الغلو الديني آفة فكرية تتجاوز حدود المشروع، وتُفضي إلى انحراف السلوك وتشويه صورة الدين، وقد تضافرت جهود العلماء لبيان خطر الغلو وضرورة معالجته بعلم وحكمة وفق نهج النبوة في الدعوة إلى الله.
الغلو الديني آفة فكرية تتجاوز حدود المشروع، وتُفضي إلى انحراف السلوك وتشويه صورة الدين، وقد تضافرت جهود العلماء لبيان خطر الغلو وضرورة معالجته بعلم وحكمة وفق نهج النبوة في الدعوة إلى الله.
الغلو معناه مجاوزة الحد والارتفاع عن المسموح به وهذا ما تشير إليه اللغة. [لمراجعة مادته انظر: لسان العرب، ابن منظور، مادة (غلو)، ج١٥، ص١٣١، طبعة دار صادر].
وعندما تكلم العلماء في مفهوم الغلو، وصفوه بالمجاوزة والمبالغة والتَّشْدِيْد والإسراف، وهي معان تدور في دائرة أن يفعل الإنسان فعلًا غير مسموح به شرعًا، ويصطدم مع مقاصد الشريعة، وهذا ما يؤكده تعريف الحافظ ابن حجر للغلو بأنه: المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد [فتح الباري، ابن حجر، ج١٣، ص٢٧٨، طبعة دار المعرفة].
وكذا يتفق الشاطبي مع مزيد بيان، إذ يقول في تعريف الغلو: إنه المبالغة في الأمر ومجاوزة الحد فيه إلى حيز الإسراف. [الاعتصام، الشاطبي، ج٢، ص١٧٣، طبعة دار ابن عفان]
فيمكننا القول بأن مفهوم الغلو في أبسط معانيه: أن يتجاوز الإنسان الحدود الشرعية في الأقوال والأفعال مخالفًا مقاصد الوحيين الشريفين، من يسر وتسامح وتوسط ولين وخفض جانب، وغيره، مما يصدر من كليات الشريعة الغراء ومقاصدها.
الغلو مرفوض، ترفضه أمة الوراثة المحمدية، التي أكرمها الله تعالى بمنهج الوسط والاعتدال، إذ ميزها الله تعالى بأن جعلها أمة معتدلةٌ في عقيدتها وسلوكها، متزنةٌ في فهم الشريعة وتطبيقها، اختار الله لها الاعتدال في كل شيء، قال تعالى: {وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطًا} [البقرة: ١٤٣]، والوسط هو منتصف الشيء وأعدله، لا إفراط فيه ولا تفريط، والميل إلى أحد الطرفين يُعدّ تطرفًا مذمومًا، سواء بالغلو أو بالتقصير، ولا يكون الميزان مستقيمًا إلا إذا تعادلت كفتاه.
ومهمة علماء الأمة هو رفض الغلو بشتى صوره ومواجهته، بقطع مبرراته وأسبابه والتي من أخطرها أن يُفسر التطرف، أو الغلو: بأنه غيرةً محمودة، أو تورعًا زائدًا، بل هو انحراف في الفهم، يجعل صاحبه يتعامل مع الدين بقسوة تفقده روحه، وقد حذر الله تعالى منه في قوله: {يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ} [النساء: ١٧١].
وقد ورث العلماء عن الجَنَاب الأعظم ـ صلى الله عليه وسلم ـ رفض التنطُع والتشدد والتنفير، فقال: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» [مسلم، ٢٦٧٠]، أي: المتشددون، وقال ـ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» [البخاري، ٣٩]، وقال ـ صلى الله عليه وسلم: «يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» [صحيح البخاري (١/ ٢٤٩)]، ففي هذه النصوص المباركة تتجلى هدايات النبوة في العبادة والسلوك والمعاملة، مما يعكس التوازن والتدرج على الفرد والمجتمع، تلك هي السنة وقد قال الجناب الأعظم: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي» [البخاري، ٥٠٦٣].
حذر صاحب الجناب المعظم من خطر الغلو والتطرف الديني، خاصة حين يصدر من شخص ظاهر عليه الصلاح والعلم، لكنه ينقلب على مبادئ الإسلام ويُسيء استخدام الدين، فيمزق نسيج المجتمع، ويُفسد السلم العام وينحرف عن منهج الوسطية والرحمة، ويفعل جرائم باسم الدين، ويُزعزع الثقة بين أفراد المجتمع.
