بعض الملحدين يشككون في هذه الآية الكريمة من وجوه، أشهرها:
- القول بأن الحياة قد تنشأ دون ماء في كواكب أخرى.
والجواب: إن كل أشكال الحياة التي يعرفها الإنسان اليوم، مبنية على
وجود الماء كشرط جوهري، وإن كان هناك بعض
الافتراضات العلمية عن حياة لا تعتمد على الماء - كما زعموا - لم تُثبَت بعد
كحقيقة علمية، وظلت مجرد نظريات غير مدعومة بدليل تجريبي راسخ.
والمجرب والمشاهد
أنه لا يوجد حتى الآن أي كائن حي مكتشف يعتمد جوهريًا على وسيط غير الماء في
استمراره في الحياة.
- القول بأن الإنسان مخلوق من تراب حسب آية أخرى في القرآن، وليس من ماء.
والجواب: إن القرآن يصف مراحل متعددة للخلق، منها ذكره خلق الإنسان
من طين، والطين مركب من التراب والماء، فليس في ذلك تناقضًا بل تكاملًا بيانيًّا
يواكب التدرج العلمي؛ فالطين هو التراب الممتزج بالماء، كما معلوم!. قال جل شأنه: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ
الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} [السجدة:١٦].
وقالوا أيضًا: إن هناك مخلوقات تعيش بدون الحاجة إلى الماء، مثل: (الجربوع، والكوالا، وبعض أنواع الحشرات، والبرمائيات). وقالوا - بكذبهم -: "هذا مما يكذب القرآن في هذه الآية: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا
يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:
٣٠ ]".
والجواب: لو أنكم كنتم تفهمون مقاصد اللغة وفهم معاني كلماتها، لما
تكلمتم بهذا الجهل الشنيع، وذلك لأن الله تعالى قال في الآية: {من الماء}، ولم يقل: {بالماء}!
فلو قال: {بالماء}، لكان لكم الحق في اعتراضكم، ولكن لا
حقّ لكم فيما تعترضون به، ذلك لأن الآية جاءت بقوله سبحانه: {مِنَ الْمَاءِ}، ولو كنتم تعقلون معناها ما تكلمتم!
فحرف الجر: (من) في اللغة العربية يفيد معانٍ متعددة، منها: ابتداء الغاية المكانية، أو
الزمانية، أو غيرها، وفي هذه الآية
تفيد (من) ابتداء الغاية في الجنس، أي أن أصل كل شيء حي هو الماء.
وعلى هذا المعنى
فالآية الكريمة تؤكد على أهمية الماء في خلق وإحياء كل الكائنات الحية، وتدعو إلى
التأمل في قدرة الله تعالى في ذلك، سواء من كان يشرب منها الماء، أو لا يشربه!
والله تعالى لم يقل: (بالماء)، لأنه لو قال ذلك لكان المعنى أنه لا يوجد مخلوق على وجه الأرض لا يحيا بدون
الماء، ولكن ذلك لم يكن فكان المعنى: إن الله تعالى خلق الكائنات من ماء، وجعل منها ما لا يستغني عن شرب الماء،
ومنها ما هو مخلوق منه وأصل في خلقته وتركيبه وإن لم يشرب الماء.
فكان تعبير القرآن
دقيقًا معجزًا في التعبير عن هذه الحقيقة، بقوله تعالى: {من الماء}.
وهذا ما أثبته الحق
تبارك وتعالى فقال: {وَاللَّهُ خَلَقَ
كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ
مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ
اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور: ٤٥].
فمعنى الآية: يقول
الله تعالى بأنه قد خلق كل ما يدبُّ على الأرض من ماء، والدابة: اسم لكل حيوان ذي روح، فالماء أصل خلقه، لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا
مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنبياء: ٣٠]، ومن وجوه تأويل الماء فيها أيضًا: أن
الحيوانات التي تتوالد، مادتها ماء النطفة حين يلقح الذكر الأنثى.
وهناك حيوانات تتولّد
من الرطوبات المائية في الأرض، كبعض الحشرات، فالمادة واحدة هي الماء، ولكن الخلقة
مختلفة من وجوه كثيرة.
ولما كان الماء هو
الأصل في خلقة كل شيء حيّ، وجدنا العلماء يقتلون حتى الميكروب الصغير الدقيق بأن
يحجبوا عنه المائية فيموت، ومن ذلك مداواة الجروح بالعسل؛ لأنه يمتص المائية أو
يحجبها، فلا يجد الميكروب وسطًا مائيًا يعيش فيه.
يقول الإمام الرازي
رحمه الله: "فإن قيل: لماذا نكَّر الماء هنا، - أي في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ}، وجاء معرَّفًا
في قوله تبارك وتعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}[الأنبياء:
٣٠] ؟
والجواب: إنما جاء هنا منكَّرًا؛ لأن المعنى أنه خلق كل
دابة من نوع من الماء يختص بتلك الدابة، وإنما جاء معرَّفًا في قوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ}[الأنبياء: ٣٠]؛
لأن المقصود هناك كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وها هنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم
إلى أنواع كثيرة.
ومما نجيبهم به:
أننا سنأخذ مما ضربتم به مثلًا: (الجُرذ الكنجري)، فهو مخلوق عجيب
بالرغم من أنه يعيش في مناطق حارة وصحاري معينة في غرب الولايات المتحدة، لكنه
يعيش دون شرب الماء، فكيف له أن يعيش دون شرب الماء؟!
فسَّر العلماء أن (الجرذ الكنجري) يعيش على الماء مثل باقي الكائنات، لكنه يقوم بتصنيع الماء بنفسه ولا يشربه،
فيمكن أن يموت في حال شرب الماء، ووجود حويصلات مائية تحت جلده وفي جسده هي السبب
في حياته من غير استعماله الماء، ولو شرب لمات! فسبحان من خلق فسوى!
وقال الباحثون: "هذا السبب يرجع إلى التركيبة الكيميائية للماء وهي (H٢o) ذرة أكسجين وذرتي الهيدروجين؛ إذ تأكل هذه المخلوقات الحبوب وبعض
الأطعمة، وتقوم بأخذ الهيدروجين من طعامها، وعلى الفور تمزجه بالأكسجين الذي
تتنفسه، فيتكون لها الماء، ولذلك هو حيوان لا يشرب الماء لكنه يصنعه داخل جسمه، ويقلل
من احتياجه من المياه عن طريق إنتاج بول مركز، وبراز جاف، فلا يحتاج إلى شرب الماء.