Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دراسات نفسية .. تغوص في نفسية المتغالي الظلمانية

دراسات نفسية .. تغوص في نفسية المتغالي الظلمانية

الغلو في الدين ليس فقط ظاهرة اجتماعية بل حالة نفسية معقدة تنبع من أعماق النفس القلقة. إنها رحلة مظلمة داخل الذات، تهرب من الضعف واللايقين إلى قلاع الأيديولوجيا الجامدة واليقين المطلق.

الغلو ظاهرة نفسية معقدة

يشكل الغلو في الدين ظاهرة نفسية معقدة تتجاوز مجرد التدين السطحي إلى حالة نفسية عميقة تتشكل بفعل عوامل داخلية وخارجية، وتؤدي إلى سلوكيات متشددة تتنافى مع جوهر وسماحة هذا الدين.

فبدراسة نفسية المتغالي، نجد أنه غالبًا ما يكمن في داخله  قلق وجودي عميق، يتولد هذا القلق من الشعور بالضعف أمام تعقيدات ومصاعب الحياة، وعدم اليقين بشأن المستقبل، والخوف من المجهول، فيرى التغالي والتشدد في الدين بمثابة اليقين المطلق الذي يوفر له الحماية المستقبلية من غدر الزمن، فيتحول إلى أيديولوجية جامدة توفر له إجابات قاطعة على كل الأسئلة، هذا السلوك يشبه ما رصده عالم النفس إريك فروم في كتابه "الهروب من الحرية" من سلوك بشري حيث يشير إلى أن بعض الأفراد يفضلون التخلي عن حريتهم الفردية وقدرتهم على التفكير المستقبل، مقابل الانضمام إلى نظام فكري صارم يوفر لهم الأمان والشعور بالانتماء، هذا السلوك النفسي يناقض المنهج القرآني الذي يدعو إلى التفكير والتدبر لا إلى التقليد الأعمى، فالقرآن يطرح الأسئلة ويحفز على البحث، بينما المتغالي يبحث عن إجابات جاهزة معلبة ، وكأن هذا اليقين المطلق سيحميه من مشاعر النقص والضياع، وتناسى المتغالي أمام تلك النفسية هذا البيان الإلهي: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (سورة الإسراء: آية ٣٦).

الغلو تعويض عن عقدة النقص

 وعند النظر إلى سلوكيات أصحاب الفكر ودراسة نفسية  كثير منهم، نجد أن الغلو في الدين بمثابة تعويض نفسي عن شعور عميق بالنقص أو العجز، فقد يكون الفرد فشل في تحقيق أهدافه الحياتية، أو مر بتجارب مؤلمة، فيجد في التشدد الديني وسيلة لإثبات الذات، هذا السلوك يمنحه شعورًا بالقوة والسيطرة، حيث يرى نفسه "الأفضل" أو "الأكثر تقوى"، وهذا الشعور يجعله يتفوق على الآخرين في نظره،  فهذا النوع من التعويض النفسي يمكن فهمه من خلال "مفهوم عقدة النقص" الذي وضعه عالم النفس ألفريد أدلر، حيث يرى أن الأفراد الذين يعانون من شعور بالنقص قد يسعون للتعويض عن ذلك من خلال السعي المفرط نحو السلطة أو الكمال،  فيحاولون إخفاء ضعفهم عن طريق تبني سلوكيات متطرفة،  فيتحول هذا التعويض إلى مصدر للكبر والغرور، وهو ما حذرت منه الأحاديث النبوية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» [صحيح مسلم]، فشعور التفوق الديني الذي يكتسبه المتغالي يصبح حاجزًا بينه وبين الله والناس.

المتغالي يميل إلى تكوين "جماعات مغلقة"

وفي مشهد متكرر يميل المتغالي إلى تكوين "جماعات مغلقة" أو "دوائر منعزلة"، يحيط نفسه فيها بمن يشاركونه نفس الأفكار والمعتقدات، هذا الانعزال ليس مجرد اختيار، بل هو آلية دفاعية لحماية أفكاره المتشددة من النقد أو التشكيك ، فيشير عالم النفس غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير" إلى  تلك الفكرة فيؤكد أن الجماعة المغلقة تمنح الفرد شعورًا بالقوة واليقين الذي يفقده عندما يكون وحيدًا خارج الجماعة، فيتلاشى التفكير الفردي، وتتولد قناعة جماعية بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، بينما الآخرون ضالون؛ لتتولد حالة من الشعور بالتعالي يؤدي إلى ازدراء الآخرين والحكم عليهم بالضلال، وبالتالي يبررون لأنفسهم الابتعاد عن المجتمع، هذا الانعزال والازدراء للآخرين يتنافى تمامًا مع روح الإسلام الذي يدعو إلى التعايش والتسامح، ويأمر ببر الوالدين وصلة الأرحام والتعامل الحسن مع الجيران، حتى لو كانوا غير مسلمين. 

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الانعزالية عن المجتمع فيما يعرف بحديث الانشقاق عن الجماعة: «عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد» [سنن الترمذي].

طريقة الحكم على الأشياء عند المتغالي

 أما عن طريقة الحكم على الأشياء عند المتغالي، فهي طريقة مشوهة ، فلا وجود في  فلسفة  المتغالي لما يعرف بالمنطقة الرمادية، فكل شيء إما صواب مطلق أو خطأ مطلق،  هذا التفكير الثنائي يجعل من الصعب عليه تقبل فكرة الخطأ أو النقص البشري، فيرى في نفسه نموذجًا للكمال، ويطالب الآخرين بنفس المستوى من الالتزام، مما يخلق ضغطًا هائلًا على نفسه وعلى المحيطين به، فهذا السلوك ينبع من "التفكير القطبي" أو "التفكير الأبيض والأسود"، وهو أحد أنواع التشوهات المعرفية التي وصفها آرون بيك، مؤسس العلاج المعرفي السلوكي، وهذا النوع من التفكير يمنع الشخص من رؤية الواقع على حقيقته، بكل ما فيه من تعقيدات وتنوع معرفي،  في المقابل يقر الإسلام بالطبيعة البشرية التي قد تخطئ وتصيب، ويدعو إلى التوبة والعودة إلى الصراط المستقيم. {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (سورة البقرة:آية  ٢٢٢).

الخلاصة

إن فهم نفسية المتغالي في الدين لا يبرر سلوكه، بل يضيء على الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك، فالغلو ليس سمة من سمات التدين الحقيقي، بل هو انحراف عن الاعتدال والرحمة، وهما من أسمى مقاصد الإسلام، فنحن أمام نفسية ظلمانية انحرفت عن جادة الطريق، فعاشت حالة مأسوية تحتاج إلى علاج نفسي عاجل طويل الأجل يواجه أصنام العصبة المؤمنة، والطائفة المنصورة، وحتمية الصدام، والاستعلاء بالإيمان، فهل يقبل المتغالي أن يكسر تلك الأصنام النفسية؟