أيها النبيل: إن مجرد التغني بأمجاد الماضي، أو
التأسف على واقع الفُرقة لن يبني لنا مستقبلًا زاهرًا، فالحضارة ليست أمنيات ولا
أحلامًا وردية، بل هي عملٌ دؤوب، وتخطيطٌ سليم، واتحادٌ عملي، يترجم القيم
والمبادئ إلى واقع ملموس، وديننا لم يتركنا تائهين، بل رسم لنا خارطة طريق، واضحة
المعالم، توضح كيف يمكننا الانتقال من التشرذم إلى الوحدة، ومن التخلف إلى التقدم،
وصولًا إلى بناء حضارة قادرة على قيادة البشرية؛ وخطوات هذا الطريق:
أ- توحيد القلوب على العقيدة الصافية، والمنهج الوسطي:
- بالاعتصام بحبل الله أولًا: فهذا هو الأساس المتين الذي يجمع
القلوب ويلم الشتات. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ١٠٣].
- النهي عن التحزب الطائفي ثانيًا: فالإسلام ينهى عن الانقسام إلى فرق
وشيع متعصبة؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا
لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: ١٥٩]، فالحضارة لا تقوم على أساس الانتماءات
الضيقة، بل على وحدة الانتماء للإسلام والأمة.
- وسطية الفهم، وسلامة المنهج: فتجنب الغلو والتطرف في فهم النصوص،
والاعتصام بالمنهج الوسطي المعتدل، هو صمام الأمان من الفتن التي تمزق الصف؛ فعن
ابن مسعود - رضي الله عنه- قال: «خطَّ لنا رسولُ اللَّهِ صلّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ خطًّا ثمَّ قالَ هذا سبيلُ اللَّهِ ثمَّ خطَّ خطوطًا عن يمينِهِ وعن
شمالِهِ وقالَ هذهِ سبلٌ على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليهِ وقرأَ {وَأَنَّ
هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ....}» [رواه
أحمد]، فهذا
الحديث يؤكد أن الابتعاد عن الصراط المستقيم، ومنهج الإسلام الوسطي القويم؛ يؤدي
إلى التفرق.
ب- غرس قيم التعاون والتسامح والإحسان:
- بالتعاون على البر والتقوى أولًا: فهو الأساس الذي ينطلق منه أي عمل بنَّاء
في المجتمع. قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا
تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:
٢]. فالتعاون
في الخير هو سبيل القوة والعمار، أما التعاون على الشر، فهو سبيل الهلاك والخراب.
- الأخوة العملية ثانيًا: فيجب أن تتجاوز الأخوة مجرد الكلمات؛
لتصبح واقعًا ملموسًا من التراحم، والتكافل؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «المُسْلِمُ
أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، ومَن كانَ في حاجَةِ أخِيهِ كانَ
اللَّهُ في حاجَتِهِ» [متفق
عليه]، وهذا
يستلزم منا الإصلاح بين المتخاصمين، والتخفيف عن المكروبين، ومد يد العون
للمحتاجين، وتفعيل روح المواطنة بين مختلف المواطنين.
- العفو والتسامح: في مجتمع يعج بالاختلافات، لا بد من
روح التسامح، والعفو عن الزلات؛ لتجاوز أسباب الشقاق؛ قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:
١٩٩]. فالصفح
والتجاوز يبني جسورًا من المحبة تمنع التصدع، وتستكمل بناء الحضارات.
جـ- العمل الجاد، والإتقان في جميع المجالات:
- بعمارة الأرض والاستخلاف أولًا: فمهمة الإنسان في الأرض هي الإعمار لا
التخريب، قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: ٦١]، وهذا يتطلب تضافر الجهود في بناء الاقتصادات القوية، وتطوير العلوم،
وإتقان العمل.
- حب العمل والإتقان ثانيًا: فالإسلام دين يدعو إلى العمل الجاد
وإتقانه؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «إن الله يحبُ إذا عملَ أحدكُم
عملا أن يتقنهُ» [رواه البيهقي]. هذا الإتقان هو أساس جودة الحضارات، وتقدمها.
- الاستفادة من الطاقات الشبابية،
والعلمية: فيجب
أن تتحد الأمة في توجيه طاقات شبابها، وعلمائها نحو الإبداع، والابتكار، وتقديم
الحلول للتحديات المعاصرة، بدلًا من إهدارها في الصراعات.
أيها النبيل: إن بناء حضارة المستقبل يتطلب منا
اليوم تحركًا جادًا نحو الاتحاد العملي، لنبدأ بأنفسنا، فنصلح ذات البين، ونغرس
قيم التعاون، ونقدم المصلحة العامة، ونبذل الجهد في كل ما يخدم رفعة الأمة، فبهذا
الاتحاد، وبهذه الخطوات العملية، يمكننا أن نُعيد لأمتنا مجدها، ونقدم للعالم
نموذجًا حضاريًا مشرقًا، تضيء به دروب المستقبل.