فعن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ رِدْئًا لِلإِسْلَامِ، غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ قَالَ: "بَلِ الرَّامِي» [صحيح ابن حبان: التقاسيم والأنواع (٤/ ٤٦٦)]
هذا حديث في غاية الأهمية؛ لأنه يصف لنا حالة عجيبة من المتحمسين للإسلام، حصلت لها أطوار وتحولات في غاية العجب، تبدأ بالشغف بالقرآن والولع به، حتى تلوح أنواره عليه، وتنتهي به وقد وقع في التكفير، وحمل السلاح وأراق الدماء، وقد وصف - صلى الله عليه وسلم - حال ذلك الرجل بثلاثة أوصاف:
أولها: أنه آتاه الله القرآن، فهو ليس بغريب عن القرآن، بل هو منسوب إليه، وقد اعتنى بالقرآن وخدمه، وحفظه، واشتهر به، فصار ظن الناس فيه حسنًا، لشيوع خدمته للقرآن وعنايته به.
ثانيها: أنه رؤٍيت عليه بهجة القرآن؛ لأن القرآن نور، وله بهجة تخالط صاحبه، ولشدة ولع ذلك الرجل بالقرآن وكثرة تلاوته له، صار الناس يرون عليه أثرًا من نورانية القرآن، فإن كل من خدم القرآن وأدمن تلاوته سَرَی نورُ القرآن إليه، ولمعت في وجهه مسحة من أنواره، فيزداد ظن الناس فيه، لما يرون عليه من بهجة القرآن.
ثالثها: أنه رجل شديد الحماسة لهذا الدين، حتى صار رِدئا للإسلام، وحاميًا له، ومنافحًا عن حماه، ثم من بعد كل هذا النشاط الذي يترك لذلك الرجل صيتًا حسنًا في مجتمعه، ويَشِيْعُ بينهم ظنٌ حسنٌ فيه، ومهما اختلف الناس في شأنه فإنهم لا يزالون يحفظون له حماسه للإسلام، وخدمته للقرآن، ومن هنا يبدأ الإشكال، وتحدث البلبلة، ويضطرب الناس بسبب ذلك الرجل اضطرابًا هائلًا.
فقد طرأ على الرجل تغيُّر عجيب بعد ذلك، عبر عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله :«غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ»، والتغيير ليس في ألفاظ القرآن وعباراته وحروفه، بل إن التغيير في فهمه وتأويله؛ لأنّ الرجل أقدم على ذلك، وتقحّم وتهجّم على حمى القرآن بالتأويلات الباطلة، اغترارًا منه بكل ما سبق من جهود وتلاوة، فركن إلى حسن العناية وكمال التعلق بالقرآن، فظن أن هذا يكفيه في فهمه، فأقدم على ما لا يحسنه من الاستنباط والتأويل، فخرج بمجموعة من المفاهيم والأوهام والظلمات، والاستنتاجات والاستنباطات المنحرفة، وهو في كل ذلك فاقد لأدوات الفهم، ومناهج الاستنباط، ودوائر العلوم الخادمة لفهم القرآن، عاجز عن إدراك مقاصده، حتى جنح إلى التكفير، ورمى جاره المسلم بالشرك، ثم لم يكتف بذلك، حتى ادعى لنفسه الجهاد، وخرج على الناس بالسيف، وحمل السلاح وأراق الدماء، وكلما ناشده أحد أن يكف ازداد عنادًا؛ لأنه توحّد مع القرآن، وجعل التشكيك في فهمه تشكيكًا في القرآن ذاته" [ينظر الحق المبين الدكتور أسامة الأزهري ص ٣١].
