى إخوة، والقبائل المتنازعة إلى جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، لم يكن ذلك من قبيل الصدفة، بل كان ثمرة قيادة نبوية، وعدل مطلق، وتربية إيمانية عميقة.

مجتمع المدينة معجزة نبوية فريدة

تقف المدينة المنورة شاهدة على معجزة نبوية فريدة، صارت النموذج الأمثل والأكمل لمجتمع متكامل، متراحم، وموحد، كان قبلها غارقًا في شتات النعرات القبلية، وصراعاتها الدموية، فالراصد لتلك الحقبة المباركة يدرك من أول وهلة أن تحقيق هذه الوحدة لم يكن مجرد صدفة، بل كان نتاج منهج إلهي محكم، وقدرة قيادية فريدة، وفذة تجسدت في شخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالمشهد الأول في الحكاية، يرصد أن المدينة كانت قبل الهجرة، مزيجًا من القبائل العربية، مثل: الأوس والخزرج الذين استنزفتهم سنوات طويلة من الحروب، إلى جانب الوجود اليهوديّ الذي يمثل طيفًا ثقافيًّا، ودينيًّا آخر، في خضم هذا التنوع، رسخ النبي -صلى الله عليه وسلم- دعائم مجتمع أصبح مضرب الأمثال في التآلف، والتعايش، والمواطنة، والعيش بسلام حيث مجتمع المدينة الفاضلة.

التكافل والتراحم أولى خطوات الوحدة

لقد سجل التاريخ أن أُولى خطوات النبي -صلى الله عليه وسلم- نحو تحقيق هدف الوحدة، إنما كان من خلال "المؤاخاة بين المهاجرين، والأنصار"، فتلك المؤاخاة لم تكن مجرد علاقة سطحية، بل كانت رابطة تتجاوز حدود الدم، والنسب؛ كي تؤسس لنموذج فريد من التكافل الاجتماعي، والتراحم الأخوي، لقد ترك المهاجرون ديارهم، وأموالهم، وأهلهم في مكة، وجاءوا إلى المدينة بلا شيء؛ لنصل إلى تلك اللحظة اللطيفة التي يتجلى فيها كرم الأنصار، وسماحتهم في أروع صورها حيث تقاسموا كل ما يملكون مع إخوانهم المهاجرين. قال تعالى في وصفهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: ٩]، فهذه الآية الكريمة تجسد روح الإيثار، والتضحية التي سادت بين الأنصار، وهي أساس قوي؛ لترسيخ الوحدة، وتجاوز الفروقات، لقد أصبح المهاجري أخًا للأنصاري، يتوارثان وكأنهما من لحم ودم، في سابقة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، وما تناغم الحب في الله بين سيدنا عبد الرحمن بن عوف، وسيدنا سعد بن الربيع – رضي الله عنهما- عنا ببعيد.

وثيقة المدينة دستور شاهد على عظمة الإسلام

ولم يكتفِ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمؤاخاة بين المسلمين، بل تجاوز ذلك؛ ليؤسس لدولة مدنية شاملة، تضم مختلف الأطياف، بما في ذلك اليهود، عبر وثيقة المدينة، المعروفة أيضًا بـ"صحيفة المدينة".

كانت هذه الوثيقة بمثابة أول دستور مكتوب في التاريخ، أرست قواعد التعايش السلمي، وحفظت حقوق الجميع وواجباتهم، بغض النظر عن الدين أو العرق حيث نصت الوثيقة على أن المسلمين واليهود "أمة واحدة من دون الناس"، وأن لكل فئة حريتها الدينية، وأنهم جميعًا يتعاونون في الدفاع عن المدينة، فهذه الخطوة الجريئة رسخت مبدأ المواطنة، وقبول الآخر، وأقامت صرحًا من التعاون بين مكونات المجتمع المختلفة، فكان هذا الدستور شاهدًا على عظمة الإسلام في احتضانه للتعددية، وعلى حكمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في بناء مجتمع يقوم على العدل، والإنصاف للجميع.

العدل النبوي الأساس الحقيقي لوحدة المجتمع

وهناك عنصر مهم لم تكن الوحدة لتتحقق وتستمر لولا وجوده، ألا وهو "العدل المطلق" الذي طبقه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل شؤون الدولة، والمجتمع آنذاك، ولم يكن العدل عنده مجرد شعار، بل كان منهج حياة، وتطبيقًا صارمًا لا يفرق بين قوي وضعيف، أو بين مسلم وغير مسلم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: ٨]، فهذه الآية الكريمة تؤكد على وجوب العدل حتى مع من نكرههم أو نختلف معهم، مما يرسخ لمبدأ المساواة أمام القانون، ويضمن حقوق الجميع،  كما جاء في الحديث الشريف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (متفق عليه)، فهذا التأكيد النبوي على تطبيق العدل على أقرب الناس إليه، يرسخ مبدأ المساواة التامة أمام الشرع، ويعطي رسالة واضحة بأن لا أحد فوق القانون، وأنّ العدل هو أساس حفظ المجتمع، وتماسكه.

التربية الإيمانية

بالإضافة إلى الجانب التشريعي، والتنظيمي، أولى النبي -صلى الله عليه وسلم- أهمية قصوى للتربية الإيمانية التي غرست في نفوس أصحابه قيم الوحدة، والتسامح، والأخوة، لقد كان المسجد النبوي مركزًا للإشعاع الروحي، والفكري، حيث كان النبي-صلى الله عليه وسلم- يعلم الصحابة القرآن والسنة، ويرسخ فيهم مبادئ الحب في الله، والتعاون على البر والتقوى، فغرس فيهم نبذ العصبية الجاهلية، والقبلية، واستبدلها برابطة الأخوة الإيمانية؛ فعن أَنَس بْن مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ» (متفق عليه)، فهذا الحديث النبوي الشريف يدعو إلى التآلف والتحاب، والتراحم بين المسلمين، وينبذ كل أشكال الكراهية، والفرقة، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قدوة حسنة في التسامح والتعايش مع غير المسلمين، فكان يزور مرضاهم، ويتبادل معهم الهدايا، ويحسن معاملة جيرانهم، مما عزز ثقة الجميع في قيادته الحكيمة.

نموذج خالد لكل زمان ومكان

إنَّ ما حققه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة لم يكن مجرد بناء لدولة، بل كان تأسيساً لأمة، رسخت فيها قيم الوحدة، والتآخي، والعدل، والتسامح؛ لتصبح نموذجًا فريدًا لكل زمان ومكان، إنها دروس خالدة، نتعلم منها كيف يمكن لقائد حكيم، يستند إلى منهج رباني، أن يحول الشتات إلى وحدة، والفرقة إلى قوة، والخلاف إلى تعايش، مشيداً بذلك صرحًا حضاريًا شامخًا، لا يزال نوره يضيء للبشرية جمعاء، وقد تلألأت أَضواء المدينة عبر تاريخها المشرق بتلك الكلمات المعبرة هنا عن مجتمع المدينة الفاضلة ... حينئذٍ يصير: "الاتحاد قوة".

الخلاصة

إن سر قوة المدينة المنورة كان في وحدة قلوب أهلها، وصدق إيمانهم، وعدل نبيهم سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي بنى مجتمعًا لا يفرق بين عرق أو قبيلة، بل يجمعهم على المحبة والتكافل، هذه هي المدينة الفاضلة التي علمتنا أن القلوب إذا اتحدت صارت قوة لا تُقهر.

موضوعات مختارة