في ظل عصر التطور الرقمي الذي نعيشه اليوم، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى بوابتنا نحو العالم، الأمر الذي يحتاج المحافظة على هويتنا واستغلال أوقاتنا بطريقة بناءة ومثمرة.
في ظل عصر التطور الرقمي الذي نعيشه اليوم، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى بوابتنا نحو العالم، الأمر الذي يحتاج المحافظة على هويتنا واستغلال أوقاتنا بطريقة بناءة ومثمرة.
في ظل الواقع الرقمي الذي نعيشه والذي أصبحت فيه المنصات ومواقع التواصل نافذتنا على العالم، وتحول العالم إلى قرية صغيرة، يبرز سؤال جوهري: كيف لنا أن نحافظ على هويتنا، ونستثمر أوقاتنا، ونحمي أنفسنا في هذا الفضاء الرقمي الواسع الذي يُعرف بمواقع التواصل الاجتماعي؟ إنها ساحات افتراضية جمعت أطراف الأرض، وقربت المسافات، ووفرت منصات للتعبير وتبادل المعرفة، لكنها أيضًا قد تحمل الطوفان القادم الذي يدمر الأديان والأوطان.
لقد جاء ديننا الحنيف بمنهج شامل لكل جوانب الحياة، ولم يغفل جانبًا مَهْمَا بلغ العالم من الحداثة، لأن مبادئه قيم ثابتة صالحة لكل زمان ومكان، ومواقع التواصل الاجتماعي، بما تحمله من خير وشر، تقع تحت مظلة هذه المبادئ السامية، فالله سبحانه وتعالى يأمرنا بالتبين والتثبت، يقول في محكم تنزيله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: ٦]. فهذه الآية الكريمة تضع لنا قاعدة ذهبية ومنهج معتبر ألا وهو التثبت والتبين في التعامل مع سيل المعلومات الذي يتدفق إلينا، فكم من الشائعات انطلقت! وكم من الفتن اشتعلت بسبب النقل غير المتثبت والتصديق الأعمى لكل ما يُنشر! فقبل أن تضغطوا على زر "المشاركة" أو "الإعجاب"، عليكم أن تتأكدوا من صحة المعلومة ومصدرها، وأن تتحروا الحقيقة، خشية أن تكونوا شركاء في نشر الأكاذيب أو إلحاق الضرر بالآخرين عن غير قصد، فهذا التثبت ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو مسؤولية دينية وأخلاقية، تحصن مجتمعنا من سموم الأكاذيب والتضليل، وحفظًا على سلمنا الاجتماعي.
وكما أمرنا الله بحفظ اللسان وغض البصر، فإن هذه الضوابط تمتد آثارها لتشمل عالمنا الافتراضي، فاللسان الذي يمكن أن ينطق بكلمة طيبة يثقل بها الميزان، يمكن أن يقع في الغيبة والنميمة والقذف والكذب والتنمر، ومواقع التواصل تفتح أبوابًا واسعة لهذه الآفات إن لم تكن هناك رقابة ذاتية قوية، فلنتذكر دائمًا قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» (متفق عليه)، فهذا الحديث الشريف هو ميزان دقيق لكل كلمة نكتبها أو صورة ننشرها، فكل منشور، أو تعليق، أو صورة؛ هو بمثابة كلام يُسجل علينا: هل هو خير؟ هل فيه نفع؟ هل هو بعيد عن السخرية والاستهزاء والغيبة؟ لنتذكر دائمًا أن الملائكة تسجل كل صغيرة وكبيرة، وأننا سنُحاسب على ما قُدمت أيدينا وألسنتنا، فكل تفاعل رقمي هو شهادة تُقدم عنا يوم القيامة، لذا يجب أن يكون لساننا وقلمنا الافتراضي حصنًا للحق، لا سيفًا يقطع وشبكةً تصطاد الذنوب.
لذلك يجب الالتزام بالعديد من ضوابط التعامل مع هذه المنصات الرقمية والتي تتضمن عدة جوانب مستنبطة من قيمنا الإسلامية، وتتطلب منا وعيًا عميقًا وتطبيقًا دقيقًا:
أولها: فلترة المحتوى واختيار المفيد، فاجعلوا حساباتكم مرآة تعكس شخصيتكم وقيمكم، بل وسفيرًا لدينكم وأمتكم، لا تكونوا مستقبلين سلبيين لكل ما يُعرض، بل تابعوا الصفحات والحسابات التي تقدم محتوى نافعًا ومفيدًا، وابتعدوا عن المحتوى الذي يحض على الكراهية والتعصب، أو ينشر الفساد والرذيلة، أو يضيع وقتكم دون فائدة مرجوة، تذكروا أن وقتكم أمانة ستُسألون عنها، وأن عقولكم وقلوبكم أمانة أيضًا تستحق أن تُغذى بالنافع والطيب، فالتصفح هنا ليس مجرد ترفيه، بل هو استثمار في الذات يُسأل عنه العبد بين يدي الله.
