يشهد التاريخ، أنه لم
يكن للأمة نصر إلا وكان الاتحاد هو السبب فيه، ولا هزيمة إلا وكانت الفرقة أساسها،
وعلى سبيل المثال:
١-يوم
بدر:
ذلك اليوم المشهود الذي
صور أروع صور الاتحاد، قلبًا وقالبًا، بين صفوف الأمة من مهاجرين وأنصار، تحت راية
الحبيب الأعظم -صلى الله عليه وسلم-، ولسان حالهم كالبنيان المرصوص لا صدع فيه ولا
ضعف، قاموا كجسد واحد، بلسان واحد، ليقول نقيب الأنصار "سعد بن عُبادةَ":
"يا رسولَ اللهِ لو أمَرْتَنا أنْ نخوضَ البحرَ لخُضْناه، أو نضرِبَ
أكبادَها إلى بَرْكِ الغُمادِ لفعَلْنا". [رواه ابن حبان في
"صحيحه"].
ويقف نقيب المهاجرين المِقدادَ-
رضي الله عنه- فقالَ لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "يا
رَسولَ اللهِ، إنَّا لا نَقولُ لك كما قالت بَنو إسرائيلَ لِموسى: {فَٱذۡهَبۡ
أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ}
[المائدة: ٢٤]، ولكنِ اذهَبْ أنتَ وَرَبُّكَ فقاتِلا، إنَّا معكما مُقاتِلونَ". [رواه أحمد في "مسنده"].فاجتمعوا على قلب رجل واحد، قلوبهم معلَّقة
بالله، ونفوسهم موحدة في الجهاد، فكان النصر من الله، رغم قلة العدد والعدة، قال
تعالى: {وَلَقَدۡ
نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ
لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ}[آل عمران: ١٢٣].
٢- فتح مكة:
وفي فتح مكة كانت أعظم صورة للاتحاد، والنظام،
والانضباط، توحدت قبائل العرب التي دخلت في دين الله أفواجًا تحت قيادة وراية
الحبيب الأعظم - صلى الله عليه وسلم-، في موكب مهيب مُطْأطِئاً رأسه، تواضعًا لمن أدخله
ونصره، مُظهِرًا ذِلة العبودية لله، حتى إن أبا سفيان لما رأى رسول الله -صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- في هذا الموكب قال للعباس: "لقد أصبح مُلْك ابن
أخيك عظيمًا"، فقال العباس: "ويحك إنها النبوة يا أبا سفيان". [رواه البيهقي في "دلائل النبوة"].
٣– الاتحاد في زمن الخلافة الراشدة:
وفي عهد الخلفاء الراشدين:
أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي - رضي الله عنهم-، ظلت الأمة على الاتحاد،
والتعاون رغم المحن والفتن التي طرأت على واقعها، فامتدت الدولة من تخوم فارس إلى
المحيط الأطلسي، وما ذاك إلا لثبات الجماعة على المنهج النبوي، والمراد الإلهي في
الاتحاد، والاعتصام.
٤- اتحاد المسلمين في
عهد صلاح الدين الأيوبي، وتحرير القدس:
إن صلاح الدين لم يحرر
بيت المقدس إلا بعدما وحَّد جبهة المسلمين، وأنهى التشرذم بين البلاد الإسلامية، فكان أول عمل له هو جمع
الكلمة، ووحدة الصف، فجاءه النصر من الله في "حطين"، وارتفعت راية الإسلام
على أسوار بيت المقدس.