Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

وقفة مع الذات بين شاشة الهاتف وساعة الإنجاز

وقفة مع الذات بين شاشة الهاتف وساعة الإنجاز

الوقت يمضي ولا يعود، فعندما تُستبدل العقول بالشاشات، وتُقدم الهواتف على عرش الاهتمام، ويَمتد سلطانها حتى أصبحت تختتم بها الليالي وتفتتح بها الأيام، يأتي الحديث عن الوقت لا بوصفه أرقامًا تُعد؛ بل قيمةً تُهذب، ومجالًا يبني النفس ويزكيها.

وقفة مع الذات

الكثير في زمننا يُمسك بالهاتف من غير حاجة، فيقضي الساعات في التصفح دون غاية، وكأن عمره لا يُحسب، ووقته لا يَذهب، فإذا سألت كم من وقت ضيعنا على الشاشات، وكم من علاقة أسريةٍ قُطِّعت، وكم من طموحات ضُيعت، وكم من كُتب هُجرت؟ من هنا تبدأ التربية الحقيقية للنفس، إن من لم يُحسن محاسبة نفسه في الوقت، لن يُحسن بناء ذاته ولا قيادة حياته، ورب العالمين يقول {أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ} [المؤمنون: ١١٥]، فالله عز وجل لم يخلقنا بلا فائدة ولن يتركنا دون سؤال فلنعد للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا.

ما بين ضغطةِ هاتفٍ ولهوٍ بلا هدفِ *** تضيع سنينُ العمرِ في غفلةِ الترفِ

شاشة الهاتف وسيلة أم غاية

علّمنا صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- أن الوسائل لا تكون خيرًا أو شرًّا بذاتها، وإنما بما نستخدمها فيه، والهاتف في أصله أداة؛ لكن عندما يُستعمل بدون قيود يُصبح مُخيفًا، فيُضعف الإرادة شيئًا فشيئًا، ويُضيع الوقت، ويلغي العقل، يقول صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم-: «لا تزولُ قدَمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامةِ من عندِ ربِّهِ حتَّى يُسألَ عن خمسٍ عن عمرِهِ فيمَ أفناهُ وعن شبابِهِ فيمَ أبلاهُ ومالِهِ من أينَ اكتسبهُ وفيمَ أنفقهُ وماذا عمِلَ فيما علِمْ» [رواه الترمذي].

في هذا العصر، لا يُمكن الحديث عن تربية ناجحة إلا إذا اشتملت على تربية رقمية واعية، يتعلّم فيها الإنسان كيف يستخدم هاتفه، كيف يُسيطر عليه، لا كيف يَستسلم له، وهذا ما نراه في شبابنا اليوم: عقول نابغة، وطموحات عالية، لكن مشتتة بين إشعارات الهاتف ورسائل الواتساب، ومقاطع ريلز لا تنتهي.

دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ *** إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني

فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها *** فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني

ساعة الإنجاز منهج حياة

الإنجاز لا يذهب إلى من ينتظره؛ بل يذهب لمن يسعى إليه، الناجحون في حياتهم لم يكونوا من أصحاب الأوقات الفارغة، بل من أصحاب القرارات القوية التي تقطع التشتت، وتضبط النفس، وتنظم الوقت، وتَعْلَم أن الوقت إذا ذهب لن يعود، يقول الحسن البصري: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يومك، ذهب بعضك"، فالإنجاز لا يُولد من الفراغ، بل من ساعة تُخلِص فيها لنفسك، وتجعل بينك وبين الله محرابًا، وإذا تأملت في سيرة السابقين، ستجد أن أعمارهم كانت محدودة كأعمارنا، لكنهم عاشوا الزمان مضاعفًا؛ لأنهم امتلكوا ساعة الإنجاز، ولم تسرقهم الشاشات، يقول صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- «اغتنِمْ خمسًا قبلَ خمسٍ شبابَك قبلَ هرمِك وصحتَك قبل سقَمِك وغناك قبلَ فقرِك وفراغَك قبل شغلِك وحياتَك قبل موتِك» [رواه الحاكم]، يقول الله تعالى: {وَٱلۡعَصۡرِ * إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ} [العصر: ١-٣]؛ فأقسم بالزمن، ليوقظ النائمين وينبه الغافلين، ويُلفت أنظار العابدين إلى أن الخسارة الحقيقية ليست في المال؛ بل في إهدار وضياع الوقت.

إدارة الوقت بين شاشة الهاتف وساعة الإنجاز

إدارة الوقت ليست تقنية ولا مجموعة من الأدوات؛ بل هي نقطة فارقة في حياة الإنسان، تضع نصب عينيه قول صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- «إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» [رواه البخاري]، فمن يربّي أبناءه، أو يعلّم تلاميذه، أو يقود أمة، لا بد أن يُدرك أن إدارة الوقت ليست مسألة تنظيم فحسب؛ بل حق إدارة الوقت تربية على المسئولية؛ بأن يشعر الفرد أن كل دقيقة أمانة وأنه مسئول عنها، يقول صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ على أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ على بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ» [ رواه البخاري]، تربية على النية والإخلاص، بأن يتحوّل الوقت من أداة للحركة العشوائية إلى إناء يمتلئ بالنية الصالحة، فتصبح الأعمال كلها عبادة لله عز وجل؛ يقول صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم-: «أخْلِصْ دينَك يَكفِكَ القليلُ منَ العملِ» [ أخرجه الحاكم]، تربية على الترتيب والتخطيط.

الخلاصة

الوقت ليس رقمًا يُحسب، بل نعمة يُسأل عنها، وشاشة الهاتف ليست عدوًا ولا صديقًا، بل وسيلة تختبر وعيك وإدراكك، والناجون هم الذين امتلكوا ساعة الإنجاز ولم تجرفهم دوّامة الإشعارات، فاجعل من وقتك محرابًا، ومن هاتفك خادمًا لا سيّدًا، واغتنم لحظتك قبل أن تُسأل عنها، فمن عظَّم قيمة الزمن، عظّمه الله في الأرض والسماء.

موضوعات مختارة