ثانيًا: احرصوا على غض البصر عن المحرمات، فبالرغم من صعوبة التحكم الكامل في المحتوى الذي يظهر لكم على خلاصات الأخبار، إلا أن القرار النهائي بالنظر أو التجاهل يقع على عاتقكم، احرصوا على غض بصركم عن الصور والفيديوهات المحرمة أو الفاضحة، وتجنبوا متابعة الحسابات التي تنشر مثل هذا المحتوى، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: ٣٠]، فهذا الأمر ليس مجرد نهي عن فعل، بل هو دعوة إلى تزكية النفس وتطهير القلب من الشوائب التي تعلق بالنظر إلى المحرمات، فالنظر بريد القلب، وإذا فسد البريد فسد ما بعده.
ثالثها: احذروا أشد الحذر من الغيبة والنميمة والسخرية، فسهولة الكتابة والنشر على هذه المنصات قد تجعل البعض يقع في فخ الحديث عن الآخرين بسوءٍ (الغيبة)، أو نقل الكلام بقصد الإفساد (النميمة)، أو السخرية منهم وتتبع عوراتهم، تذكروا قول الله تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: ١٢}، فهذا التشبيه البليغ يصور قبح الغيبة ومدى نفور الشرع منها، اجعلوا من حساباتكم منبرًا للكلمة الطيبة، والدعوة إلى الخير، ونشر الفضيلة، لا للطعن والتجريح ونشر الشقاق، فـ «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ».
رابعها: احذروا من الإفراط وإضاعة الأوقات، فمواقع التواصل مصممة لتكون جاذبة ومستهلكة للوقت بشكل كبير، يمكن أن تسرق منكم ساعات طويلة دون أن تشعروا، مما يؤثر على واجباتكم الدينية والأسرية والعلمية والمهنية. ضعوا لأنفسكم حدودًا زمنية لاستخدامها، واستخدموا تطبيقات تنظيم الوقت إذا لزم الأمر، تذكروا أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وأن يوم القيامة ستُسألون عن أعماركم فيما أفنيتموها، فالإفراط الشديد في استخدامها يضر بالصحة البدنية والنفسية، ويسبب العزلة، ويُقلل من الإنتاجية، ويُفقد الشباب الإحساس بمتعة الإنجاز الحقيقي.
خامسها: حافظوا على الموازنة بين الواقع والافتراضي، لا تدعوا العالم الافتراضي يطغى على حياتكم الحقيقية. حافظوا على صلتكم بأهلكم وأصدقائكم في الواقع، فالعلاقات الإنسانية الحقيقية وجهًا لوجه هي أساس بناء المجتمعات السليمة.
شاركوا في الأنشطة الاجتماعية المباشرة، وتعلموا مهارات الحياة العملية، واقضوا وقتًا في التأمل والقراءة بعيدًا عن الشاشات. فالحياة الحقيقية أغنى وأبقى من عالم الشاشات الزائل، وصلة الرحم والأخوة في الله في الواقع لها فضل عظيم لا يمكن أن تعوضها العلاقات الافتراضية.
سادسها: احرصوا على حفظ خصوصية الآخرين، فلا تنشروا صورًا أو معلومات شخصية عن الآخرين دون إذنهم الصريح، ولا تتدخلوا في خصوصياتهم، ولا تتتبعوا عوراتهم، فخصوصية الإنسان مصانة في الإسلام، وكشفها أو التجسس عليها محرم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَباغَضُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا» (متفق عليه) هذه الضوابط تحمي كرامة الأفراد، وتصون نسيج المجتمع من التفكك.
في الختام تبرز أمامنا تلك النتيجة، إن مواقع التواصل الاجتماعي أدوات، كأي أداة أخرى، يمكن أن تُستخدم في الخير أو في الشر، ويستطيع المسلم الواعي أن يحول هذه المنصات إلى منبر للدعوة، ووسيلة للعلم النافع، وسبيل للتواصل الإيجابي، متبعًا ضوابط الشرع الحنيف، فلتكن شاشاتنا نورًا يضيء دروب الخير، لا ظلامًا يودي بنا إلى المهالك، لنتذكر دائمًا أننا محاسبون على كل ما نقوله ونفعله، سواء كان في عالمنا الحقيقي أو عالمنا الافتراضي، وأن كل تفاعل هو أمانة سنسأل عنها، لذلك يبقى هذا السؤال الفاصل: ما أثر بصمتكم الرقمية التي تتركونها في هذا العالم؟
مواقع التواصل الاجتماعي أدوات ذات تأثير مزدوج، يمكن استخدامها لنشر الخير أو الشر، ولكن المسلم الواعي قادر على تحويل هذه المنصات إلى وسائل تعزز الدعوة وتنشر العلم المفيد، فلنحافظ على أنفسنا ولنقدم الخير ونحذر من الشر.