ويشير الدكتور أسامة الأزهري إلى ما يحدثه الغلو في المجتمع من تكدير السلم العام تعليقًا على النص النبوي الكريم، ولك أن تتخيل ما يشير إليه الحديث الشريف في فحوى الكلام وثناياه، من مقدار ما يقع بسبب ذلك الرجل من ضرر واختلال واضطراب للناس في شأنه، ما بين شخص أدرك خطورة تكفيره، فصار صدره موغرًا من هذا التكفيري، ويرى أن سبب الخراب والدمار ليس هو انحراف الرجل، بل هو منهجه ذاته، فيجر الرجل إلى القرآن إساءة الظن به، حيث نقل الناس خطورة منهجه، وبشاعة عدوانه إلى القرآن ذاته، لشدة التصاقه بالقرآن، وما بين شرائح من المجتمع لا تكاد تصدق أن يأتي انحراف الفهم في القرآن من هذا الرجل، مع شدة ما يعهدونه في تاريخه الممتد من خدمة القرآن، فيضطربون في تحديد موضع الخلل، ويبقون في حيرة وشتات، وما بين شريحة تقف عند شدة إصراره هو على أنه الحق، وأنه أولى الناس بالقرآن، فليس للخطأ سبيل عليه، فيلحدون بسببه، ويلصقون الخلل بدين الله ذاته". [المرجع السابق ص٣٣ - ٣٤].
قدّم الدكتور أسامة الأزهري، في كتابه الحق المبين تحليلًا دقيقًا لأسباب تخبط هذه الجماعات، فقال: "انتهكها الفكر المتطرف، وتأولها على غير وجهها، واستدعاها في غير ما نزلت لأجله، أو حرَّف دلالتها، متجاوزًا قواعد علم الأصول، وعلوم البلاغة والعربية، وآداب الاستنباط عمومًا." [ينظر الحق المبين ص ١٣]
هذا التشخيص يُظهر أن أصل الداء هو الجهل بأدوات الفهم الشرعي، ونجد كذلك أنه قد شخّص الداء (الغلو) في كتابه تشخيصًا عميقًا ، مبينًا حالة الاضطراب الفكري والديني التي نشأت نتيجة ممارسة الاجتهاد دون امتلاك أدواته العلمية حيث قال: "فقد تراكمت عندنا على مدى السنوات الثمانين عدة مفاهيم وأطروحات ونظريات وتنظيرات واستدلالات، غير مخدومة ولا مؤصلة، أقدم عليها الأدباء والكتَّاب والدعاة والمتحمسون، فضلا عمن دخل في مجال العلم الشرعي من الأطباء والمهندسين وأصحاب الحرف والمهن المختلفة، ممن أجهد نفسه في دراسة الشرع، ثم تحول إلى ممارسة صنعة الاجتهاد، مع اضطراب في امتلاك أدواته أو التمرس به، فكان نتيجة ذلك أن ألصقت بالشرع الشريف أفهام حائرة، ومقولات خطيرة، واستدلالات مضطربة، من ورائها أحداث صعبة، ونوازل عظيمة، وسجون ومعاناة وقتلى، مما أنتج جوًا مشحونًا محمومًا مندفعًا، تختلط فيه المعاناة والابتلاءات بالفكر والعلم والاستنباط، مما يرجع على صنعة العلم بالتشويش، والوقوع تحت الضغوط النفسية الهائلة، مما ينتج فقهًا مغرقًا في التشويش والاضطراب والاندفاع" [الحق المبين ص ٨، ٩].
أمام تفشي الغلو والتطرف في الفكر والسلوك، نهض العلماء المعاصرون بوضع أسس علمية ومنهجية لعلاج هذه الظاهرة، مستندين إلى تجارب التاريخ، ومقتضيات الواقع المعاصر، وقد ركّز العلماء على ضرورة إحياء منهج الوسطية المتمثل في الأزهر الشريف، باعتباره جوهر الإسلام ومفتاح الفهم الصحيح للنصوص، كما دعوا إلى تأصيل العلم الشرعي، وربط الفقه بالواقع، وتحصين الشباب من التأويلات المنحرفة.
يقول الدكتور أسامة الأزهري: "وقف الأزهر الشريف بكل ما يشتمل عليه من الموارد المعرفية الأصيلة المذكورة، يرقب ذلك بكل أناة وتأمل، وهو يعرض ما أنتجته تلك التيارات من أطروحات واستدلال وفهم للوحيين، وتنزيل له على الوقائع، على ميزان العلم العميق المؤصل، فما ترك حادثة ولا نازلة إلا وقد رصدها ولاحقها، وعكف على فحصها وتحليلها، وإبداء الرأي فيها، ولربما اشتهر نتاج ذلك وذاع، ولربما خفي جهده في ذلك وتوارى نتيجة عدم الخدمة التوثيقية والأرشفة والتوصيل الإعلامي وما أشبه " [المرجع السابق ص ٨].
