Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

آثار الغلو في الدين.. رؤية اجتماعية

آثار الغلو في الدين.. رؤية اجتماعية

في ظل ظلام التشدد يفقد الدين جوهره الإنساني ليتحول إلى أيديولوجية قاسية تقطع أواصر المجتمع، وتغرس فيه بذور الفرقة، فمخطئ من يدعي أن ظاهرة التغالي في الدين مجرد سلوك فردي، بل هي ظاهرة اجتماعية عميقة الأثر، تنعكس سلبًا على النسيج الاجتماعي، وتضع حاجزًا من الجليد بين الفرد والمجتمع.

لذلك يرى علماء الاجتماع أن هذه الظاهرة، وإن بدأت في قلب الفرد، لا تلبث أن تتفشى كالنار في الهشيم، لتترك وراءها مجتمعًا منقسمًا، متوحشًا ومفككًا، لذلك تعددت رؤى علماء الاجتماع التي ترصد هذه الظاهرة وتحلل الآثار الاجتماعية الناتجة عنها.

أبرز الآثار الاجتماعية للتغالي في الدين

أ‌- فقدان المساحات المشتركة

فمن أبرز الآثار الاجتماعية للتغالي: فقدان المساحات المشتركة التي تجمع بين أفراد المجتمع ، بغض النظر عن اختلافاتهم ، نتيجة انسحاب المتغالي من الحياة العامة ، فالأماكن العامة، والأندية الثقافية، والفعاليات الاجتماعية، يُنظر إليها من قبل المتغالي بعين الريبة، وتُصنف على أنها "فاسدة" أو "غير دينية"، فهذا الانسحاب من الحياة العامة من قبل المتغالي وجماعته يفقر المجتمع من تنوعه، ويجعل الحياة الاجتماعية تقتصر على الجماعات المغلقة فقط ، وهذا ما يؤكده  علماء الاجتماع، مثل روبرت بوتنام في كتابه "وحده البولينج"، فركز على أهمية "رأس المال الاجتماعي" الذي يتشكل من خلال هذه المساحات المشتركة والتفاعل الاجتماعي الإيجابي، فالتغالي يدمر هذا الرأس المال الاجتماعي، ويحوّل المجتمع من شبكة متصلة إلى مجموعة من الجزر المنعزلة.

ب‌- التفكك الاجتماعيّ

ومن الأثار الاجتماعية لظاهرة التغالي في الدين: ما يعرف بالتفكك الاجتماعي، فالمتغالي في الدين يميل إلى الانعزال عن المجتمع الذي يراه فاسدًا أو بعيدًا عن الحق، فهو يلتحق بفكر "جماعة مغلقة" من أصحاب الأفكار المشابهة، ويخلق حولها سورًا من التعصب واليقين المطلق.  هذا الانعزال ليس مجرد اختيار شخصي، بل هو عملية إقصاء وتهميش للآخرين، حيث يُنظر إلى كل من هو خارج هذه الدائرة كـ إنسان ضال مضل.

  لقد حذر الإسلام من هذه العزلة، وجعل الجماعة ركنًا أساسيًا في بناء الفرد والمجتمع، حيث يقول الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم: «عليْكُم بالجماعة وإياكم والفرقةَ فإنّ الشيطانَ مع الواحدِ وهوَ من الاثنينِ أبعدُ».  [سنن الترمذي]

 فهذا الحديث يضع قاعدة اجتماعية مهمة؛ فالتوحد قوة، والانعزال ضعف، فالتغالي يمزق هذا النسيج الاجتماعي، ويحوّل الأمة من جسد واحد إلى جزر معزولة، لا يربط بينها سوى الشك والارتياب.

بجانب ذلك يُنتج التغالي في الدين ثقافة من الشك وانعدام الثقة بين أفراد المجتمع، فالمتغالي ينظر إلى الآخرين بعين الريبة، ويُفتش في نواياهم وأفعالهم بحثًا عن أدلة تدينهم، فهذا السلوك ينسف الثقة، التي هي أساس كل علاقة اجتماعية سليمة، عندها يفقد الناس الثقة في بعضهم البعض، فتتحول العلاقات الإنسانية من روابط مودة وتراحم إلى مجرد تفاعلات سطحية تحكمها الحذر والريبة.

 يؤكد علماء الاجتماع خطورة ذلك، وقد طرح ذلك عالم الاجتماع إميل دوركهايم في طرحه لنظرية "التضامن الاجتماعي " التي عرضها في كتابه "تقسيم العمل في المجتمع"، وركز فيها على أهمية الثقة كعنصر جوهري في تماسك المجتمع، فالتغالي يهاجم هذا التضامن، ويحل محله تضامنًا مريضًا داخل الجماعات الصغيرة، مما يضعف التضامن العام.

