Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قيمة الزمن عند العلماء .. همة عالية

قيمة الزمن عند العلماء .. همة عالية

لقد ضرب علماء المسلمين أروع الأمثلة في استثمار الوقت، فحوّلوا اللحظات إلى إنجازات خالدة، من البخاري إلى ابن عقيل، ولقد كان سرُّ نجاحهم الاجتهادَ وتنظيمَ الوقت، فكانت حياتُهم عملًا متواصلًا نافعًا لهم ولأمَّتِهِم في الدنيا والآخرة.

الزمن رأسُ المالِ الحقيقي

تلك الجملة قبل أن تكون عنوانًا لمقال، فهي تحمل عنوانًا لكتاب ماتع للعلامة عبد الفتاح أبي غدة، أبرز فيه مؤلِّفُهُ تلك اللحظات التي صنعت أعظم  حضارة في تاريخ البشرية، وبَيَّنَ أنَّ السِّرَّ في صنع تلك الحضارة هو حُسن استثمار الوقت، فقد ضرب علماء المسلمين عبر التاريخ أروع الأمثلة في المحافظة على الزمن واستثماره في تحصيل العلم، والتأليف، وخدمة الأمة، فلم يكن الوقت بالنسبة لهم مجردَ ساعاتٍ تَمُرُّ، بل كان رأسَ المالِ الحقيقي الذي يُوَجِّهُونَه بوعي نحو أقصى درجات الفائدة والنفع، وبين يديك نماذج مضيئة تبرز قيمة الزمن عند علماء المسلمين؛ لنرى بعد ذلك هذا النتاج العلمي الفريد، ومن هؤلاء:

الإمام البخاري (صاحب صحيح البخاري)

يُعد الإمام البخاري قدوة في حفظ الوقت واستثماره في طلب الحديث وجمعه، يُروَى أنه كان لا ينام إلا غفوة، ويستيقظ مرات عديدة في الليلة الواحدة ليكتب ما يطرأُ على ذهنه من خَواطِرَ أو أحاديثَ؛ حتى أنه كان يستيقظ من نومه كُلَّما خطر بباله شيء يَخْشَى فواته، ثم يُشعل السِّرَاج ويكتب، ثم يُطْفِئُه وينام، ثم يستيقظ، وهكذا قضى حياتَه كلَّها في الترحال لطلب الحديث، وجمع "صحيح البخاري" الذي يُعتبر أصح الكتب بعد كتاب الله، وهو ما تطلب منه دقة متناهية وجهدًا هائلًا، لا يتأتى إلا لمن يُدرك قيمةَ كل لحظةٍ، هذا بجانب ما ألَّفَه من المُصَنَّفَات التي وضع الله لها البركة والقبول.

الإمام النووي (صاحب رياض الصالحين)

كان الإمام النووي أعجوبة عصره، فقد كان آية في قلة النوم والجد في الطلب، فكان  يُذكر عنه أنه لم يضع جنبه على الأرض للنوم إلا ليلة واحدة طيلة ست سنوات، وكان ينام وهو جالس، وكان يقضي وقته كله في الدراسة والتأليف والتدريس، فقام بتأليف العديد من الكتب في مُخْتَلَفِ العلوم الشرعية، أشهرها: "رياض الصالحين"، و"شرح صحيح مسلم"، و"منهاج الطالبين"، و"المجموع"، وترك لنا تراثًا علميًا ضخمًا ومباركًا، يدل على استثمار منقطع النظير لكل دقيقة في حياته القصيرة نِسبيًا، ليُحقِّقَ واجبَ وقته في ظل مُعطَيات زمانه، فحقق الله له ما يَصْبُو إليه، من إحياء العلوم على يديه في أصعب الفترات في تاريخ الأمة، حيث فتنة التتار.

الإمام ابن الجوزي (صاحب صيد الخاطر)

كان الإمام ابن الجوزي أيقونة في اغتنام الفرص وصيد الفوائد من كل لحظة، فقد قام بتأليف أكثر من ٣٠٠ كتاب في شتى الفنون، فكان شديد الحرص على وقته، فكان يُروى عنه أنه كان يدون خواطره وفوائده حتى أثناء سيره في الطريق أو جلوسه في الانتظار، فجمعها في كتابه "صيد الخاطر". وكان يقول: "إني لا أُحصي كم مرة كنت أقرأ في كتاب فتقع عيني على كلمة أو فكرة فأجدني أخرج قلمي لأدونها"، فكان يقضي بعض أعماله اليدوية (مثل بري الأقلام) أثناء زيارة بعض الناس له، وهذا يدل على دقة ملاحظته، وحرصه على عدم إضاعة أي جزء من وقته أو موارده.

أبو الريحان البيروني (العالم الموسوعي)

يُعتبر البيروني من أعظم علماء الحضارة الإسلامية في حفظ الزمن وتوزيع المهام، كان عالمًا موسوعيًا في الفلك، والرياضيات، والجغرافيا، والفيزياء، والصيدلة، والتاريخ، لذلك كان يستغل كل لحظة حتى أثناء أسفاره في الملاحظة والتجربة وتدوين الفوائد والنتائج، فكان يخصص أوقاتًا محددة لكل علم من العلوم التي يدرسها ويؤلف فيها، ولم يكن يدع وقتًا يضيع هباءً، فهذا التوزيع الدقيق للوقت مكَّنَه من إنجاز هذا الكمِّ الهائل من الأعمال العلمية التي لا يزال بعضها يُدرّس حتى اليوم.

ابن عقيل الحنبلي (صاحب الفنون)

كان صاحب حال عجيب مع الوقت، فهو مثال للعلماء الذين يستثمرون أعمارهم الطويلة بجد واجتهاد، فقد عاش ابن عقيل ٩٦ عامًا، وقد ألف خلالها كتاب "الفنون" الذي قيل إنه بلغ ٨٠٠ مجلد، وربما كان أكبر كتاب ألَّفه مسلم، وهذا يدل على استمرارية العمل والتحصيل العلمي دون توقف، حتى مع التقدم في العمر، فكان وقته مُقَسَّمًا بين التدريس والتأليف والعبادة، ولم يكن يسمح بمرور وقت دون فائدة.

هذه النماذج ليست مجرد قصص تُروى، بل هي منارات تضيء لنا طريق استثمار الزمن، إنهم يعلموننا أن تقدير الوقت، والتخطيط الجيد له، والابتعاد عن التسويف، وتنظيم المهام، هي مفاتيح النجاح في الدنيا والآخرة، لقد أدرك هؤلاء العمالقة أن كل لحظة هي أمانة، وأن استغلالها الأمثل هو سبيل للتقدم والرقي وصناعةِ حضارة، وتركِ إرثٍ يدوم بعد الممات.

الخلاصة

لقد ضرب علماء المسلمين أروع الأمثلة في استثمار الوقت، فحوّلوا اللحظات إلى إنجازات خالدة، من البخاري إلى ابن عقيل، ولقد كان سرُّ نجاحهم الاجتهادَ وتنظيمَ الوقت، فكانت حياتُهم عملًا متواصلًا نافعًا لهم ولأمَّتِهِم في الدنيا والآخرة.

موضوعات مختارة