Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نيران الفرقة وقود أعدائنا المفضل

نيران الفرقة وقود أعدائنا المفضل

في عالم يزداد تعقيدًا، وتنافسية، تظل الوحدة هي الدرع الحصين الذي يحمي الأمم، والمجتمعات من رياح التحديات العاتية، وعلى النقيض تمامًا، تُعد الفرقة شرارة قاتلة، سرعان ما تتحول إلى نيران مستعرة، لا تحرق فقط أواصر الترابط الداخلي، بل وتصبح وقودًا ثمينًا، ومفضلًا لأعدائنا.

الاتحاد مطلب ضروري

لقد حذّرنا الله - سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم من خطر الفرقة، ونتائجها الوخيمة، داعيًا إلى التمسك بحبل الله المتين، والاعتصام به. يقول الله تعالى في سورة آل عمران: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران الآية: ١٠٣]. هذه الآية الكريمة ليست مجرد دعوة، بل هي تذكير بنعمة عظيمة، فبعد أن كنا متفرقين أعداء، جمع الله قلوبنا بفضل الإسلام، فصرنا إخوة متحابين.

خطورة التآكل من الداخل

إن الأعداء على اختلاف أشكالهم، وتوجهاتهم، يدركون جيدًا أن إضعاف الخصم لا يتطلب بالضرورة قوة عسكرية ضاربة في كل الأحيان، بل قد يكون تفتيت الصف الداخلي هو الضربة الأكثر فتكًا، عندما تتسلل بذور الخلاف، وتنمو أشواك الشقاق بين أبناء الوطن الواحد، تبدأ القوة في التآكل من الداخل، فتتحول الطاقات التي يجب أن تُوجه نحو البناء والتقدم إلى صراعات جانبية، واستنزاف للموارد، وتقديم الفرص الذهبية لمن يتربصون بنا.

وقد أكد النبي - صلى الله عليه وسلم- على أهمية الجماعة، والوحدة، وحذر من التنازع والفرقة يقول -صلى الله عليه وسلم-: «يدُ اللهِ مع الجماعةِ» [رواه الترمذي (٢١٦٦)، والحاكم (٣٩٨)].

وفي حديث آخر: «إنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. وشَبَّكَ أصابِعَهُ» [متفق عليه: البخاري (٤٨١)، ومسلم (٢٥٨٥)] هذه الأحاديث النبوية الشريفة تُرسي مبدأً أساسيًا فيه طريق النجاة من المهالك: أن القوة الحقيقية تكمن في التماسك، والتآزر، والمؤاخاة، وأن الانفراد، والتفرق يُفقد الأمة قوتها، ويُعرضها للخطر.

استفادة الأعداء من فرقتنا

كيف يستفيد الأعداء من هذه النيران المشتعلة بيننا؟ تتعدد طرق الاستفادة، فهي تبدأ من خطة تشتيت الانتباه عن الضروريات، والدخول في صراعات، وانقسامات، فبدلاً من أن نواجه تحدياتنا الخارجية بصف واحد، ورؤية موحدة، نجد أنفسنا منغمسين في نزاعات داخلية، تُشغلنا عن التهديدات الحقيقية، وقد حذرنا المولى -عز وجل- من التفرق، والتشرذم حيث قال سبحانه: {وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ} [الأنفال: ٤٦].

بل وصل الأمر الى تحريم الخصام فوق ثلاث؛ فقد قال الجناب المعظم – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الشريف «لا تَباغَضوا ولا تَحاسَدوا ولا تَدابَروا وكونوا عبادًا للهِ إخوانًا ولا يحِلُّ لمسلِمٍ أنْ يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ» [متفق عليه: البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٨)].

هذا التشتيت يمنح الأعداء فرصة ذهبية؛ لتحقيق أهدافهم دون أي مقاومة تذكر.