 في مقابل ذلك حث الإسلام على حسن الظن بالمؤمنين، واعتبر التجسس وسوء الظن من أكبر الآفات التي تفتك بالمجتمع. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:آية ١٢] فهذا البيان الإلهي ليس مجرد وصية أخلاقية، بل هو قانون اجتماعي يهدف إلى حماية المجتمع من التصدع والفرقة.

ج- تآكل المؤسسات الدينية

ومن الآثار الاجتماعية الخطيرة للتغالي في الدين: تآكل المؤسسات الدينية.

 فالمتغالي قد يرفض سلطة المؤسسات الدينية المعتدلة، ويرى أنها لا تمثل الدين الصحيح، مما يؤدي إلى ظهور سلطات دينية غير رسمية تفتقر إلى الخبرة والرصانة، وهذا ما يؤكده عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في تحليله "للسلطة الكارزمية"، حيث يشير إلى أن ظهور القادة الكارزميين الذين يتبعهم الأفراد دون تفكير، يمكن أن يهدد استقرار المؤسسات القائمة ، كما يخلق التغالي فجوة عميقة بين الأجيال، فالجيل المتشدد يفرض قيمه وأفكاره على الأجيال الشابة بطريقة قسرية، مما قد يؤدي إلى رد فعل عكسي، حيث يرفض الشباب الدين ككل، ويرونه مرادفًا للقسوة والتطرف ، هذه الفجوة تزيد من التوتر الاجتماعي وتعيق انتقال القيم الإيجابية بين الأجيال.

د- تحوله إلى عنف وتطرف

أما عن أخطر الآثار الاجتماعية للتغالي هو تحوله إلى عنف وتطرف، فعندما يرى المتغالي أن أفكاره هي الحق المطلق، وأن الآخرين في ضلال مبين، فإن هذا الفكر قد يتطور ليبرر استخدام العنف ضد "المخالفين"، نتيجة الإحساس بالتفوق الديني، المصحوب بالتعصب الأعمى، مما يدفع الفرد أو الجماعة إلى ارتكاب أفعال عنيفة، بحجة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أو "حماية الدين"، تعتبر هذه الظاهرة خطرًا يهدد السلم الاجتماعي، ويجعل من المجتمع ساحة للصراع والاقتتال.

 لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا العنف، وحث على الرحمة واللين، حتى في مواجهة المخالف، حيث يقول الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [رواه البخاري في الأدب المفرد] فرسالة الإسلام كانت رسالة رحمة، والتغالي يحوّلها إلى رسالة قسوة.

كما يُشكل التغالي عائقًا أمام التنمية الاجتماعية، حيث يميل المتشددون إلى رفض كل ما هو جديد أو مستورد من ثقافات أخرى، حتى لو كان مفيدًا للمجتمع، فهم ينظرون إلى العلوم الحديثة، والتطورات الاجتماعية، والتفاعل الثقافي، بعين الريبة والشك، ويعتبرونها "مؤامرة" لإفساد المجتمع، هذا الرفض يضع حاجزًا أمام التنمية الشاملة للمجتمع، ويعزله عن التفاعل الإيجابي مع العالم.

  إن الإسلام دين يدعو إلى العلم والتفكر، وقد حث القرآن على التأمل في الكون واكتشاف قوانينه. {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [سورة يونس: آية ١٠١]، فالتغالي يوقف هذا المسار المعرفي، ويستبدله بتقليد أعمى وتفكير جامد، مما يحرم المجتمع من أهم أدوات التقدم والازدهار.

وفي الختام أقول ... إن التغالي في الدين لا يضر الفرد وحده، بل هو قنبلة موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي، وينهي على دول وحضارات ويمزق وحدتها، فالإسلام يرفض هذا الغلو، ويدعو إلى التوازن، والرحمة، والتسامح، لأن هذه القيم هي أساس بناء مجتمع متماسك، وقوي، ودولة مستقرة، لذلك فمصر تنفي خبثها وإن شئت فقل غلاتها، دامت وسطية مصر منهج أمة. 

الخلاصة

يؤدي التغالي الديني إلى عزلة اجتماعية تُمزِّق نسيج المجتمع، حيث ينسحب المتشددون من الفضاءات العامة ويُحَجمون عن التفاعل مع المختلفين، مما يفقد المجتمع مساحاته المشتركة ويُضعف رأس ماله الاجتماعي، كما يولد تفككًا مجتمعيًّا عبر تعميق الشك وانهيار الثقة بين الأفراد، واستبدال التضامن العام بجماعات مغلقة متعصبة، وكذا يتسبب في تآكل المؤسسات الدينية الرسمية لصالح سلطات دينية غير رصينة، مع إعاقته للتنمية برفض كل جديد وتفجير فجوات بين الأجيال، وأخيرًا، يُحوِّل التغالي الدين إلى أيديولوجيا عنف تبرر الصراع باسم "الحق المطلق"، وتُهدد السلم المجتمعي تحت شعارات دينية مُحرَّفة