Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كأنهم بنيان مرصرص

كأنهم بنيان مرصرص

في زمنٍ تكاثرت فيه الفتن، وتعدَّدت فيه الرايات، وانقسم المجتمع إلى فئات متنازعة، وتسربت أفكار الغلو والتطرف إلى العقول، كما يتسرب الماء في الشقوق، فلا دواء لهذا الداء إلا العودة إلى أصل عظيم من أصول الدين، وسر من أسرار قوته، ألا وهو: "وحدة الصف، واتحاد القلوب". ولعلَّ من أصدق ما قيل في هذا المعنى ما ورد من كلام صاحب الجناب النبوي المعظم - صلى الله عليهوسلم-: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بيْنَ أَصابِعِهِ» (متفق عليه).

فما أحوجنا اليوم لأن نكون صفاً كالبنيان الذي يَهزم دخان التطرف، ما أجمل هذا التشبيه النبوي! لم يقل "جماعة"، ولا "جسد فقط"؛ بل قال: "كالبنيان"، في إشارة إلى الثبات، والتماسك، هذا هو الطريق؛ لدرء الفتن، وقطع الطريق أمام الغلاة والمتشددين.

التطرف حين يُحوِّل الدين إلى سلاح

التطرف ما هو إلا فكرة قُطعت من السياق، ورؤية مشوهة؛ لجزء صغير من الدين، ليس التزامًا زائدًا، ولا غيرة محمودة على الدين، كما يصوِّره البعض، بل هو انحراف عن جوهر الشريعة، يُحوِّل الدين من نور يهدينا، إلى أداة نُدين بها الآخرين، ونحتكر بها الجنة، ونستبيح بها الدماء، وقد حذَّر صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم- من هؤلاء منذ فجر الإسلام حين قال: «يَخْرُجُ ناسٌ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، ويَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» [رواه البخاري]، فهم أهل ظواهر دينية، لكن بلا فقه، بلا رحمة، بلا ميزان أخلاقي.

فما من متطرف، إلا وكان في قلبه جهلٌ بالله، وجهلٌ برسالة سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وجهلٌ بحقيقة الإنسان، وقد قال الإمام علي- رضي الله عنه- كلمات تكتب بماء الذهب: " كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بها باطِلٌ" [صحيح مسلم :١٠٦٦]، وهذا هو حال المتطرفين: يستشهدون بالقرآن، ويستدلون بأحاديث، لكنهم يبترون السياق، ويُغيِّبون مقاصد الشريعة، ويُلبسون الباطل لباس الدين

الوحدة حصن الأمة

المتأمل في كتاب الله -عز وجل- حين يقف مع قوله تعالى: {وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ} [آل عمران: ١٠٣]، يرى أنها لم تُخاطب جماعة دون أخرى، ولا طائفة دون سواها، بل جاءت في صيغة جامعة مانعة: {جَمِيعٗا} إنها دعوة للاعتصام بحبل الله أي: بالوحي الشريف، ومقاصده على طريقة جماعية لا فردية، لم يقل "تمسكوا بآرائكم"، ولا "افرضوا وجهات نظركم"، بل "ٱعۡتَصِمُواْ"، والاعتصام لا يكون إلا بخضوع، وطاعة، وتسليم، وهذا هو نقيض الغلو والتطرف الذي يبدأ دائمًا من العناد، والتفرد، والفهم المنعزل.

ففي مواجهة هذا الانحراف، لا يكفينا أن نشجب، أو نستنكر؛ بل يجب أن نُعيد بناء الصف على أسس أخلاقية، وفكرية متينة، فالصف المتماسك لا يعني اتفاقًا في كل التفاصيل، بل يعني أن القلوب اجتمعت على الحق، وتعاهدت على العدل، وسكنت في ظل الرحمة صفٌّ يؤمن بأن الدين رحمة، لا نقمة، صفٌّ يُدرك أن الله لم يبعث نبيه – صلى الله عليه وسلم- منفرًا؛ بل رحمةً للعالمين، صفٌّ يَعلم أن الاختلاف لا يفسد للود قضية، وأن الخلاف لا يعني التكفير.