وفي ذلك إشارة إلى الحل الأول ففيه تصحيح المفاهيم المغلوطة، والرد العلمي المؤصل وإعادة الاعتبار للتراث العلمي المؤصل المتمثل في الفكر الأزهري الوسطي، وبناء الإنسان علميًا وسلوكيًا من خلال خطاب ديني وسطي معتدل.
"فكان لابد من وقفة تاريخية أزهرية، يستنفر فيها الأزهر علومه ومعارفه وتاريخه وأعيانه ومناهجه وأدواته العلمية، ويضع نتاج تلك التيارات تحت المجهر، حتى يصدر فيها الرأي الفصل، وينفي عن دين الله تعالى ما ألصق"[المرجع السابق ص ٩].
جاء الإسلام بمنهج الوسطية والرحمة، ونبذ الغلو والتشدد، وحرص صاحب الجناب المعظم - صلى الله عليه وسلم -على ترسيخ هذا المنهج في أقواله وأفعاله، فكان يُعلّم أصحابه أن التيسير هو الأصل، وأن التشدد يُنفر الناس ويُفسد عليهم دينهم. ومن أبرز صور هذا الهدي النبوي، موقفه من معاذ بن جبل رضي الله عنه حين أطال القراءة في الصلاة، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم: «أفتان أنت يا معاذ؟» ثلاث مرات، ناهيًا إياه عن إرهاق الناس في عباداتهم.
فعن عبد الله الأنصاري قال: "أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَوْ النِّسَاءِ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ». أَوْ «فاتن» ثَلَاثَ مِرَارٍ: «فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ» [صحيح البخاري (١/ ٢٤٩)]
فهذه إحدى الوقائع التي حصلت في زمان النبوة، حصل فيها للناس اضطراب بسبب واحد من الأفاضل من الصحابة تحمس فأطال الصلاة، فأثقل على الناس، حتى تأخر الناس عن صلاة الفجر بسبب إطالته، أو ثقل الأمر على رجل فانتحى وصلى لنفسه صلاة خفيفة وانصرف لشأنه، فتناوله المتحمسون وقالوا: منافق، كما في بقية طرق الحديث، فجاء الرجل يشكو كل ذلك وسبب الشكوى ليس فسوقا ولا فجورا، بل حالة دينية زائدة، أوقعت في الناس اضطرابا، وفتنتهم، ونفرته، فكيف كان تصرفه، غضب حتى إنه ما رؤي غاضبا مثل غضبه ذلك اليوم، ووصفهم بالمنفرين، ثم خاطب الصحابي الفاضل وعاتبه، وقال له أفتان أنت؟ ثم شرع يشرع لهم معالم الاتزان والتيسير، التي لا توقع الناس في حيرة تنفرهم من دين الله، بحيث يلصقون حماسة الأشخاص بدين الله، فيثقل عليهم، فيصفهم هو بالنفاق ولا يراعي حالهم.” [الحق المبين ص ٩]
ويتجلّى الهدي النبوي في رفض الغلو والتشدد، وتأكيده على الرحمة والتيسير في العبادة، حفاظًا على وحدة الأمة وسلامة دينها، فالفهم الصحيح للدين لا يُقاس بطول القراءة أو شدة التكليف، بل بقدر ما يُقرّب الناس إلى ربهم برفق وحكمة.
الغلو الديني هو تجاوز الحدود الشرعية في الأقوال والأفعال، وهو ما حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم، واعتبره من أخطر الآفات التي تهدد تماسك المجتمع. ويتسبب الغلو في انحراف السلوك وتشويه صورة الدين، ويؤدي إلى خطاب الكراهية، والتكفير، والعنف، مما يزعزع السلم المجتمعي. وقد شخص العلماء المعاصرون، أمثال الدكتور أسامة الأزهري، أسباب الغلو في عدم امتلاك الأدوات العلمية الصحيحة لفهم النصوص، والجهل بمقاصد الشريعة، والاجتهاد بلا علم. ولمواجهة الغلو، دعا العلماء إلى إحياء منهج الوسطية المتمثل في الأزهر الشريف، والتأصيل العلمي، وربط الفقه بواقع الناس، مع الاسترشاد بالهدي النبوي في التيسير والاعتدال والرحمة.