ولله در القائل:

 وَمَا التَّفَرُّقُ إِلَّا دَاءٌ يُفَرِّقُنَا  * * * وَلَا يُطْفِئُ النَّارَ إِلَّا جَمْعُ مَا تَبَدَّدَا

فَإِنْ بَغَتْنَا عُدَاةٌ مِنْ جَمِيعِ صِعَابٍ * * * فَالْفُرْقَةُ خَيْرُ مَتَاعٍ لِتِلْكَ الْأَعَادِي

فرقتنا مكسب لأعدائنا

عندما نكون منقسمين، تصبح كلمتنا أضعف، وصوتنا أقل تأثيرًا على الساحة الدولية.

يستغل الأعداء هذا الضعف؛ للضغط علينا، وربما فرض أجنداتهم التي لا تخدم بشكل من الأشكال مصالحنا، وقد أمر الله - عز وجل- بعدم التشبه بأهل الكتاب، واختلافهم فقال تعالى: {وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ} [آل عمران: ١٠٥]، وإذا وقع انقسام نكون في وضع من الضعف الذي يسهل أن يصبح الانقسام أداة لابتزازنا، فنقدم تنازلات مجبرين لا راغبين، فقط؛ لأن وحدتنا لم تعد كافية؛ لتأمين موقفنا.

بل قد يصل الأمر كما رأينا في العديد من الدول، ووقوع الفرقة بين أبنائها، تُشجع على التدخل الخارجي.

عندما تستعر نيران الصراعات الداخلية، يجد الأعداء مبررات جاهزة تحت شعارات براقة تدعو؛ للتدخل بذريعة "حفظ السلام" أو "دعم أحد الأطراف".

وفي حقيقة الأمر، يكون الهدف هو زيادة الشقاق، وتعميق الانقسام؛ لتحقيق مصالحهم الخاصة التي غالبًا ما تتناقض مع مصالحنا العليا، ويصبح الوطن ساحة؛ لتصفية الحسابات الإقليمية، والدولية، ويدفع الثمن أبناؤه الذين ضلوا طريق الوحدة، ولله در القائل: 

فَأَيُّنَا فِي الشَّتَاتِ يَقْوَىٰ وَيَصْمُدُ؟ * * * وَأَيُّ عَدُوٍّ سَيُهْزَمُ إِذَا مَا الْوَحْدَةُ غَابَتْ؟

مسؤوليتنا: إطفاء نيران الفرقة

إن مسؤولية إطفاء هذه النيران تقع على عاتق كل فرد منا.

تبدأ بالوعي بخطورة الفرقة، وتنتهي بالعمل الجاد على ترسيخ قيم التسامح، والحوار، وقبول الآخر؛ ولذا كان التحذير، وبيان المآل للتفرق عن طريق بيان وشرح عملي للصحابة؛ فعن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ- رَضيَ اللهُ عنه- قال: « خَطَّ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَطًّا بيَدِهُ، ثُمَّ قال: هذا سَبيلُ اللهِ مُستَقيمًا، قال: ثُمَّ خَطَّ عن يَمينِه وشِمالِه، ثُمَّ قال: هذه السُّبُلُ ليسَ منها سَبيلٌ إلَّا عليه شيطانٌ يَدعو إليه، ثُمَّ قَرَأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: ١٥٣]» [رواه أحمد (٤٤٣٧)].

يجب أن ندرك أن اختلافاتنا هي مصدر قوة، وتنوع، وليست سببًا للنزاع، وأن الأيادي التي تُوقد نيران الفرقة لا تهدف إلا لخير أعدائنا، وشرنا نحن.

لنجعل من وحدتنا درعًا فولاذيًا في وجه من يتربص بنا، ولندرك أن الفرقة ليست سوى وقود مجاني لأعدائنا المفضلين. فهل يمكننا أن نتعلم من دروس الماضي، ونُعلي مصلحة الوطن فوق كل اعتبار؟!

الخلاصة

الوحدة ضرورة حتمية في مواجهة تحديات العالم المعاصر، فهي الدرع الواقي للأمم، بينما الفرقة خطر يفتت القوى، ويستنزف الطاقات الداخلية.

موضوعات مختارة