انظر كيف غرس فينا خلق الحوار، والتواضع، والبُعد عن الحدة الفكرية؟ أليس هذا هو صمام الأمان ضد التطرف؟

الوحدة تبني، والغلو يهدم

من أخطر ما يصيب المجتمعات أن يصبح الدين وسيلة؛ للفرقة بدل أن يكون رسالة للرحمة، يظن المتشدد أنه وحده على الصواب، فيُكفِّر غيره، ويستبيح حرماته، ويدِّعي أنه ينصر الله، وهو في الحقيقة يشوِّه صورة الدين، وهنا نتذكر كلام صاحب الجناب النبوي المعظم - صلى الله عليه وسلم-: «إياكم والغلُوّ في الدينِ، فإنّما هلكَ من كان قبلكُم بالغلوّ في الدين» [رواه النسائي]، انظر إلى التربية النبوية في الحديث: «إياكم»، أي: احذروا، إنه تحذير تربوي لا اتهام، يرشد لا يهاجم، يوجه لا يُقصي، فالغلو لا يعيش في بيئة متحدة متراصة؛ لأنه لا يجد فيها ثغرة يدخل منها، أما إن وجد شبابًا مفككًا، بلا فهم متزن، أو قلوبًا معزولة، أو عقولًا مشوشة، فإن ناره تشتعل، وسرطانه يتمدد، فالوحدة درع الأوطان، ليس صدفة أن يُشبِّه القرآن المؤمنين في صورة واحدة حين يقول: {إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ } [الحجرات: ١٠]، ولم يقل "أفرادًا"، بل "إخوة"، والإخوة في الدين أعظم من "الإخوة في الدم"؛ لأنها تقوم على القيم، والرحمة، والحق، والعدل.

مظاهر الاتحاد في مواجهة التطرف

الاتحاد ليس ترفًا، ولا خيارًا من عدة خيارات، بل هو فريضة الوقت، وحصن الدين، ودرع الوطن، وسكينة النفس؛ لنخرج من دائرة "الحديث عن الوحدة" إلى "صنعها"، إذا أردنا أن نصنع الوحدة؛ فلنبدأ بالعلم فهو السلاح الأهم؛ لمَّا تَرَاجع دور العلماء، وارتفع صوت أدعياء العلم، وملأ الجهل الفراغ، وتسرَّب التطرف من النوافذ، وجب علينا أن نقف صفاً واحدًا كالبنيان لنُعيد العلم إلى موضعه، ونُحيي دور الأزهر، ووسطيته، وندعم علماء الأمة الوسطين الذين يقفون مع النصوص؛ ليستنبطوا منها مقاصد الشرع الشريف بلا إفراط، ولا تفريط، لا أولئك الذين يُزيِّنون للناس الغلو، أو التساهل، قال تعالى: {قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ} [الزمر: ٩] ، وقال: {إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ} [فاطر: ٢٨]، فالعالم الذي يخشى الله لا يُكفِّر الناس، بل يُنقذهم من الضلال، والوقوع في الهاوية، إذا أردنا أن نصنع الوحدة، فلنعيد الرحمة التي تعلمنها من صاحب الجناب النبوي المعظم – صلى الله عليه وسلم- ، إذا أردنا أن نعرف من هو المتطرِّف، فليكن الميزان بسؤاله: هل تشبه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في أخلاقه؟! فهو الذي قيل له: يا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ على المُشْرِكِينَ قالَ: «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ رَحْمَةً» [رواه مسلم]، وهو الذي عفا عمَّن آذاه، وسامح من حاربه، وبكى على أعدائه، وهم يُعذَّبون في النار، فهل من يشتم، ويكفِّر، ويُحرِّض على الدماء، يسير على طريق النبي – صلى الله عليه وسلم-؟! كلا، بل هو منسلخ من روح الرسالة، مهما أكثر من صلاته، وصيامه، إذا أردنا أن نصنع الوحدة، فعلينا بالوقوف صفًا متراصًا كالبنيان، قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ} [الصف: ٤]، والصف هنا ليس عسكريًّا فقط، بل هو صفٌّ في الفكر، في الموقف، في الأخلاق، هو صفٌّ من العلماء، والمربين، والأمهات، والمفكرين، والكتَّاب، الذين يجتمعون على حماية الدين من المتلاعبين به، فكن في الصف، إن كنت أبًا، فربِّ أبناءك على الدين السمح، إن كنت معلمًا، فكن قدوة في الاعتدال، إن كنت عالمًا، فبلِّغ علمك برفق، وإن كنت شابًا، فابحث عن الحق لا عن الانتصار للهوى، والشيطان.

الخلاصة

التطرف يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم؛ إذ يسعى؛ لتقيد قيم الوحدة، والوسطية التي تعد جوهر الإسلام، من هذا المنطلق يلعب الأزهر، وعلماء الأمة دورًا محوريًّا في التصدي لهذه الأفكار الهدامة من خلال نشر قيم الرحمة، والأخلاق القرآنية، فالحفاظ على تماسك المجتمع، يبدأ بتعزيز الفهم الصحيح للدين، ونبذ الغلو، مستندين إلى تعاليم النبي الكريم، وآيات القرآن التي تدعو للتعاون، والاتحاد.

موضوعات مختارة